العصر يوما، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه، وقال: «بأبي، شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي». وعلي ﵁ يضحك (^١).
وظلَّت هذه العلاقة من المودة والإخاء، والمحبة والتقدير بينهما حتى لحق الصدِّيق بربه، واستخلف عُمَرَ من بعده.
ثانيًا: عليٌ مع عمر بن بن الخطاب - ﵄ -:
على درب الصدق والنصح والإخاء الذي سار عليه مع الصدِّيق، سار عليٌّ مع عمر بن الخطاب. وفي المقابل أيضا: كانت لعلي منزلته العالية عند الفاروق عمر، كما كانت عند أبي بكر.
يقول ابن الجوزي عن عليّ: «كان أبو بكر وعمر يشاورانه ويرجعان إلى رأيه، وكان كل الصحابة مفتقرا إلى علمه، وكان عمر يقول: «أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن» (^٢).
ولذلك جعله عمر من مجلس مشورته، وتراجع مرات عن رأيه، آخذا برأي علي، حينما تبيَّن له صحته، ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب، ﵁، أُتِيَ بامرأة قد زنت، فأمر برجمها، فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم عليٌّ، ﵁، فقال: «ما هذه؟» قالوا: زنت فأمر عمر
_________________
(١) أخرجه البخاري (كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ، رقم ٣٥٤٢، وباب مناقب الحسن والحسين، رقم ٣٧٥٠) عن عقبة بن الحارث.
(٢) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٥/ ٦٨).
[ ٣٦ ]
برجمها، فانتزعها عليٌّ من أيديهم وردَّهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: «ما ردَّكم؟» قالوا: ردَّنا عليٌّ، قال: «ما فعل هذا عليٌّ إلا لشيء قد علمه»، فأرسل إلى عليّ، فجاء وهو شبه المغضب، فقال: «ما لك رددتَ هؤلاء؟» قال: «أما سمعت
رسول الله ﷺ يقول: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل؟» قال: «بلى»، قال عليٌّ: «فإن هذه مبتلاة بني فلان، فلعله أتاها وهو بها»، فقال عمر: «لا أدري»، قال: «وأنا لا أدري». فلم يرجمها (^١).
وفي المقابل: كان عليٌّ يعرف لعمر فضله، ويقدِّمه على نفسه، وقد مر معنا في علاقته بأبي بكر، أنه لما سُئِلَ: أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: «أبو بكر»، قِيل له: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ عمر» (^٢).
ولمَّا طُعن عمر، ﵁، كان عليٌّ من أشد الناس حزنا عليه، وثناءً عليه، يقول عبدالله بن عباس: «وُضِع عمر بن الخطاب على سريره، فتكنَّفه (^٣) الناس يدعون ويُثنون ويُصلُّون عليه، قبل أن يُرفع،
_________________
(١) صحيح بمجموع طرقه: أخرجه أحمد (١/ ١٥٤ رقم ١٣٢٨) وغيره، وانظر تتمة تخريجه في حاشية المُسنَد هناك.
(٢) تقدَّم تخريجه.
(٣) أي: أحاطوا به.
[ ٣٧ ]
وأنا فيهم، قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه فإذا هو علي، فترحَّم على عمر، وقال: ما خلَّفتُ أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجو، أو لأظن، أن يجعلك الله معهما» (^١).
وفي مُقابل ذلك: فإن عمر لما طُعن: رشَّح عليا للخلافة مع أهل الشورى، وذلك حينما قِيل له: أوص يا أمير المؤمنين، استخلِفْ. فقال: «ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين تُوفِّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض». فسمَّى عليًَّا، وعُثمانَ، والزُّبيرَ، وطلحةَ،
وسعدًا، وعبدالرحمن (^٢).