العاقبة».
ومثله قول المباركفوري - ﵀ -: «أي تُصَيِّرُهُ (يعني: كثرة الضحك) مغمورًا في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافِعةٍ ولا يدفع عنها مكروهًا، وذا من جوامع الكلم».
ثالثًا: وربما استُدِلَّ بحديث: «المزاح استدراج من الشيطان، واختداع من الهوى».
فيُجاب عنه بأن يقال: «هذا الحديث ليس فيه شيء من كتب السُّنَّة، فهو حديث «لا أصل له»، ولم أجد مَن نَسَبَه إلى النبي - ﷺ - سوى الماوردي في كتابه «أدب الدنيا والدين»، وعنه الغَزِّي في كتابه «المراح في المزاح».
وهما مع ذلك ذكراه مُصدَّرًا بصيغة التمريض فقالا (روي) إشعارًا بضعفه.
وهذه الصيغة عند أهل الحديث لا تُصَدَّر إلا بما ضعف من الأحاديث.
ومن هذا يعلم خطأهما رحمهما الله في تصديرهما الحديث بهذه الصيغة التي تشعر بأن له أصلًا وإن كان ضعيفًا.
ثم إن نكارة الأثر ظاهرة لكل ذي بصيرة ولله الحمد، فكيف
[ ٣٤ ]
يكون المزاح استدراجًا من الشيطان وهو سُنَّة مستحبَّة إذا توفَّرت فيه الشروط التي ذكرها العلماء في كتب الأدب والزهد والرقاق.
وكيف يكون استدراجًا وقد كانت تُؤلَّف به قلوب حتى تدخل الإسلام، كما في قصة خوَّات بن جبير - ﵁ -. وستأتي.
بقي أن تعرف- رعاك الله- أن هذا الأثر رواه ابن أبي الدنيا في «كتاب الصمت وآداب اللسان» عن الحسن بن حُيَيِّ - ﵀ - بسند (ضعيف أيضًا)، فلا تقوم به حجة، وإنما يذكر وغيره في كتب الزهد والرقائق من باب الاستئناس فقط.
وعلى هذا فإن معنى الأثر هو: أن بعض المزاح يُجْرِيه الشيطان على لسان المرء ليكون مبدأ خصومة وجدال وتنافر ووحشة ومسببًا للشحناء .. والله أعلم. فبطل بذلك الاستدلال بهذا الأثر على كراهة المزاح مطلقًا والحمد لله.