هو الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، المجوّد، قاضي الجماعة، أبو الحسن، علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم، الحميري، المغربي، المالكي، كتامي الأصل، فاسي المولد والنشأة، مراكشي المسكن، المعروف بابن القطان، حتى أصبح علمًا له، أطلقه عليه كل من ذكره أو نقل عنه، ولا يكاد يعرف اسمه الحقيقي إلا الخواص.
_________________
(١) ينظر في ترجمته: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، لابن عبد الملك الأنصاري، ذكر له فيه ترجمة موسعة (٥/ ١٧ - ٥٢) برقم: (١٠)، وطبقات علماء الحديث، لابن عبد الهادي (٤/ ١٩٠) ترجمة رقم: (١١٠٩)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦) ترجمة رقم: (١٨٣)، والوافي بالوفيات (٢٢/ ٤٨) ترجمة رقم (٣)، والتبيان لبديعة البيان، لابن ناصر الدين الدمشقي (٣/ ١٣٦٦) ترجمة رقم: (١١٣٦)، وطبقات الحفاظ، للسيوطي (ص ٤٩٨) ترجمة رقم: (١٠٩٦)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٢٥)، وشجرة النور الزكية (١/ ٢٥٧) ترجمة رقم: (٦١٥)، والرسالة المستطرفة (ص ١٧٨)، وسلم الوصول (٤/ ٩٥) ترجمة رقم: (٦٠٦٥)، وكشف الظنون (١/ ٢٦٢)، والأعلام، للزركلي (٤/ ٣٣١)، ومعجم المؤلفين (٧/ ٢١٣). وقد صنع له محقق كتاب بيان الوهم والإيهام ترجمة واسعة، ضمن قسم الدراسة، الذي جعله مقدمة بين يدي تحقيقه لهذا الكتاب (١/ ٦٣ - ١٥٦)، وينظر ما ذكرته في الدراسات السابقة.
[ ١ / ١٥ ]
وُلِد أبو الحسن فجر يوم عيد الأضحى، سنة اثنتين وستين وخمسمائة من الهجرة، بفاس، ونشأ فيها، وبها تلقى علومه الأولى، ثم انتقل إلى مراكش، عاصمة الدولة الموحدية في أزهى وأقوى فتراتها، وهذا جعلها إحدى العواصم العلمية آنذاك، حافلة بالعلماء والمدرّسين في مختلف الميادين، الذين شغلوا مناصب رفيعة في الدولة، ودرسوا فيها العلوم المختلفة، لا سيما علم الحديث، الذي كان له الحظ الأوفر من بين العلوم، كما أنها حوت عددًا من المدارس والمكتبات العامرة، تجلب لها الكتب من شتى الأقطار (^١).
وفي مراكش نبغ ابن القطان في طلب العلم وبرز، فقد أخذ علومه لا سيما الحديث عن كبار المشايخ والعلماء الذين كانوا يقيمون فيها، أو الوافدين إليها من الأندلس والمشرق وغيرهما من البلدان، ومن شيوخه الذين سمع منهم، ولازم بعضهم فترة طويلة خاصة في علم الحديث: أبا عبد الله بن زرقون، وأبا بكر بن الجد، وأبا عمر بن عات النفزي الشاطبي، وأبا عبد الله ابن الفخار المالقي، لازمه وأكثر الأخذ عنه، وأبا الحسن بن النقرات، وقد لازمه أيضًا، والخطيب أبا جعفر بن يحيى، وأبا ذر الخشني، وأبا القاسم بن بقي من ذرية بقي بن مخلد، جالسه طويلا وذاكره كثيرًا، وسمع منه مسند جده بقي بن مخلد وتفسيره، وأبا عبد الله بن البقّار؛ محمد بن إبراهيم بن حزب الله الفاسي؛ أجاز لابن القطان جميع روايته، وأبا بكر بن خلف الأنصاري، المعروف بالمواق، والد الحافظ أبي عبد الله ابن المواق تلميذ ابن القطان، ومن أجل شيوخه الحافظ المغربي الكبير أبو عبد الله محمد بن طاهر الحسيني، الشريف الصقلي، والي قضاء الجماعة بمراكش، وغيرهم من الأئمة والحفاظ والأعلام الكبار، الذين أخذ عنهم.
وقد تتلمذ له أيضًا جمع من الأئمة والحفاظ الذين أخذوا عنه، منهم: ابناه أبو محمد الحسن، وأبو عبد الله الحسين، والحافظ أبو عبد الله ابن المواق، وأبو الحسن الكفيف، وأبو زيد بن القاسم الطراز، وأبو عبد الله بن الطراوة، وأبو عبد الله المدعو بالشريف، وأبو علي المقري، وأبو عبد الله بن عياض حفيد القاضي عياض، وابن الأبار أبو عبد الله، المحدّث البارعُ، صاحب التصانيف، وغيرهم كثير (^٢).
_________________
(١) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (٥/ ٥٢) ترجمة رقم: (١٠).
(٢) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (٥/ ١٨) ترجمة رقم: (١٠)، وشجرة النور الزكية (١/ ٢٥٧).
[ ١ / ١٦ ]
وقد تبوأ ابن القطان مكانة رفيعةً بين علماء عصره، ومن ترجم له ممن جاء بعده، فوصفوه بأجل الصفات وأرفعها، وذكروا ما كان عليه من العلم والعمل، فمن ذلك:
قال ابن عبد الملك الأنصاري في ترجمته له: «وكان ذاكرًا للحديث، مُستبحرًا في علومه، بصيرًا بطرقه، عارفًا برجاله، عاكفًا على خدمته، ناقدًا مميزًا صحيحه من سقيمه، مثابرًا على التلبس بالعلم وتقييده عُمُرَه، وكتَبَ بخطه - على ضعفه - الكثير، وعني بخدمةِ كُتُبِ بَلَغَ فيها الغاية، … وصنف في الحديث ورجاله، والفقه وأصوله، مصنَّفات نافعةً، … وكان ذا حظ من الأدب وقراءة مُقَطَّعاتِ الشعر» (^١).
وقال الصفدي: «الحافظ ابن القطان، كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء الرجال، وأشدهم عناية بالرواية، نال بخدمة السلطان بمراكش دنيا عريضة، وله تواليف، ودرَّس، وحَدَّث» (^٢).
وقال ابن عبد الهادي: «العلّامة الحافظُ الناقد، قاضي الجماعة، … وقفت على كتابه المسمى ببيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لعبد الحقِّ، فرأيته يدلُّ على فرط ذكائه، وكثرة حِفْظه، وقُوَّة فَهمه، على أن له فيه عِدَّة أوهام» (^٣).
وقال الحافظ الذهبي: «الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، المجوّد، القاضي، … علقت من تأليفه كتاب (الوهم والإيهام) فوائد، تدل على قوة ذكائه، وسيلان ذهنه، وبصره بالعلل» (^٤).
و«قال ابن مسدي: كان معروفًا بالحفظ والإتقان، ومن أئمة هذا الشأن، مصري الأصل، مراكشي الدار، كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المؤمنية، فتمكن من الكتب، وبلغ غاية الأمنية، وولي قضاء الجماعة في أثناء تقلب تلك الدولة» (^٥).
_________________
(١) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (٥/ ٢٠) ترجمة رقم: (١٠).
(٢) الوافي بالوفيات (٢٢/ ٤٧) ترجمة رقم: (٣)، وهذا القول منسوب، لابن الأبار، كما في تذكرة الحفاظ، للذهبي (٤/ ١٣٤).
(٣) طبقات علماء الحديث (٤/ ١٩٠) ترجمة رقم: (١١٠٩).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧) ترجمة رقم: (١٨٣).
(٥) ذكره عنه الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام (١٣/ ٨٦٦).
[ ١ / ١٧ ]
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: «وهو حافظ علامةٌ متقن، ثقة مأمونٌ» (^١).
وقال السيوطي: «ابْنُ الْقطَّانِ الْحَافِظ الْعَلامَة قَاضِي الْجَمَاعَة» (^٢).
وقال المقري في ذكر علماء الأندلس والمصنّفين: «وأما الحديث؛ فكان بعصرنا في المائة السابعة، الإمام أبو الحسن علي بن القطان القرطبي، الساكن بحضرة مراكش، وله في تفسير غرائبه وفي رجاله مصنّفات، وإليه كانت النهاية والإشارة في عصرنا» (^٣).
وقال ابن مخلوف: «العالم، الفقيه، الراوية، العارف بصناعة الحديث، وأسماء رجاله، … أخذ الناس عنه، وانتفعوا به» (^٤).
ولا عجب أن تسمع مثل هذه الصفات تُطلق على الحافظ ابن القطان، فهو يستحقها، وكُتبه شاهدة على صدق ما وُصِفَ به من الحفظ والفهم والإتقان والنقد وغيرها، لا سيما كتابه «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» فهو عُمدة في بابه، وصار مرجعًا لعلماء الحديث ونقاده ليس في الحكم على الأحاديث صحة وضعفًا فحسب، بل أيضًا في الحكم على الرجال وبيان أحوالهم جرحًا وتعديلا.
ومن أشهر مصنّفاته التي تدل على سعة علمه وحفظه وبراعته غير كتابه بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام:
«البستان في أحكام الجنان»، مجلدان متوسطان. تجريد من ذكره الخطيب في تاريخه من رجال الحديث بحكاية أو شعر، مجلّدان متوسطان. تقريب الفتح القدسي، مجلّد متوسط. الردّ على أبي محمد بن حزم في كتاب المحلى مما يتعلق به من علم الحديث، ولم يُتِمَّه. كتاب حافل جمَعَ فيه الحديث الصحيح، محذوف السند حيث وقَعَ من المسندات والمصنفات، كملَ منه كتب: الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة، في نحو عشرة مجلدات. ما يُحاضر به الأمراء، وبين فيه طريق مفاوضتهم، مجلّد متوسط. مسائل من أصول الفقه، ذكر أنه لم يذكرها الأصوليون في كتبهم، مجلّد لطيف. النَّزْعُ في القياس، لمناضلة من سلَكَ غيرَ المَهْيَع في إثباتِ
_________________
(١) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٣٦٦) ترجمة رقم: (١١٣٦).
(٢) طبقات الحفاظ (ص ٤٨٩) ترجمة رقم: (١٠٩٦).
(٣) نفح الطيب (٣/ ١٨٠).
(٤) شجرة النور الزكية (١/ ٢٥٧) ترجمة رقم: (٦١٥).
[ ١ / ١٨ ]
القياس، وهو في الردّ على أبي عليّ ابن الطوير. نَقْعُ الغَلَل ونَفْعُ العَلَل في الكلام على أحاديث السنن لأبي داود، ولم يتمّه. وغيرها من المصنفات النافعة المفيدة، في العلوم المختلفة (^١).
وهذه الكتب معظمها ضاع لما نُهبت داره في آخر حياته، وذلك أن المأمون لما دخل مراكش، فصل المعتصم وأصحابه وشيعته عن ظاهرها، وكان منهم أبو الحسن ابن القطان متولّيًا القضاء بين حزبه، فانتهبت داره، وذهب كل ما فيها من مال وكُتب، فلجأ المعتصم ومن معه من حزبه، ومنهم ابن القطان إلى سجلماسة (^٢)، وأصبح قاضيها.
وفي سِجِلماسة أدركت أبا الحسن منيّته مبطونًا حَسيرًا على ما فقد من أهله وكتبه وبيته وسائر ممتلكاته، وكانت وفاته بين العشائين، من الليلة التي أهل فيها هلال ربيع الأول من سنة ثمان وعشرين وستمئة، ودفن بالركن الواصل بين الصحنين الشمالي والغربي من الزنقة، لصق الجامع الأعظم بسجلماسة، ﵀، وأسكنه فسيح جناته.