وعنها - ﵂ - قالت: «أتيت النبي - ﷺ - بخريزةٍ قد طَبَخْتُها له، فقلت لسودة - ﵂ - والنبي - ﷺ - بيني وبينها: «كلي»، فأبت، فقلت: «لتأكلنَّ، أو لألطخن وجهكِ»، فأبت،
[ ٦٨ ]
فوضعت يدي في الخريزة فَطَلَيْتُ وجهها، فضحك النبي - ﷺ -، فوضع يده لها، وقال لها: «الْطَخي وجهها»، فضحك النبي - ﷺ - لها، فمرَّ عمر فقال: يا عبد الله يا عبد الله، فظن أنه سيدخل فقال: «قوما فاغسلا وجوهكما»، فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله - ﷺ -.
وفي هذا الحديث ضرب من ضروب مزاحه - ﷺ -، ودماثة خلقه، فإنه لما رأى ما فعلت عائشة بسودة - ﵄ -، أراد أن تَقْتَصَّ لنفسها، فخفض لها ركبتيه لتستقيد منها- كما في رواية الزبير بن بكار- وهو في هذا يضحك استملاحًا لمزاحهما، بل إنه - ﷺ - ضَرَبَ معهما بسهم في المزاح، فقال لسودة: «الْطَخي وجهها»، فلطخت وجه عائشة - ﵄ -، فضحك لها كما ضحك لعائشة.
وليعلم أن هذا المزاح بين أمهات المؤمنين لم يكن فيه إثارة لضغائن كامنة أو أحقاد أو غيرها بين عائشة وسودة، وحاشاهن من ذلك، بل هو من جِنْس تَبَادُح الصحابة بالبطيخ، مع كون الأنفس مُتَوَادَّة متراحمة، فعن عائشة - ﵂ - قالت: «ما رأيت
[ ٦٩ ]
امرأة أَحَبُّ إليَّ أن أكون في مِسْلاخها من سودة».
قال ابن الأثير: «كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها».
وقال القاضي عياض: «وحقيقة ذلك أنها تمنَّتْ أن تكون هي، وإلا فإن أحدًا لا يكون في جلد غيره».
وقال القرطبي: «تمنت أن تكون على مثل حالها في الأوصاف التي استحسنت منها؛ لأنها كانت حديدة القلب، حازمة مع عقل ودين».
وبهذا عُلِم يقينًا- أن تلك الدعابة لم تكن عن حقد وبغضاء، ولو كانت كذلك، لعلمها النبي - ﷺ -، فَلَمَّا كان الحامل عليها خلاف ذلك أذن لها في مثل هذا المزاح.