وضع الحافظ مُغلطاي مقدمة مختصرة لكتابه منار الإسلام، بين فيها معالم المنهج الذي سلكه في كتابه المذكور، وذلك بعد أن ذكر أولا منهج الحافظ ابن القطان في كتابه (الوهم والإيهام)، موضحًا مدى مشقة الوصول إلى فوائده وكنوزه المبثوثة فيه، ثم قال:
«فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما
_________________
(١) منار الإسلام، ويُنظر ما يأتي (ص ١٢٩).
[ ١ / ٧٨ ]
ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمرٍ أدّى إلى ذلك، … فإني أذكره في موضع واحد، لم أحذف منه إلا تعريفه به في كل باب، وتنبيهه على ذكره حديثًا إن كان تقدم أو سيأتي، كقوله: (وقد نبهنا على هذا الحديث في الباب الفلاني). وإذا ذكر أبو الحسن (^١) رجلًا تناقض نَظَرُ أبي محمد (^٢) فيه، كابن إسحاق (^٣) مثلًا، صحح أحاديثه في مواضع، وحسنها في مواضع، وضعفها في مواضع، وسكت عنها في مواضع، فإنه يذكره أولا بجميع أحاديثه التي تناقض أبو محمد فيها، ويبين صواب ذلك من خطئه، ثم يعيد ذلك بعينه إذا مر له حديث يناسب ما بوب، فإني أذكر أحاديث ذلك الشخص عند ذكره إياه مجملا (^٤)، ولم أعد ذكره مفصلا إلا إذا زاد أبو الحسن في بيان ذلك، أعدت ذكره في بابه مفصلا لتكمل الفائدة به، وإن كنت قد ذكرته مجملًا مختصرًا.
وأما خطبة الكتاب، فإني ذكرتها بكمالها إلا موضع ذكر الترتيب، فإني حذفت ذلك.
وأما الباب الذي ذكر فيه أبو الحسن أمورًا جُمَليَّةً من أحوال رجال يجب
_________________
(١) هو: ابن القطان الفاسي صاحب كتاب بيان الوهم والإيهام.
(٢) هو: عبد الحق الإشبيلي، صاحب كتاب الأحكام الوسطى.
(٣) هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، مولاهم المدني، العلامة الإخباري، قال شعبة: «ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث». وقال ابن المديني: «حديثه عندي صحيح». ووثقه في رواية أخرى، ووثقه أيضًا ابن سعد والعجلي، وقال الإمام أحمد: «هو حسن الحديث». وقال مرة: «ليس بحجة». وقال ابن معين: «ثقة، وليس بحجة». وقال مرة: «ليس به بأس». وقال في ثالثة: «ليس بذاك، ضعيف». وقال النسائي: «ليس بالقوي». وكذبه سليمان التيمي وهشام بن عروة، وقال الدارقطني: «اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، وإنما يعتبر به». ينظر: تهذيب الكمال (٤١٤/ ٢٤) رقم: (٥٠٥٧)، وميزان الاعتدال (٣/ ٤٦٩) رقم: (٧١٩٧)، وقال في الكاشف (٢/ ١٥٦) رقم: (٤٧١٨): «الإمام، كان صدوقا من بحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى تستنكر، واختلف في الاحتجاج به، وحديثه حسن، وقد صححه جماعة». وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص ٤٦٧) برقم: (٥٧٢٥): «إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، رُمي بالتشيع والقدر».
(٤) ينظر الحديث الآتي برقم: (١١٠٦)، فقد ذكر أثناء نقد الحافظ ابن القطان له حال ابن إسحاق، وموقف أبي محمد عبد الحق من مروياته، ثم ذكر الحافظ مُغلطاي بعده أحاديث ابن إسحاق، وهي من الحديث رقم: (١١٠٧) إلى رقم: (١١٩٤).
[ ١ / ٧٩ ]
اعتبارُها، فإني ذكرته آخر الكتاب عند ذكر باب المصنّفين الذي خرج أبو محمد عنهم الأحاديث أو غيرها.
وإذا ذكرنا بابًا وذكر في أوله ضابطًا لما يأتي ذكره في ذلك الباب أو غيره، فإني أذكره عند ذكري أوّل حديث من ذلك الباب.
وأما الباب الذي عقده آخرًا كالفهرست لأحاديث الكتاب، فإني حذفته بجملته للاستغناء عنه، فمجموع ما حذف منه على ما ذكرناه لا يقارب ربع الكتاب بل أقل، وذلك لعدم حاجتنا إلى إبقاء ذلك، وضرورته إلى إبقائه، لاختلاف المقصد منه.
وأما غير هذا؛ فإني لم أُخِلَّ منه بحرف واحد، إلا ما في جِبلَّة البشر من سهو أو نسيان» (^١).
ويمكن إبراز أهم معالم منهج الحافظ مُغُلْطاي فيما يأتي:
١ - ترتيب أحاديث الكتاب وفق ترتيب أبواب كتاب (الأحكام) لعبد الحق الإشبيلي.
٢ - لم يُدخل الحافظ مُغُلْطاي فيه ما ليس منه، إلا ما كان للتنبيه على حديث تقدم أو سيأتي، وكذا لم يُخرِج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره.
٣ - الرواة الذين تفرق كلام أبي الحسن ابن القطان فيهم في عدة مواضع، وكذا تفرق ذكره لأحاديثهم، جمع الحافظ مُغُلْطاي أحاديث ذلك الشخص عند ذكره إياه مجملا، ولم يُعد ذكره مفصلا إلّا إذا زاد أبو الحسن في بيان ذلك، فيعيد الحافظ مُغُلْطاي ذكره في بابه مفصلا لتكمل الفائدة به، وإن كان قد ذكره مجملا مُختصرا.
٤ - ذكر مُغُلْطاي خطبة الكتاب بكاملها إلا موضع ذكر الترتيب، فقد حذفه للاستغناء عنه.
٥ - الباب الذي ذكر فيه أبو الحسن أمورًا جُمَليَّةً من أحوال رجال يجب اعتبارها، ذكره الحافظ مُغُلْطاي كما هي في آخر الكتاب.
٦ - إذا ذكر الحافظ ابن القطان بابًا وذكر في أوله ضابطًا لما يأتي ذكره في ذلك الباب أو غيره، فيذكره الحافظ مُغُلْطاي عند ذكر أوّل حديث من ذلك الباب، أو الحديث الذي يليه.
_________________
(١) منار الإسلام (١/ ب - ٢/ أ)، وينظر ما يأتي (ص ١٣٠ - ١٣١).
[ ١ / ٨٠ ]
٧ - حذف الحافظ مُغلطاي الباب الذي عقده الحافظ ابن القطان في آخر كتابه وجعله كالفهرست لأحاديث الكتاب، وذلك لأنه مما يمكن الاستغناء عنه في هذا الكتاب.
٨ - بيّن الحافظ مُغلطاي أن مجموع ما حذف من كتاب (الوهم والإيهام) لتكرره أو للاستغناء عنه لا يقارب ربع الكتاب بل أقل، وذلك لعدم حاجته إلى إبقائه، واضطرار ابن القطان إلى إبقائه لاختلاف المقصد منه.