وربما اسْتُدِلَّ بحديث أبي هريرة - ﵁ - في النهي عن كثرة الضحك، على كراهية المزاح والنهي عنه. ويُرَدُّ هذا الاستدلال بأن يُقال: ليس في الحديث دليل على حرمة الضحك بل ولا حتى القهقهة. وهي الضحك مقرونًا بصوت.
فإن كتب السُّنَّة مليئة بالأحاديث التي فيها ذكر ضحك النبي - ﷺ - حتى تبدو (أنيابه) وفي رواية (نواجذه) وفي رواية (أضراسه)، بل جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب - ﵁ - ضحك حتى استلقى على قفاه من شدة الضحك وذلك بحضرة النبي - ﷺ -، ولم ينكر عليه ذلك كما في حديث مبايعة هند بنت عتبة - ﵂ - لرسول الله - ﷺ - وقد جاءته متنكرة حتى لا يعرفها لأجل صَنيعها بعمِّه حمزة بن عبد المطلب - ﵁ -.
[ ٣٢ ]
ومثله حديث المقدام - ﵁ - كما في (صحيح مسلم) أنه ضحك حتى استلقى.
وحديث عدي بن حاتم - ﵁ - لمَّا قال لعمر بن الخطاب - ﵁ -: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك حتى استلقى لقفاه ثم قال: «نعم، والله إني لأعرفك ..» الحديث رواه أحمد.
ولا شك أن الصحابة - ﵃ - أبعد الناس عن مناهي الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ -، وإنَّما وقع ذلك منهم على النُّدْرَةِ «أي: الاستلقاء من شدة الضحك» لكنه مشعر بأنهم لا يرون في الضحك بأسًا تأسيًّا بالنبي - ﷺ -.
ثم إن النبي - ﷺ - إنما أراد من هذا الحديث، تجنُّب كثرة الضحك كما هو ظاهر النص، لما يَعْقُب ذلك من قسوة القلب بل موته إذا تمادى صاحبه فيه، ولما يعقبه من الانشغال عن حياة القلوب والأرواح بما خُلِقَت له من ذكر وعبادة وتَنَسُّكٍ.
وما أحسن ما قاله ابن العربي - ﵀ -: «المعنى فيه أن المرء إنما يضحك عند تأَتِّي الآمال، وصلاح الأحوال بما يناله من السرور فإذا ضحك اغْتَرَّ فأثَّر ذلك في قلبه بعدم الخوف، ففتر أو كَعَّ عن الاجتهاد في العمل لغفلة القلب، فإذا أكثر من ذلك وداوم عليه مات قلبه بترك أصل العمل وإعراضه عن الخوف في
[ ٣٣ ]