يمكن إبراز مزايا منهج الحافظ مُغلطاي في كتاب المنار فيما يأتي:
١ - بما أنّ الحافظ علاء الدين مُغلطاي قد ألزم نَفْسَه بأن يقوم بإعادة ترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي وفق ترتيب جديد قائم على ما كان عليه في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي؛ حيث كان مرتبا على الأبواب الفقهية، وقد كان هذا من الحافظ مُغلطاي على الوجه الذي ألزم به نفسه، ويمكن القول بأنه كان موفّقًا في ذلك للدرجة التي يمكن أن يُقال عنها بأنها عالية جدًا، وهذا بدوره قد انعكس إيجابًا على الباحثين فيه، فسهّل عملية الاستفادة من هذا الكتاب بسهولة ويسر.
٢ - كما أنه كان موفّقًا غاية التَّوفيق بما ألزم به نَفْسَه بأنْ لا يُدْخِلْ في أصل كتاب بيان الوهم والإيهام ما ليس منه، ولا ينقص منه شيئًا، إلا ما اقتضته عملية إعادة الترتيب، من حذف لبعض الجمل والكلمات واستبدالها بكلمات تتوافق مع منهج وطبيعة هذا الترتيب الجديد، أو ما كان من باب التنبيه على حديث تقدم أو سيأتي، وكذلك ما كان مما دعت الضرورة إلى حذفه لتكرره، على ما سلف بيانه وتوضيحه في المطالب السابقة بالأمثلة، وقد كان موفّقًا في ذلك بصورة ملفتة للدرجة التي لا يمكن للقارئ أن يشعر معها بأنّ ثمة خللا وقع في مضمون هذا الكتاب.
٣ - ومن الجوانب التي كشفت عن براعة الحافظ علاء الدين مُغلطاي في كتابه هذا، عملية جَمْعِه لكلام الحافظ ابن القطان الفاسي فيما يَخُصُّ الرُّواة الذين تفرق كلامه فيهم في عدة مواضع، مع تفرق ذكره لأحاديثهم، فالذي كان من الحافظ
[ ١ / ٨١ ]
مغلطاي أنه قام بعملية جَمْع أحاديث ذلك الراوي والكلام الوارد فيه عند ذكره إياه مجملا، ولم يُعِد ذكره مفصلًا إلا إذا زاد الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان ذلك، فيعيد الحافظ مُغلطاي ذكره في بابه مفصلا، لتكتمل الفائدة به، وإن كان قد ذكره مجملًا مختصرًا.
٤ - من الأمور التي تبرز براعة الحافظ مغلطاي ودقته في ترتيبه لهذا الكتاب، هو تعامله مع تلك المقدمات التي كان يُمَهّد فيها الحافظ ابن القطان الفاسي للعديد من الأبواب التي قسمها على مقتضى العلة التي يستدرك فيها على الحافظ عبد الحق الإشبيلي، والتي اشتملت على بعض الفوائد ذات الصلة باسم الباب المندرجة تحته، وإن عملية إيراد هذه المقدّمات قد تُسبّب إشكالًا لمن يتصدَّى لإعادة ترتيب مثل هذه الكتب التي قد اختلف ترتيبها عما أراده صاحب الترتيب الجديد الذي يقوم على وفق الأبواب الفقهية، غير أنّ الحافظ مغلطاي قد أبدى قدرة فائقة في تعامله مع هذه المقدمات، وَوَضْعِه إياها في الموضع الذي يتناسب مع ترتيبه الجديد القائم على الأبواب الفقهية، وهذا قد استلزم منه جهدًا زائدا فوق الجهد الذي اقتضاه إعادة تسمية الأبواب، والمدقق في صنيعه إزاء هذا الأمر يتبين له ما كان يتمتع به الحافظ مغلطاي من بُعدِ نَظرٍ، وتوفيق فوق العادة في حسن اختياره في عملية وضع هذه المقدمات، ولعل إيراد هذا المثال يكشف عن هذا الأمر.
فقد بوّب الحافظ ابن القطان من جملة ما بوب به: (باب ذكر أحاديث أعلها برجال وفيها مَنْ هو مثلهم، أو أضعف أو مجهول لا يُعرف) (^١)، ثم مهد الحافظ ابن القطان لهذا الباب بمقدّمة اشتملت على بعض الفوائد المتعلقة به وبأحاديثه التي سيوردها فيه، وبما سيذكره من نقد أو استدراك على الحافظ عبد الحق الإشبيلي، فقال في هذه المقدمة: «اعْلَم أنه يجب النظر فِي هَذَا الْبَابِ، خوفًا مِمَّا يُوهِمهُ إعراضه عَمَّا يجب إعلال الحَدِيث بِهِ: من كونه ثِقَة عِنْدَه، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ من يرى ذلك من لا علم عِنْدَه بِهَذَا الشَّأْن، فَهَذَا يسرع إِلَى اعْتِقَاد انحصار عِلَّة الْخَبَر فِيمَن نبه عَلَيْهِ من رواته دون من سواه، …» إلى آخر ما قاله (^٢).
ثم شَرَع بذكر الأحاديث التي سيتعقب بها الحافظ عبد الحق في هذا الباب،
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٨٧).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٨٧ - ٩١).
[ ١ / ٨٢ ]
فابتدأ بذكر حديث أورده «من طريق الدارقطني» (^١)، عن عثمان، أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ توضأ هكذا، ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله …» الحديث. ثم أتبعه أن قال: هذا يرويه الْبَيْلَمَانِي، عن عثمان، … إلى آخر ما قاله الحافظ ابن القطان من تعقب لعبد الحق (^٢).
ثم أتبعه ابن القطان ذكر سبعة أحاديث (^٣)، ذكرها الحافظ عبد الحق، من رواية ابن الْبَيْلَمَانِي هذا، وضعفها به، ثم تابع ذكر أحاديث هذا الباب.
أما الحافظ مُغلطاي فكان الشأن عنده مختلفًا في ترتيب ما ذكر في هذا الباب، وبالنظر إلى الخطوات التي اتبعها الحافظ مُغلطاي في هذا الشأن نجد ما يأتي:
أولا: أنه قام بحذف ذكر اسم هذا الباب؛ لعدم الحاجة إليه في الترتيب الجديد.
ثانيًا: أنه قام بوضع هذه المقدّمة في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء وصفته.
ثالثًا: أنه ذكر في هذا الباب حديث عثمان ﵁ في الوضوء ثلاثًا، من رواية ابن البيلماني، ولم يذكر بعده الأحاديث السبعة التي ذكرها ابن القطان، وهي من رواية ابن البيلماني هذا، بل اكتفى مُغلطاي بذكر أربعة منها.
رابعًا: أنه تخيَّر الحديث المناسب الذي يتوافق ويتلاءم مع إيراد هذه المقدمة قبله، فما كان منه إلا أنه وضعها قبل حديث ذكره الحافظ ابن القطان «من طريق الترمذي، عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا وُضوءَ لمَن لَمْ يذكر اسم الله عليه»» (^٤)، ثم قال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا حديثًا له إسناد جيد. وقال محمد - يعني البخاري -: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن. انتهى كلام الترمذي وحديث رباح هو هذا الذي ذكر
_________________
(١) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٨٤).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٩١) الحديث رقم: (٧٨١).
(٣) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٩١ - ٩٣) الحديث رقم: (٧٨٢ - ٧٨٨).
(٤) هو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٨٩).
[ ١ / ٨٣ ]
الترمذي. انتهى كلام أبي محمد (^١)، ثم تعقبه بكلام مؤداه أنه أعله بشيء، وترك ما هو أقوى في إعلاله.
فرأى الحافظ مُغلطاي أن هذا الحديث مناسب لأن توضع قبله مقدمة الحافظ ابن القطان الفاسي، لأنه يندرج تحتها. ولا يخفى ما في هذا الترتيب من دقة عالية، استلزمت بحثًا طويلا من الحافظ مغلطاي، غير أنها تكشف عن مدى الجهد الكبير الذي بذله، وعن الوقت الطويل الذي صرفه في سبيل الوصول إلى وضع هذا التمهيد في الموضع الذي يتناسب معه الكلام على الأحاديث الداخلة تحت هذا الباب.