وردت عِدَّةُ أخبار في شأن تأخر علي عن مبايعة أبي بكر الصديق، وجُلُّ هذه الأخبار ليست صحيحة، وفي المقابل جاءت روايات صحيحة السند تفيد بأن عليًا بايع الصديق في أول الأمر، ومن ذلك: ما جاء عن أبي سعيد الخدري﵁- قال: «لما تُوفِّي رسولُ الله ﷺ قام خطباء الأنصار ، فذكر بيعة السقيفة، ثم قال: فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا، فسأل عنه، فقام أناس من الأنصار، فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٥).
(٢) المصدر السابق.
[ ٣٣ ]
ﷺ وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ، فبايعه» (^١).
قال الحافظ ابن كثير: «هذا إسناد صحيح محفوظ، وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب، إما في أول يوم، أو في الثاني من الوفاة، وهذان حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلفه» (^٢).
ووقف عليٌّ بعد ذلك بجوار أبي بكر الخليفة في حروبه ضد المرتدِّين، يساند ويؤازر وينصح، ويتجلَّى نصحه وصدقه يوم أراد
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه الحاكم (كتاب معرفة الصحابة، باب من فضائل أبي بكر، رقم ٤٤٥٧) والبيهقي = = (كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش، ٨/ ١٤٣)، وصحّح إسناده الحافظ ابن كثير، كما سيأتي لاحقا. ومما يدل على أهمية هذا الحديث وصحته، ما أسنده البيهقي عقبه، من أن الإمام مسلم بن الحجاج - صاحب الجامع الصحيح - ذهب إلى محمد بن إسحاق بن خزيمة - صاحب صحيح ابن خزيمة- فسأله عن هذا الحديث، فكتب له ابن خزيمة الحديث، وقرأه عليه، فقال مسلم لابن خزيمة: هذا الحديث يساوي بدنة، فقال ابن خزيمة: هذا الحديث يساوي بدنة؟! إنه يساوي بدرة. ا. هـ وإسناد هذه القصة صحيح. والبدنة: هي الناقة أو البقرة التي تنحر بمكة، وسمِّيت بدنة لعظمها وضخامتها. والبدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف دينار، والمعنى: أنه كنز ثمين.
(٢) البداية والنهاية (٨/ ٩٢).
[ ٣٤ ]
الصدِّيق أن يخرج بنفسه لقتال المرتدِّين، فوقف له عليٌّ، وأخذ بزمام فرسه، وقال له: «إلى أين يا خليفة رسول الله ﷺ؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «شم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك». وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا». فرجع، وأمضى الجيش (^١).
وكان عليٌّ يعرف لأبي بكر فضله، فيقدِّمه على نفسه، وهذا بصريح قوله لا بقول أحد غيره، ومن ذلك: أن ابنه محمد بن الحنفية قال له يوما: يا أبت، أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ؟ قال: «أبو بكر»، قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ عمر»، وخشيتُ أن يقول عثمان، قُلتُ: ثُمَّ أنت؟ قال: «ما أنا
إلا رجل من المسلمين» (^٢).
وفي المقابل: كان أبو بكر يعرف لعلي ولآل البيت فضلهم، فينزلهم منزلتهم، ويقدرهم قدرهم، ومن ذلك: أن أبا بكر ﵁ صلَّى
_________________
(١) أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر، والساجي من حديث عائشة؛ كما في البداية والنهاية (٩/ ٤٦٦). وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (كتاب المناقب، باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم ٣٦٧١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٧/ ٣٨٥) عن هذا الحديث: أنه مما استفاض وتواتر عن عليّ، وتوعَّد عليٌ بجلد المفتري من يفضله عليه - أي: على أبي بكر -.ا. هـ
[ ٣٥ ]