منذ اللحظات الأولى التي أعلن عليٌّ إسلامه فيها، وهو يعلم أن منزلة رسول الله ﷺ لا يدانيها منزلة أحد من البشر، وأنه لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتردد في أن يفدي رسول الله ﷺ بنفسه. وكذلك علم أن عليه واجبا تجاه دينه ينبغي أن يؤديه، وقد أثبتت الأيام
صدق ما رسخ في نفسه في هذا الوقت.
ففي حادث الهجرة: عندما تمالأ كفار قريش على قتل رسول الله ﷺ، واجتمعوا حول بيته لتنفيذ جريمتهم؛ أراد رسول
_________________
(١) طبقات ابن سعد (٣/ ١٩ - ٢٠)، وانظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (٥/ ٦٩).
[ ٣٠ ]
الله ﷺ أن يترك أحدا مكانه في فراشه، وهي مهمة خطرة بلا شك، قد يدفع من يقوم بها حياتَه ثمنا لها، فانتدب النبي ﷺ عليَّا لها، وقال له: «نَمْ على فراشي، وتَسَجَّ (^١) ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنَمْ فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» (^٢).
قال ابن عباس: «شَرَى عليٌّ نفسه، فلبس ثوب النبي ﷺ، ثم نام في مكانه» (^٣).
ولم يتوقف جهاده في سبيل الله، مع رسول الله ﷺ عند حادث الهجرة، بل ترك وطنه وأهله ولحق عليٌّ بنبيه بعد هجرته، وظلَّ يتنقل معه من غزوة لأخرى، ومن مشهد لآخر، فمن بَدْرٍ لأُحُد، ثم الأحزاب، فبيعة الرضوان وصلح الحديبية، ثم خيبر، ثم فتح مكة، وحنين، والطائف، مرورا بالسرايا والمهمات الخاصة التي كان النبي ﷺ ينتدبه لها.
_________________
(١) تسجَّى بالثوب: غطَّى به جسده ووجهه.
(٢) هذه القصة مما تتابع على نقلها أهل السير، ولم أقف لها على إسناد صحيح للآن! انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، طبقات ابن سعد (١/ ٢٢٨)، دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٥ - ٤٧٠)، البداية والنهاية (٤/ ٤٤١).
(٣) في سنده لابن عباس ضعف، وسيأتي تخريجه بإذن الله ضمن حديث طويل لابن عباس في مُسنَده برقم (٤٦٥٢).
[ ٣١ ]
يقول النووي: «وأجمع أهل التواريخ على شهوده بدرًا وسائر المشاهد غير تبوك. قالوا: وأعطاه النبى ﷺ اللواء في مواطن كثيرة. وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليًا يوم أُحُد ستةُ عشر ضربة. وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أعطاه الراية يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه (^١)، وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة» (^٢).
فلم يتخلَّف علي عن غزوة من الغزوات، إلا ما كان منه في غزوة تبوك، حينما استخلفه النبي ﷺ على المدينة، فقال له علي: «أتخلفني في الصبيان والنساء؟» فقال له النبي ﷺ: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون، من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟» (^٣).
ولم تقتصر خدمة عليٍّ لدين الله، ونشره له؛ على ميدان القتال والسيف فحسب، بل نَشَرَه كذلك بلسانه، فحمل إلى الأمة حديثا كثيرا عن رسول الله ﷺ. فروى عن رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) حديث الراية وفتح خيبر: يأتي تخريجه والكلام عليه بإذن الله في مُسند سعد بن أبي وقاص، برقم (٤٥٧٥).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٥).
(٣) يأتي تخريجه والكلام عليه بإذن الله في مُسند سعد بن أبي وقاص، برقم (٤٥٧٥).
[ ٣٢ ]
وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانين حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر (^١)، هذا بخلاف فتاويه وتعليمه للناس.
يقول النووي: «وأما علمه، فكان من العلوم بالمحل العالي» (^٢).