يُمكن إبراز أهمية كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام في جانبين:
• الجانب الأول: تظهر أهميته من خلال تعلقه بكتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي، وبكتاب الأحكام الوسطى للحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي.
من المعلوم أن فكرة تصنيف الحافظ ابن القطان لكتاب بيان الوهم والإيهام إنما تقوم على فكرة انتقاد وتتبع الأحاديث التي أوردها الحافظ عبد الحق الإشبيلي في كتابه الأحكام، وبمعزل عن ذلك، فإن كتاب الأحكام للحافظ عبد الحق يُعَدُّ من الكتب الذائعة الصيت، وقد لاقى قبولًا واسعًا من قِبَل أهلِ العِلم وطلبته، وشُهرته تغني عن التوسع في الكلام عنه في هذا المقام، فَحَسبُه ما ذكره الحافظ الذهبي في ثنايا ترجمته للحافظ عبد الحق وفيما صنفه من كتب الأحكام، فقال: «وصنف التصانيف، واشتهر اسمه، وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان، وله أحكام كبرى» (^١).
ولعل تلك الشهرة التي اكتسبتها مصنّفات الحافظ عبد الحق هي ما دفعت الحافظ ابن القطان لأن يتصدّى لتتبع تلك الأحاديث التي أوردها الحافظ عبد الحق في كتابه الأحكام، سواء تلك التي سكت عنها وهي مما لا ينبغي السكوت عنه - فيما يرى الحافظ ابن القطان -، أو تلك التي أعلها من جهةٍ لا تصل إلى درجة الإقناع فيما يبدو للحافظ ابن القطان، فكشف عن وجوه عللها الأخرى، كما أنه تناول في نقده تلك الأحاديث التي صححها، وهي لا تبدو في نظره كذلك، وتناول أمورًا أخرى لها تعلق بما يخص أسانيد أحاديث كتاب الأحكام ومتونها، كل ذلك كشف عنه وتعرّض له في الباب الذي تندرج تحته هذه العلة (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٨ - ١٩٩) ترجمة عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، الإشبيلي، برقم: (٩٩).
(٢) تنظر: طريقة تقسيم الحافظ ابن القطان لكتاب بيان الوهم والإيهام، وتبويبه للعلل، ما ذكرته =
[ ١ / ٧٣ ]
ولا شك أن الحافظ ابن القطان الفاسي، يُعَدُّ إمامًا معروفًا بالحفظ والإتقان، حتى قال عنه ابن الأبار في ترجمته له: «كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية، رأس طلبة العلم بمراكش» (^١)، وقال ابن مسدي: «كان معروفًا بالحفظ والإتقان، ومن أئمة هذا الشأن، … كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المؤمنية، فتمكن من الكتب، وبلغ غاية الأمنية» (^٢).
أما كتابه «بيان الوهم والإيهام»، فقال فيه الحافظ الذهبي: «طالعت جميع كتابه «الوهم والإيهام»، الذي عمله على تبيين ما وقع من ذلك لعبد الحق في الأحكام، يدلّ على تبحره في فنون الحديث، وسيلان ذهنه، لكنّه تَعَنَّت وتكَلَّم في حال رجال فما أنصف … ولكن محاسنه جمة» (^٣)، وذكر ابن عبد الهادي قبله نحو هذا (^٤).
ومما يزيد من قيمة كتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان، أنه تعرض فيه لعشرات الأحاديث، التي نقلها عن كُتب فُقدت أصولها، ولم يُعثر عليها للآن؛ كمسند بقي بن مخلد، وسنن أبي علي ابن السكن، ومستخرج قاسم بن أصبغ، فقد أكثر ابن القطان من النقل عنها بذكر أسانيدها ومتونها، حتى غدا ما ذكره ابن القطان في كتابه هذا مرجعًا لمن أراد الوقوف على هذه الأسانيد أو المتون، وكل من يذكرها يعزوها لابن القطان وكتابه الوهم والإيهام.
كما تعرض أيضًا لمئات الرواة بتعديل أو تجريح، معتمدًا في ذكر أحوالهم على كُتب لهم فيها ذكرٌ، وقد فُقدت أصول هذه الكتب أيضًا، وفيهم أيضًا من حكم عليه الحافظ ابن القطان، وفق ما أداه إليه اجتهاده فيه، وقد تجد منهم من لا يُعرف إلا بما ذكره ابن القطان فيه.
_________________
(١) = في المطلب الثاني، من التمهيد الذي جعلته في أول هذا القسم: الدراسة.
(٢) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦)، في ترجمة ابن القطان، أبو الحسن علي بن محمد، برقم: (١٨٣)
(٣) طبقات علماء الحديث، لابن عبد الهادي (٤/ ١٩٠)، في ترجمة ابن القطان الفاسي، أبو الحسن علي بن محمد، برقم: (١١٠٩).
(٤) تاريخ الإسلام (٤٥/ ٣٢١ - ٣٢٢)، في ترجمة ابن القطان الفاسي، برقم: (٤٧١).
(٥) طبقات علماء الحديث، لابن عبد الهادي (٤/ ١٩٠) ترجمة رقم: (١١٠٩).
[ ١ / ٧٤ ]
ولهذا أكثر الأئمة والحفاظ ممن جاء بعده مِنْ نَقل أحكامه على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا (^١)، وكذا نقل أقواله في أحوال الرجال، لا سيما الذين انفرد بذكر أحوالهم، وممن أكثر من نقل أقواله وأحكامه الحافظ الذهبي، فذكر بعض الرواة في ميزانه، ولم يُعرف بهم إلا بما ذكره ابن القطان الفاسي (^٢)، وكذا الحافظ ابن حجر العسقلاني، ذكر في لسانه رواةً، لم يُعرِّف بهم إلا بما ذكره ابن القطان (^٣)، وكان كل من الذهبي وابن حجر، يسلّم بما ذكره ابن القطان من أحوال الرواة، في أكثر الأحيان، إلا أنهم خالفوه في بعضها، وبينوا وجه مخالفتهم له بذكر تعريف آخر غير من ذكره ابن القطان في بعض الرواة (^٤).
من هنا ندرك أننا أمام كتاب ذي قيمة عالية، ومكانة مرموقة، شهد له الأئمة، لما له من الصلة الوثيقة بعلم الحديث وعلله وقواعده.
_________________
(١) وممن أكثر من نقل أحكام الحافظ ابن القطان على الأحاديث صحة وضعفًا: الحافظ جمال الدين الزيلعي في كتابه نصب الراية، نقل عنه في مئات المواضع. يُنظر فيه على سبيل المثال: (١/ ٧٧، ٨٥، ٩٢، ٣٦٥ و٢/ ٦٢)، وكذا أكثر من النقل عنه أيضًا الحافظ ابن حجر، في كتابه التلخيص الحبير. ينظر فيه على سبيل المثال: (١/ ١٢٦، ١٨١، ٢٥٥، ٢٦١)، ونقل عنه أيضًا في كتابه الآخر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية. يُنظر فيه على سبيل المثال: (١/ ٦٧، ٢٥٨ و٢/ ٨٢، ١٩٦).
(٢) ينظر على سبيل المثال: ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٩)، في ترجمة حاتم بن نُصَيْر، برقم: (١٦٠٢): قال: «غمزه ابن القطان بالجهالة»، ولم يزد على ذلك شيئًا، ويُنظر فيه أيضًا: (٢/ ٢١٢)، ترجمة سليمان بن عبد الله بن عويمر، برقم: (٣٤٨٣)، و(٣/ ٤٤٤)، ترجمة محصن بن علي، برقم: (٧٠٩١)، وغيرها كثير.
(٣) ينظر على سبيل المثال: لسان الميزان (١/ ٥١٨)، ترجمة أحمد بن عبد الله بن زياد الديباجي، برقم: (٥٩٧): «جهله ابن القطان»، ولم يزد على ذلك شيئًا، ويُنظر فيه أيضًا: (١/ ٥٢٤)، ترجمة أحمد بن عبد الرحيم أبو زيد، برقم: (٦٠٩)، و(٣/ ٢١٤)، ترجمة الحسين بن نصر المؤدب، برقم: (٢٦١٤)، وغير ذلك كثير.
(٤) مثال ذلك: ما ذكره الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٩٨)، في ترجمة صالح بن أبي عريب، برقم: (٣٨١٧): قال فيه: قال ابن القطان: لا تُعرف حاله، ولا يُعرف روى عنه غير عبد الحميد بن جعفر. قلت: بلى، روى عنه حيوة بن شريح والليث، وابن لهيعة، وغيرهم. له أحاديث وثقه ابن حبان، ومنه أيضًا ما ذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٣٩٦)، في ترجمة داود بن حماد بن فرافصة البلخي، برقم: (٣٠١٩)، فقال: «قال ابن القطان: حاله مجهولة. قلت: بل هو ثقة؛ فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا عن ثقة. وذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال: كان ضابطًا، صاحب حديث، يُغرب».
[ ١ / ٧٥ ]
كما يظهر هذا من وفرة المصادر التي رجع إليها الحافظ ابن القطان الفاسي، وهي مصادر أصيلة لأئمة كبار كالإمام أحمد في علله ومسائله، وابن معين في مسائله وتواريخه، والبخاري في تواريخه، وابن أبي حاتم وما نقله عن أبيه وأبي زرعة الرازيين، وأشباههم في الجرح والتعديل والعلل وغيرها الكثير من المصادر التي استفاد منها؛ كعلل الدارقطني، والضعفاء الكبير للعقيلي، والكامل لابن عدي، والقائمة تطول فيما لو تتبعناها (^١)، وفي هذا ما يكشف لنا سبب اختيار الحافظ مغلطاي لهذا الكتاب ليقوم على خدمته، وتقديمه لأهل العلم وطلابه، على الصورة التي تمكنهم من الإفادة منه على الوجه الأكمل، وبأسرع الطرق وأيسرها، على ما سيأتي بيانه في الحديث عن الجانب الثاني الذي من خلاله تبرز أهمية هذا الكتاب.
• أما الجانب الثاني: أن أهمية كتاب المنار تظهر من خلال طريقة الحافظ مغلطاي في ترتيبه لكتاب بيان الوهم والإيهام.
بينت في المباحث السابقة المنهج الذي سلكه الحافظ مغلطاي في كتابه منار الإسلام، وبناء على ما سبق ذكره؛ فإن المرء لا يجد نفسه مبالغا إذا ما ذهب إلى القول بأن ما بذل الحافظ مغلطاي من جهد في سبيل ترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام قد أضاف إليه قيمة أخرى، لا يمكن أن تخفى على كل من يطالع هذا الكتاب في صورته التي أرادها عليه بعد ترتيبه له، وقد تمثلت أهمية ما قام به في عدة جوانب، يمكن بيانها فيما يأتي:
١ - أنه أتاح لمطالع هذا الكتاب الوقوف على تلك الفوائد الواردة في بيان علل الحديث الواحد في موضع واحد متسلسل، بعد أن تم تخليصه من ذلك الانقطاع الذي أصابه في كتاب بيان الوهم والإيهام، وفي ذلك من الفوائد التي لا يمكن تجاهلها.
٢ - أنه عمل على تفريغ الكتاب من الزوائد والمكررات التي يشعر القارئ أنه في غنية عنها، ومثل هذا قد أخذ حيزا لا يستهان به في مجموع حجم هذا الكتاب، لا سيما وأنه قد تمثل في غير صورة كالأحاديث المتكررة، وإعادة ذكر العلة التي
_________________
(١) ينظر المبحث التالي: مصادر المصنف في كتابه، فقد ذكرت فيه كثيرا من المصادر التي اعتمد عليها الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام.
[ ١ / ٧٦ ]
تقدم الكلام عليها في الموضع الأول، الذي وَرَد فيه الحديث، وتكرار تراجم بعض الرواة، وغير ذلك.
٣ - أنه قام بتغيير ترتيب الكتاب وفق الأبواب الفقهية، على ما كانت عليه في كتاب الأحكام للحافظ عبد الحق الإشبيلي، وهذا قد انبنى عليه ما أوضحته في النقطتين السابقتين.
٤ - إن ما قام به الحافظ مُغلطاي من سَرْدٍ للأحاديث الواردة في الباب الواحد التي تندرج تحته، مع ما ورد فيها من نقدٍ يَطالُ أسانيدها أو متونها، وذكر أحوال بعض رواتها، من شأنه أن يُبرز جهد الحافظين عبد الحق وابن القطان، ومكانة كل واحد منهما، ويشمل ذلك إظهار مكانة كتاب الحافظ عبد الحق وقيمته فيما يتعلق بجهده في هذا الكتاب، من جمعه لأحاديث رسول الله ﷺ، ذات الصلة بالتشريعات والأحكام من الحلال والحرام، والآداب والرقائق، والمواعظ والتفسير، وغير ذلك من الأحاديث التي انتقاها من دواوين السُّنَّة، وما أتبعها من تعليقات له على بعضها، كما يشمل ما تتَبَّعَه به واستدركه عليه الحافظ ابن القطان على ما سبق بيانه من فوائد حديثية، وتصويب ما اعتراه من بعض الأوهام، الأمر الذي يدل على ما كان يتمتَّع به من تبحر في هذا الشأن، كلُّ ذلك مكّن القارئ من الوقوف عليه، والإفادة منه بصور متتباعة، لا تُوقِفُها إحالة، ولا يعتريها قطع، يتم وصله في باب آخر، كما هو شأن كتاب بيان الوهم والإيهام.
ومما ينبغي الإشارة إليه، والتنويه به، هو أنَّ مثل هذه الأمور المذكورة، مما قام به الحافظ مُغلطاي في ترتيبه لكتاب بيان الوهم والإيهام، ما كانت لتظهر - بعد فضل الله وتوفيقه - في صورتها التي أشرت إليها؛ لولا ذاك الجهد الكبير، والصبر الطويل الذي استلزمه للقيام بكل ذلك، ومثل هذا لا يتأتى إلا لمن أُوتي بسطة في العلم، ومعرفةً بفنونه، وتيسير سُبل الاستفادة ممّا صُنّف فيه، وخدمته على الوجه الذي يكشف عن كنوزه، ويُيسِّرُ سُبُلَ الوقوف عليه، ويُضفي عليه قيمة وأهمية زائدةً فوق ما كانت عليه.
[ ١ / ٧٧ ]