تكمن أهمية تحقيق كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام في الأمور الآتية:
١ - تعلّقه بكتاب مهم من كتب الأحكام، لعالم كبير وهو عبد الحق الإشبيلي، والذي يعد كتابه من أهم كتب الأحكام، لا سيما وأن مؤلفه حكم على الأحاديث صحة وضعفًا، وبيّن شيئًا من عللها وأحوال رجال أسانيدها.
٢ - خدمته كتابًا جليلا من كتب العلل وانتقاد الروايات، وهو كتاب الوهم والإيهام، للإمام ابن القطان الفاسي.
٣ - مؤلفه عالم جليل، وهو الحافظ مغلطاي بن قليج الذي برز في علم التاريخ والحديث والعلوم الأخرى، وقد عُرف بآرائه وأقواله المتخصصة في علم الحديث وعلله، وكثير منها ذكره في كتابه هذا.
٤ - تضمنه جميع الروايات والألفاظ التي ذكرها ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام، مع عزوها لمصادرها، وهذه الروايات والألفاظ قد لا تجدها في غيره، لأنها نقلت عن كتب فُقدت بعد ذلك، فالكتاب بمثابة المرجع لهذه الروايات والألفاظ.
٥ - ذكره جميع العلل التي انتقد ابن القطان الفاسي بها الروايات والألفاظ، وذكر أوجه الترجيح بين الروايات المختلفة، ووضّح أسباب تصحيح الروايات
[ ١ / ٧ ]
وتضعيفها، وجمع كلام ابن القطان وغيره من الحفاظ في الرواة جرحًا وتعديلا في موطن واحد، لبيان الراجح من أقوالهم.
٦ - جعل الحافظ مغلطاي كتابه منار الإسلام ترتيبا لكتاب الوهم والإيهام، وسار في ترتيبه على طريقة كتب الأحكام، ذلك أن مؤلف كتاب الوهم والإيهام رتبه على العلل لا على المسانيد، «وذلك يوجب أن يذكر حديثًا في الطهارة بجوار آخر في العتق، وحديثًا في الفرائض بجوار آخر في الصوم؛ لاشتراكهما في علة بوب عليها أبو الحسن بابًا، فيحتاج الناظر أولا أن يعرف تلك العلة ليكشف الحديث المطلوب من بابها، ومن عرف علة حديث فلا حاجة به إلى كشفه …» (^١)، وهذا لا يتحقق غالبًا إلا للعلماء المتخصصين، كما أن الباحث لا يستطيع أن يقف على فوائده إلا بعد قراءته جلّ الكتاب، فكان ترتيب الحافظ مغلطاي لكتاب الوهم والإيهام، وجمع متفرقه، واختصار مكرره، مما يسهل على الباحث الوقوف على علل الحديث، والاستفادة منه.
٧ - كتاب منار الإسلام يساعد على توضيح بعض الإشكالات أو التصحيفات أو مواطن البياض والطمس التي وقعت في أصله كتاب بيان الوهم والإيهام، كما يمكن اعتبار كتاب منار الإسلام بمثابة مختصر لكتاب الوهم والإيهام.
٨ - ومما يبرز أهميته ما ذكره الحافظ مغلطاي في بيان سبب تأليفه الكتاب ومنهجه فيه، فقال: «فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمر أدّى إلى ذلك، كحديث أنس من عند الترمذي، قال رسول الله ﷺ: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُردّ» (^٢)، ذكره في باب أحاديث حسنها الإمام أبو محمد عبد الحق وهي ضعيفة، لأنه من رواية العمي. ثم أعاد ذكره في باب أحاديث أسانيدها جيدة من غير طريق العمي. ثم أعاد ذكره مرة ثالثة في باب الزيادات في الأحاديث، وذلك أنهم قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العافية» (^٣)، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده؛ فإني أذكره في موضع واحد، لم أحذف
_________________
(١) منار الإسلام، ورقة رقم: (أ/ ١)، ويُنظر كلامه هذا فيما يأتي (ص ١٣٠ - ١٢٩).
(٢) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه، برقم: (٥٤٧).
(٣) كذا جمع الحافظ مغلطاي روايات الحديث كلها في موطن واحد من كتابه، منار الإسلام، =
[ ١ / ٨ ]
منه إلا تعريفه به في كل باب» (^١)، وكذا صنع الحافظ مُغلطاي في الرواة الذين ذكرهم الحافظ ابن القطان لتناقض نظر أبي محمد فيهم، وتفرقت أقواله فيهم في عدة مواضع من كتابه، كابن أسحاق مثلا، فإن الحافظ مُغلطاي يجمع الأقوال والفوائد المتعلقة ببيان حاله في موضع واحد، كل ذلك من غير أن يخل بشيء من الكتاب.