كان معاوية - كما قدَّمنا - من القسم الثاني من الفريق الأول، والذي امتنع عن مبايعة علي حتى يتم القصاص من قتلة عثمان، فرأى عليٌّ بعد معركة الجمل أنه يجب على معاوية وأصحابه طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، ورأى أنهم خارجون عن طاعته، يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة؛ عندها رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة (^٢).
ولذا أعدَّ عليٌّ جيشه، وخرج به إلى صِفِّين في الشام. ولما علم معاوية بخروج عليٍّ إليه، جهَّز جيشا وخرج به لملاقاة علي ومن معه، مُصِرًَّا بذلك على موقفه من عدم المبايعة؛ لحين تسليمه قتلة عثمان.
بدأ الأمر بين الجيشين بمناوشات يسيرة، ثم محاولات للصلح لم يُكتب لها النجاح، وأعقب ذلك حرب دامية بين الطرفين، قُتِل فيها عشرات الآلاف من الطرفين، حتى رأى بعض العقلاء ضرورة التوقُّف
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري (٤/ ٥٠٦ - ٥٣٩)، البداية والنهاية (١٠/ ٤٤٠ - ٤٦٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٢).
[ ٤٩ ]
حقنا لدماء من بقي من المسلمين، وخوفا على النساء والذراري من فناء رجالهم، وهجوم الأعداء عليهم، فرفع جنود معاوية المصاحف على أسنَّة الرماح، مطالبين بذلك تحكيم كتاب الله بينهم، فرضي عليٌ بذلك، ورجع إلى الكوفة، ورجع معاوية إلى الشام.
انتدب عليٌ أبا موسى الأشعري ليكون نائبه في ذلك التحكيم، وانتدب معاويةُ عمرو بن العاص ليكون نائبه، ودارت بينهما مفاوضات، وردت فيها أخبار كثيرة باطلة لا يصح منها شيء (^١)، والصحيح أن الطرفين اتفقا في النهاية على وقف القتال لأجل مُسمَّى (^٢).
وقبل أن نغادر هذا الموطن، يحسن بنا أن نشير هنا إلى شيء من آراء العلماء في الترجيح بين اجتهاد الصحابة في هذه الفتنة:
قال ابنُ كثيرٍ: «كان عليٌّ وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبت في صحيح مسلم (^٣) من حديث أبى سعيد الخدري قال: حدثني من هو خير
_________________
(١) انظر هذه الروايات ونقدها في: مرويات أبي مِخْنَف في تاريخ الطبري (ص: ٣٧٧ - ٤١٨).
(٢) تاريخ الطبري (٥/ ٥ - ٦٤)، البداية والنهاية (١٠/ ٤٩١ - ٥٥٩).
(٣) أخرجه مسلم (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، رقم ٢٩١٥).
[ ٥٠ ]
مني - يعني أبا قتادة- أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعليٌّ ومن معه أولى بالحق من معاوية وأصحابه، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " «تمرق مارقة على حين فُرْقةٍ من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (^٢)، فدلَّ هذا الحديث على أن عليَّا أولى بالحق ممن قاتله؛ فإنه هو الذي قتل الخوارج لما افترق المسلمون» (^٣).
ومع كون علي ﵁ كان الأقرب إلى الحق، إلا أن بعض العلماء يرون أنه لم يصب الحق كاملا، وأن الحق كان مع من اعتزل القتال بالكلية، فإن الإصلاح كان أولى من الاقتتال، وإلا فالاعتزال.
قال شيخ الإسلام - بعد أن قرَّر أن عليَّا وعسكره أولى بالحق من معاوية وعسكره -: «لكن الفئة الباغية هل يجب قتالها ابتداء قبل أن
_________________
(١) البداية والنهاية (٩/ ١٩٣).
(٢) أخرجه مسلم (كتاب الكسوف، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم ١٠٦٤) عن أبي سعيد الخدري. وكان عمّار في جيش علي، فقتله جنود معاوية، ﵃ جميعا، فعندها تبيَّن للناس أن الفئة الباغية هي فئة معاوية.
(٣) منهاج السنة (٧/ ٥٧). وسيأتي الحديث عن قتال الخوارج في الكلام عن معركة النهروان.
[ ٥١ ]
تبدأ الإمام بالقتال، أم لا تقاتل حتى تبدأ بالقتال؟ هذا مما تنازع فيه العلماء، وأكثرهم على القول الثاني، فلهذا كان مذهب أكابر الصحابة والتابعين والعلماء أن ترك عليّ القتال كان أكملَ وأفضلَ وأتمَّ في سياسة الدين والدنيا» (^١).
ثم اعتذر عن فعل عليٍّ بأنه كان إمام هدى من الخلفاء الراشدين، وأنه فعل ما فعل متأولا مجتهدا، وقد عَذَرَ النبي ﷺ أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي أشهر إسلامه لمَّا رَفَع عليه السيف، وكذلك عَذَرَ خالد بن الوليد لما قتل من قتل من بني جذيمة، لأنهم لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، وقالوا: صبئنا؛ لأن ذلك كان تأولا منهما، ومعلوم أن عليَّا وطلحة والزبير كانوا أفضل من أسامة وخالد وغيرهما، فهم أولى بقبول العذر منهم.
وقال شيخ الإسلام: «ولما قال النبي ﷺ عن الحسن: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» " (^٢)، فمدح الحسن على الإصلاح، ولم يمدح على القتال في
_________________
(١) جامع المسائل (٦/ ٢٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (كتاب الصلح، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي «إن ابني هذا سيد»، رقم ٢٧٠٤، وكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٦٢٩، وباب مناقب الحسن والحسين، رقم ٣٧٤٦، وكتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي «إن ابني هذا سيد»، رقم ٧١٠٩) عن أبي بكرة.
[ ٥٢ ]
الفتنة؛ علمنا أن الله ورسوله كان يحب الإصلاح بين الطائفتين دون الاقتتال. ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (^١)، وقال: «يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» ورُوِيَ: «أولى الطائفتين بالحق» (^٢) من معاوية وأصحابه؛ أَعْلَمَ أن قتال الخوارج المارقة أهل النهروان الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، كان قتالهم مما أمر الله به ورسوله، وكان عليٌّ محمودا مأجورا مثابا على قتاله إياهم. وقد اتفق الصحابة والأئمة على قتالهم، بخلاف قتال الفتنة، فإن النص قد دلَّ على أنَّ ترك القتال
فيها كان أفضل، لقوله ﷺ: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٦١١، وكتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فخر به، رقم ٥٠٥٧، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، رقم ٦٩٣٠) ومسلم (كتاب الكسوف، باب التحريض على قتل الخوارج، رقم ١٠٦٦) عن علي بن أبي طالب.
(٢) تقدَّم تخريجه.
[ ٥٣ ]
الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» (^١)، ومثل قوله لمحمد بن مسلمة: «هذا لا تضره الفتنة» (^٢)، فاعتزل محمد بن مسلمة الفتنة، وهو من خيار الأنصار، فلم يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وكذلك أكثر السابقين لم يقاتلوا، بل مثل سعد بن أبي وقاص، ومثل أسامة بن وزيد، وعبدالله بن عمر، وعمران بن الحصين، ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة، ولا أبو بكرة، ولا غيرهم من أعيان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد قال النبي ﷺ لأُهْبَان بن صَيْفِي: «خذ هذا السيف فقاتل به المشركين، فإذا اقتتل المسلمون فاكسره» (^٣)، ففعل ذلك ولم
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٦٠١، وكتاب الفتن، باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، رقم ٧٠٨١، ٧٠٨٢) ومسلم (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر، رقم ٢٨٨٦) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه أبو داود (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة، رقم ٤٦٦٣) عن حذيفة بن اليمان.
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٦٩ رقم ٢٠٦٧٠، ٢٠٦٧١، ٦/ ٣٩٣ رقم ٢٧١٩٩، ٢٧٢٠٠، ٢٧٢٠١) وابن ماجه (كتاب الفتن، باب التثبت في الفتن، رقم ٣٩٦٠) والترمذي (كتاب الفتن، باب ما جاء في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة، رقم ٢٢٠٣) - واللفظ لأحمد - عن عُدَيْسة بنت أُهْبان، أن علي بن أبي طالب أتى أهبان، فقال: ما يمنعك من اتباعي، فقال: أوصاني خليلي وابن عمك، يعني رسول الله ﷺ، فقال: «ستكون فتن وفرقة، فإذا كان ذلك فاكسر سيفك، واتخذ سيفا من خشب»، فقد وقعت الفتنة والفرقة، وكسرت سيفي، واتخذت سيفا من خشب، فهذا سيفي، فإن شئتَ خرجتُ به معك، فقال عليٌّ: لاحاجة لنا فيك، ولا في سيفك.
[ ٥٤ ]
يقاتل في الفتنة. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من
الفتن» (^١). وفي الصحيح عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: «إني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كمواقع القَطْر» (^٢).
والأحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في إخباره بما سيكون في الفتنة بين أمته، وأمره بترك القتال في الفتنة، وأنَّ الإمساك عن الدخول فيها خيرٌ من القتال» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (كتاب الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن، رقم ١٩، وكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٦٠٠، وكتاب الرقاق، باب العزلة راحة من خلاط السوء، رقم ٦٤٩٥، وكتاب الفتن، باب التعرب في الفتنة، رقم ٧٠٨٨) عن أبي سعيد الخدري.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (كتاب الحج، باب آطام المدينة، رقم ١٨٧٨، وكتاب المظالم والغصب، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها، رقم ٢٤٦٧، وكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٥٩٧، وكتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ: «ويل للعرب من شر قد اقترب»، رقم ٧٠٦٠) ومسلم (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر، رقم ٢٨٨٥) عن أسامة بن زيد.
(٣) جامع المسائل (٦/ ٢٦٦ - ٢٦٨).
[ ٥٥ ]
لكن يبقى لنا بعد أن عرضنا هذه الأقوال والآراء للعلماء في هذه الفتنة، أن نشير إلى أن الإمساك عمَّا شَجَرَ بين الصحابة، وذكرهم بالحسنى؛ هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال أبو بكر المرُّوذي: قيل لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: يا أبا عبدالله، ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ فقال أبو عبدالله: «ما أقول فيهم إلا الحسنى» (^١).
وقال المرُّوذي: وسمعت أبا عبدالله، وذُكر له أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «﵏ أجمعين، ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة، كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان من مذهب أهل السنة: الإمساك عما شَجَرَ بين الصحابة،
فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم» (^٣).
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص: ٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) منهاج السنة النبوية (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
[ ٥٦ ]
وقال ابن كثير: «وأما ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد، كيوم صِفِّين. والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران اثنان» (^١).
وقال الحافظ ابن حجر: «واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عُرِف المُحِقُّ منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين» (^٢).