هذا وإن العاقل جدير به أن يتوخَّى بمزاحه إحدى حالتين:
الأولى: إيناس المصاحبين والتودُّد إلى المُخَاطَبين، وهذا يكون بما أُنِسَ من جميل القول وَبُسِطَ من مُسْتَحْسَن الفعل.
ومن هذا النوع قول النبي - ﷺ - للصبي الذي مات طائر كان له: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟». رواه البخاري.
فإنه - ﷺ - لما رأى على أبي عمير أثر الحزن والكآبة أراد أن يُؤْنِسَه ويداعبه لينفي عنه ما رآه.
الثانية: نفي ما طرأ على النفوس من سَأَم أو همٍّ أو مللٍ.
ومن هذا النوع قول النبي - ﷺ - لعلي بن أبي طالب - ﵁ - - وقد رآه في المسجد نائمًا لِخِصَام كان بينه وبين زَوْجِه فاطمة - ﵂ - -: «قم أبا تراب، قم أبا تراب» وهو يَنْفض التراب عنه. رواه البخاري.
وعلى هاتين الحالتين كان مزاح رسول الله - ﷺ - وأصحابه، يعلم هذا مَن تتبَّع ما ورد عنهم في هذا الباب.
وفي هذه الحالة الثانية «الإحماض» الذي كان يفعله أهل
[ ٤٥ ]
العلم في دروسهم ومجالس إملاء التلاميذ.
وهو أن يأتي الشيخ بِمُسْتَظْرَفٍ من القول أو نادِرة كلامٍ أو مُسْتَحْسَنِ حديث أو قصة أو شعر إذا رأى على الطلاب أثر السآمة والمَلل.
والإحماض في اللغة: مأخوذ من الحِمْض وهو نبات فيه ملوحة تَتَفَكَّهُ به وتشرب عليه الإبل إذا أكثرت من أكل النبات الحلو.
فالإحماض هو: أخذ الشيخ شيئًا من مُلَح الكلام والحكايات وما يؤنس من أخبار وأشعار، لِيُريحَ طلابه خشية الملل عليهم.
وفي ذلك كان يقول ابن عباس - ﵄ - إذا أفاض مَنْ عِنْدَه في الحديث بعد القرآن والتفسير: «أَحْمِضُوا».
وكان الزهري - ﵀ - يقول: «الأذن مجَّاجة والنفس حَمْضَة» أي: الأذن تَمُجُّ ما تسمعه فلا تَعِيهِ إذا وُعِظَت بشيء أو نُهِيَت عنه، ومع ذلك فلها شهوة في السماع.
قال الزهري: «والمعنى أن الأذان لا تعي كل ما تسمعه وهي مع ذلك ذات شهوة لما تَسْتَظْرِفُه من غرائب الحديث ونوادر الكلام». اهـ.
[ ٤٦ ]
ومثاله:
ما فعله العلامة السِّنْبَاوي المالكي المعروف بـ «الأمير الكبير» في كتابه «النخبة البهية».
فإنه لما كان يملي على الطلاب، ورأى السآمة غشيتهم أورد أثرًا عن الصحابي عمر بن سراقة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - بعثه في سرية فجاع، فكان لا يستطيع المشي، فَضَيَّفَه جماعة من العرب فأكل حتى مشى فقال: «كنت أحسب أن الرجلين تحملان البطن، فرأيت البطن تحمل الرجلين».
والأثر لا مناسبة لِذِكْره في هذا الكتاب «النخبة البهية» ولكنَّ الأمير السنباوي - ﵀ - أراد أن يُذْهِب التعب والنَّصَب عن الطلاب بهذه الملحة ليستعيد الطلاب نشاطهم، ويطرحوا عنهم التعب والملل. فكان للأمير ما أراد.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم - ﵀ - في نونيَّته: (وتخلل الفترات للعزمات أمرٌ لازم لطبيعة الإنسان)
أي أن طبيعة الإنسان وجِبِلَّتَه لابد أن يلحقها فتور وتعب مهما بلغ به الجد والعزم على إنقاذ ما أراد، لذلك لابد من إجْمَامها والترويح عنها. وقد قيل: «إني لأستجم قلبي بشيء من اللهو
[ ٤٧ ]
لأقوى به على الحق».
ومنه قول أبي الدرداء: «إني لأحمل نفسي على الباطل لأعينها على الحق».
[ ٤٨ ]