كان الحافظ مغلطاي كثير المطالعة والكتابة، كما كان ساكنا، قليل الاتصال بالناس إلا بما له متعلق بالعلم وتعلمه (^١)، قال الصفدي: «وكان كثير السكوت والميل إلى الموادعة والركون، جَمَع مجاميع حسنة، وألف تواليف أتعب فيها أنامله، وكَدَّ أجفانه الوَسِنَةَ» (^٢).
وقد ذكرت في نشأته أنه طلب العلم في سن مبكرة من عمره، فقد نقل الحافظ ابن حجر، عن شيخه العراقي أنه قال: «أقدم ما وجدت له من السماع، سنة سبع عشرة، بخط من يوثق به، وادعى هو السماع قبل ذلك بزمان، فتكلم فيه لذلك، قال: وسألته عن أول سماعه؟ فقال: رحلت قبل السبعمئة إلى الشام. فقلت: هل سمعت بها شيئًا؟ قال: سمعت شِعرًا. ثم ادعى أنه سمع على أبي الحسن بن الصواف، راوي النسائي، فسألته عن ذلك؟ فقال: سمعت عليه أربعين حديثا من النسائي، انتقاء نور الدين الهاشمي، بقراءته، ثم أخرج بعد مدة جزءًا منتقى من النسائي بخطه، ليس عليه طبقة، لا بخطه، ولا بخط غيره، فذكر أنه قرأه بنفسه سنة اثنتي عشرة على ابن الصواف، يعني سنة موته» (^٣).
_________________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٥).
(٢) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٤).
[ ١ / ٤٢ ]
وقد ذكر الحافظ مغلطاي أنه كان له سماع في سنة تسع وسبعمئة، فقال في كتابه الإعلام بسننه، وهو شرح لسنن ابن ماجه، قال فيه: «فلما سافرت إلى الشام، سنة تسع وسبعمائة في شوال، نزلنا منزلة العريش، على شاطئ البحر، يوم الثلاثاء، تاسعه» (^١).
وقال أيضًا: «ولما دخلت حمص سنة تسع وسبعمائة، أفادني بعض الفضلاء جزءًا من الحديث، لا أدري الآن من مخرجه، ولا ما سنده» (^٢).
كما ذكر أنه سمع شيئًا من كتاب شرح السُّنَّة للإمام البغوي، قبل سنة سبع عشرة وسبعمئة، فذكر في شرحه لسنن ابن ماجه حديثًا، ثم ذكر أن البغوي لما ذكر هذا الحديث في كتابه شرح السُّنَّة، قال: حديث عبد خير صحيح حسن. ثم قال مغلطاي: «نا بذلك، العلامة أبو الحسن ابن موسى الحجازي، بقراءتي عليه، في شهور سنة إحدى عشرة وسبعمئة، جميع كتاب الطهارة منه، والزكاة والحج، ومناولة لباقي ذلك» (^٣).
وقد نقل ابن فهد المكي، عن شيخه زين الدين العراقي، أن الحافظ مغلطاي، ذكر له أنه «أجاز له الفخر ابن البخاري، قال شيخنا [أي: العراقي]: فذكرت ذلك لشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعده، وقال: عَرَض عليَّ كفاية المتحفظ (^٤)، سنة خمس عشرة، وهو أمرد بغير لحية» (^٥).
وقد كان الحافظ مغلطاي يحفظ الفصيح لثعلب، وكفاية المتحفظ لابن الأجدابي، وله اتساع في نقل اللغة، وفي الاطلاع على طرق الحديث، كما وُصِفَ بأنه كانت عنده كتب كثيرة وأصول صحيحة (^٦)، ظلَّ الحافظ مغلطاي على هذه الحال، مُكِبًا على طلب العلم بجميع فنونه، منشغلًا بالمدارسة والتحصيل والتصنيف، حتى غدا إمامًا معروفًا، وعلامة مشهورًا، بشهادة علماء عصره، يُرحل
_________________
(١) الإعلام بسننه، وهو شرح لسنن ابن ماجه (ص ٢٤٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٨٩).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٤) كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ في اللغة العربية، لإبراهيم بن إسماعيل بن أحمد الطرابلسي، المعروف بابن الأجدابي، المتوفى نحو سنة (٤٧٠ هـ). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي (١/ ٤٠٨) ترجمة رقم: (٨١٦).
(٥) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٦) لحظ الألحاظ (ص ٩١ - ٩٢)، وأعيان العصر (٥/ ٤٣٥).
[ ١ / ٤٣ ]
إليه، فقصده الطلاب من كلِّ حَدْبٍ وصَوْب، فانتفعوا به، وبعلمه.
إلا أن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن رحلاته، إلا ما تقدم أنه سافر إلى الشام، وهو شاب صغير، وتنقل في بعض مناطقها؛ كحمص وغيرها، وسمع من علمائها، وحصل فيها بعض المسموعات، وقال ابن تغري بردي في ترجمته له: «تخرج بالحافظ فتح الدين ابن سيد الناس وغيره، ورَحَلَ، وكَتَبَ، وصَنَّف» (^١)، وهذا نص من ابن تغري بردي بأنه كان للحافظ مُغلطاي رحلة في طلب العلم.
وسيأتي في مصنفاته، أن له كتابًا اسمه: «النحلة في فوائد الرحلة»، مما يدلّ أنه ﵀ له عناية ودراية بأهمية الرحلة في طلب العلم، ولكن هذا الكتاب مفقود، فلا ندري أهو في ذكر شيء من رحلاته، أم في بيان فضل الرحلة في الطلب.