وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - ﵀ -:
«﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: فليس لكم عذر؛ لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، وإنما تحترم هذه الأشياء وتعظم ويخشع عندها، إيمانًا بالله ورسوله، وتعظيمًا لآياته، وتصديقًا وتوقيرًا، والخائض واللاعب متنقِّص لها، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله، وفيه أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها. أو عمل يعمله، قال المصنف: «القول الصريح في الاستهزاء: هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح فمثل مدِّ الشَّفَة، وإخراج اللسان، ورمْز العين، وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة فكيف بالتوحيد؟». وقال: «فيه- وهي العظيمة- أن من هَزَل بهذا أنه كافر، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ورسوله، وبين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل».
ثانيًا: أن لا يكون في المزاح كذب؛ لأن الكذب مخالفة شريعة وكبيرة من كبائر الذنوب فيتعيَّن انتفاؤها في هذا المقام، ليكون العمل موافقًا لمنهج النبي - ﷺ - وإن كان الكذب محرمًا مطلقًا، لكن تحريمه هنا آكد؛ لكونه مما يتساهل فيه الناس باعتبار
[ ١٠٦ ]
تقسيمهم إياه إلى كذب أبيض وآخر أسود، ولا شك أن تَسْمِيَة الكذب أبيض، تحقيرٌ للذنب، وقد حذر النبيُّ - ﷺ - من محقرات الذنوب. فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم ومُحَقِّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهْلِكْنَه»، وإن رسول الله - ﷺ - ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فَحَضرَ صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا فأجَّجوا نارًا وأنْضَجُوا ما قذفوا فيها».
[ ١٠٧ ]
بل إن الكذب في المزاح خاصة جاء فيه خبر صريح عن النبي - ﷺ - من حديث أبي أمامة - ﵁ -: «أنا زعيم بيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب في المزاح ..».
فجدير بعد ذلك بمن علم هذا الفضل المترتِّب على تجنُّب الكذب في المزاح، أن يأطر نفسه على تركه أطرًا، اقتداء بالنبي - ﷺ -: «الذي يمزح ولا يقول إلا حقًّا». خصوصًا إذا علم ما في مخالفة هذا الأمر من التعرض للوعيد الشديد. فعن بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القُشَيْري، عن أبيه، عن جده - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ويل للذي يُحدِّث فيكذب، ليضحك به القوم، وَيْلٌ له، وَيْلٌ له».
وفقنا الله وإياك لما يحب من الأعمال والأقوال، وجَنَّبنا مساخِطَه، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
[ ١٠٨ ]