وبيان هذه الملاحظات فيما يأتي:
١ - وقعت بعض الأوهام للحافظ ابن القطان الفاسي، وخاصةً في حكمه على بعض رجال الأسانيد، كأن يُجهّلَ بعض الثقات، أو ممن هم دونهم في الرتبة، ولكنهم معروفون، أو تضعيف بعض الثقات، وقد تكرر مثل هذا منه، مما دفع بعض الحفاظ كابن المواق والذهبي والعراقي وابن حجر وغيرهم لأن يتعقبوه في بعض تلك الأحكام التي أطلقها في حقهم، وقد كان من المفيد جدًا لو أنّ الحافظ مغلطاي يتصدى لمثل هذه الأحكام التي تفرد بها الحافظ ابن القطان الفاسي، سيما وأنه معروف بتمكنه في هذا العلم خاصةً، وبمَيْلِه إلى التصنيف فيه وتعقب مَنْ سَبَقَه فيه، ومصنفاته في هذا معروفة وبعضُها متداول كإكمال تهذيب الكمال وغيره. وإنّ خُلُو هذا الكتاب من مثل هذه التعقبات على الحافظ ابن القطان الفاسي من شأنه أن يُثير التساؤل والاستغراب من إحجامه عن ذلك، الأمر الذي أدى إلى شعور القارئ بأنه افتقد لتلك الفوائد التي كان يمكن أن يجنيها فيما لو بادر الحافظ مغلطاي إلى ذكر هذه التعقبات في هامش هذا الترتيب.
ولكن لما كان هذا لم يكن منه؛ ناسَبَ أن يُقال فيما يُمكن أن ينتقد به، أنه
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام (٢/ ٥٠٩).
[ ١ / ١١١ ]
أظهر براعةً ودقّةً وحُسن اختيار في ترتيب هذا الكتاب، إلا أنه لم يُظهر شخصيته في مجال الاستدراك والتعقب فيما وقع للحافظ ابن القطان الفاسي من أوهام، ولعلّ السبب في ذلك أنه ألزم نفسه بأن لا يزيد في الكتاب شيئًا من عنده، فالتزم ذلك.
٢ - كرر الحافظ مغلطاي بعض الأحاديث، فيذكر الحديث في موضع مع تفصيل الكلام عليه، ويذكره مرة أخرى مختصرًا لحاجة تدعو لذلك (^١)، أو العكس فيذكر المختصر أولا، ثم المفصل ثانيًا (^٢)، دون أن يشير عند ذكر المختصر أنه تقدم أو سيأتي تفصيل الكلام فيه، إلا أنه ﵀ أحيانًا يردُّ أحد الحديثين للآخر (^٣).
٣ - اعتاد ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام أن يذكر حديثًا من طريق راو معين، وينتقده بسبب ذلك الراوي، ثم يذكر مجموعة من الأحاديث التي وردت عند الإشبيلي من طريق هذا الراوي الذي روى الحديث الأول من طريقه، فكان الحافظ مغلطاي يختار من بين هذه الأحاديث حديثًا يتفق مع عنوان الكتاب المتعلق به كالعلم مثلا، ثم يتبعه بالأحاديث التي ذكرها ابن القطان، لأنها رويت من طريق هذا الراوي نفسه، مع أن بعض هذه الأحاديث لا تعلّق له بكتاب العلم، إنما هي في الطهارة أو الصلاة أو العيدين أو الحج أو الجهاد وغير ذلك، وهي غالبًا لا يتكرر ذكرها في أبوابها الفقهية التي تنتمي إليها، وبعضها قد يكرره في بابه المقصود، إلا أن الحافظ مُغلطاي لم ينبّه على شيء منها، لا على الذي لم يتكرر (^٤)، ولا الذي تكرر ذكره في بابه (^٥).
_________________
(١) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (٤٢) ذكره مع الكلام عليه مختصرًا، ثم كرره مرة ثانية برقم: (٢٦٧)، وفصل في الكلام عليه وتعليله.
(٢) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (١٤٤) ذكره مع الكلام عليه مختصرًا، وكان قد ذكره فيما سبق برقم: (٤٩)، وفصل في الكلام عليه وتعليله.
(٣) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (٣٢) ذكره مع الكلام عليه مختصرًا، وقال: (سيأتي) من غير إشارة إلى موضع إتيانه، ثم ذكره مرة ثانية برقم: (١٤٣٧)، وأطال وفصل في الكلام عليه ونقده.
(٤) مثال ذلك الأحاديث الآتية برقم: (٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥)، ذكرها في كتاب الطهارة، باب ما يوجب الوضوء، وحكم الغسل والحيض والنفاس ومس الذكر، وهذه الأحاديث ليست من متعلقات هذا الباب، ولم يشر الحافظ مغلطاي إليها في أبوابها التي تنتظم تحتها، ولا هي تكررت فيها.
(٥) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (٦٤)، كرره برقم: (٩١٨)، دون إشارة من أحدهما للآخر.
[ ١ / ١١٢ ]
٤ - كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، كتاب كبير، والفن الذي يبحث فيه علل الحديث وَعِرٌ جدًّا، والبشر جُبلوا على الخطأ والسهو والنسيان، لذلك وقع للحافظ مُغلطاي أو لناسخ الكتاب شيء من السقط أو التصحيف أو الوهم في هذا الكتاب، وهو قليل جدًا.
[ ١ / ١١٣ ]