روى الشيخان عن عائشة - ﵂ - قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يَكْتُمن من أخبار أزواجِهِن شيئًا»، وفي آخره « قالت الحادية عشرة: زوجي
[ ٦٣ ]
أبو زرع، فما أبو زرع؟ أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وملأ من شحم عَضُدَيَّ، وَبَجَحَنِي فَبَجِحَتْ إليَّ نفسي، وَجَدَني في أهل غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فجعلني في أهل صَهِيلٍ وأَطيطٍ وَدَائِسٍ وَمِنَقٍّ، فعنده أقول فلا أُقَبَّح، وأرقد فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فأَتَنَقَّحُ ثم قالت: خرج أبو زرع والأَوطَابُ تُمْخَضُ فَلَقِيَ امرأةً معها وَلَدَانِ كالفهدين، يلعبان من تحت خَصْرِها بِرُمَّانتينِ، فَطَلَّقني ونكحها، فَنَكَحْتُ بعده رجلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وأخذَ خَطِيًّا، وأَرَاحَ عَليَّ نَعَمًا ثَرِيًّا وأعطاني من كل رائحة زوجًا، وقال: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أهلك، قالت: فلو جَمَعْتُ كُلَّ شيءٍ أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زَرْعٍ.
قالت عائشة - ﵂ -: قال رسول الله - ﷺ -: «كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع».
كأن النبي - ﷺ - قال ذلك تطييبًا لها، وطمأنينة لقلبها، ودفعًا
[ ٦٤ ]
لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع، إذْ لم يكن فيه ما تذمّه النساء سوى تطليقه لزوجه، ويؤيد ذلك ما زاده الهيثم بن عدي: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الأُلفة والوفاء، لا في الفُرْقة والجلاء»، وكذلك زيادة الزبير بن بكار: «إلا أنه طلَّقها وإني لا أطلِّقكِ».
قال النووي: «و(كان) زائدة أو للدوام كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: كان فيما مضى وهو باقٍ كذلك. والله أعلم».
وفي الحديث دليلٌ على حسن عشرته لأهله - ﷺ -، وأُلفته لهم، وفيه المزح أحيانًا وبَسْط النفس به ومداعبة الرجل أهله، وإعلامه بمحبته لهم.