قال الحاكِم في تاريخه: «ذكرنا يوما ما روى سليمان التيمي، عن أنس، فمررت أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي الحافظ وجماعة من المشايخ، إلى أن ذكرت حديث" «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فحمل بعضهم علي، فقال أبو علي: لا تفعل، فما رأيت أنت ولا نحن في سِنِّه مثله، وأنا أقول: إذا رأيته رأيت ألف رجل من أصحاب الحديث» (^١).
وقال عبدالغافر الفارسي: «إمام أهل الحديث في عصره والعارف به حق معرفته، وبيته بيت الصلاح والورع.
اختص بصحبة إمام وقته أبي بكر مُحمَّد بن إسحاق بن أيوب الصبغي، فكان في الخواص عنده والمرموقين، وكان يراجعه في السؤال عن الجرح والتعديل، وعلل الحديث، ويقدمه على أقرانه، وأدَّى اختصاصه به إلى اعتماده عليه في أمور مدرسته دار السنة، وفوَّض إليه تولية أوقافه، واستضاء برأيه في أموره؛ اعتمادا على حسن ديانته، ووفور أمانته.
وجرت له مذاكرات ومحاورات مع الحفاظ والأئمة من أهل الحديث؛ مثل: أبي بكر بن الجِعابي بالعراق، وأبي علي الحافظ الماسرجسي الذي كان أحفظ أهل زمانه» (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٦).
(٢) المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور للصريفيني (ص: ١٦).
[ ٩٣ ]
وقال أيضا: «ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكون أن مُقدَّمِي عصره مثل: أبي سهل الصعلوكي، والإمام ابن فورك، وسائر الأئمة؛ يقدمونه على أنفسهم، ويراعون حق فضله، ويعرفون له الحرمة الأكيدة».
ثم أطنب عبد الغافر في نحو ذلك من تعظيمه، وقال: «هذه جمل يسيرة، هي غيض من فيض سيره
وأحواله، ومن تأمل كلامه في تصانيفه، وتصرفه في أماليه، ونظره في طرق الحديث، أذعن بفضله، واعترف له بالمزية على من تقدمه، وإتعابه من بعده، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه، وعاش حميدا، ولم يُخلِّف في وقته مثله» (^١).
وقال الخليلي: «رأيته في كل ما ألقي عليه بحرا لا يعجزه عنه.
وقال: له إلى العراق والحجاز رحلتان، ارتحل إليها سنة ثمان وستين في الرحلة الثانية، وذاكر الحفاظ والشيوخ، وكتب عنهم أيضا، وناظر الدارقطني فرضيه، وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه الكتب الطوال والأبواب، وجمع الشيوخ المكثرين والمقلين قريبا من خمسمائة جزء، ويستقصي في ذلك، يؤلِّف الغث والسمين، ثم يتكلم عليه فيُبيِّن ذلك».
وقال: «وكنت أسأله عن الضعفاء الذين نشأوا بعد الثلاثمائة بنيسابور، وغيرها من شيوخ خراسان، وكان يبين من غير محاباة".
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٠ - ١٧١).
[ ٩٤ ]
وقال أيضا: عالم عارف، واسع العلم، ذو تصانيف كثيرة، لم أر أوفى منه» (^١).
وقال الخطيب: «كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مُصنَّفات عدَّة ، وكان ثقة» (^٢).
وقال ابن الصلاح: «الحافظ الذي لا يستغنى عن تصانيفه في الحديث وعلمه» (^٣).
وقال السمعاني: «كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ والفهم، وله في علوم الحديث وغيرها مصنفات حسان» (^٤).
وقال ابن السُبكي: «كان إماما جليلا، وحافظا حفيلا، اتُّفِق على إمامته، وجلالته، وعِظَمِ
قَدْره» (^٥).
وذكره الذَّهبيّ في المعين في طبقات المحدثين، ولقبه بـ «الحافظ» (^٦).
_________________
(١) الإرشاد في معرفة علماء الحديث (٣/ ٨٥٣).
(٢) تاريخ بغداد (٣/ ٥٠٩).
(٣) طبقات الشافعية (١/ ١٩٨).
(٤) الأنساب (١/ ٤٣٢).
(٥) طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ١٥٦).
(٦) المعين في طبقات المحدثين (رقم ١٣٤٠).
[ ٩٥ ]
ونقل الإجماع على صدقه، ومعرفته بعلوم الحديث (^١).
وقال عنه: «الإمام، الحافظ، النَّاقد، العلَّامة، شيخ المُحدِّثين، ، صاحب التصانيف».
وقال عنه: «صَنَّفَ وَخَرَّجَ، وَجَرَح وَعدَّل، وَصحَّح وَعلَّل، وكان من بُحور العِلْمِ.
قال أبو حازم عمر بن أحمد العبدويي الحافظ: سمعت الحاكِم أبا عبدالله إمام أهل الحديث في عصره يقول: شربتُ ماء زمزم، وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف.
قال العبدويي وسمعت أبا عبدالرحمن السُّلَمِي يقول: كتبتُ على ظهر جزء من حديث أبي الحسين الحجاجي: الحافظ، فأخذ القلم، وضرب على الحافظ، وقال: أيش أحفظ أنا؟ أبو عبدالله بن البياع أحفظ مني، وأنا لم أر من الحفاظ إلا أبا علي النيسابوري، وأبا العباس بن عقدة.
وسمعت السُّلَمِي يقول: سألت الدارقطني: أيهما أحفظ: ابن مندة أو ابن البَيِّع؟ فقال: ابن البَيِّع أتقن حفظا.
_________________
(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٦٠٨).
[ ٩٦ ]
قال أبو حازم: أقمت عند أبي عبدالله العصمي قريبا من ثلاث سنين، ولم أر في جملة مشايخنا أتقن منه ولا أكثر تنقيرا، وكان إذا أشكل عليه شيء، أمرني أن أكتب إلى الحاكِم أبي عبدالله، فإذا ورد جواب كتابه، حكم به، وقطع بقوله.
وسمعت مشيختنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد النَيْسابُوري يرجعان إلى أبي عبدالله الحاكِم في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه.
وقال ابن طاهر: سألت سعد بن علي الحافظ عن أربعة تعاصروا: أيهم أحفظ؟ قال: من؟ قُلتُ: الدارقطني، وعبد الغني، وابن منده، والحاكِم. فقال: أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبدالغني
فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن منده فأكثرهم حديثا مع معرفة تامة، وأما الحاكِم فأحسنهم تصنيفا» (^١).
وقال ابن عبدالهادي: «الحافظ الكبير، شيخ أهل الحديث في عصره» (^٢).
وقال ابن كثير: «كان من أهل العلم والحفظ والحديث، ، ومن أهل الدين والأمانة والصيانة، والضبط، والتجرد، والورع» (^٣).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٤ - ١٧٨).
(٢) طبقات علماء الحديث (٣/ ٢٣٧).
(٣) البداية والنهاية (١١/ ٤٠٩).
[ ٩٧ ]
وقال ابن الجزري: «برع في فنون الحديث، ، كان إمامًا ثقة صدوقًا» (^١).
وغير ذلك كثير من عبارات المدح والتبجيل لهذا الإمام العظيم.