كان الحافظ مغلطاي رحمة الله عليه حريصًا على العلم منذ صغره، فقد بدأ في طلبه منذ وقت مبكر، يتبين ذلك من رحلته إلى الشام وهو شاب صغير، ومن مسموعاته في سنّ مبكرة، ومن شيوخه الذين أدركهم وأخذ منهم. كما أنه أقبل على طلب العلم بنفسه، وكان حريصًا على تحصيله ومذاكرته، منهمكًا فيه جل وقته،
_________________
(١) المصدر السابق، كتاب الطهارة، باب فرك المني من الثوب (ص ٥٩٠).
(٢) جاء في مختصر القدوري (ص ٢١): «والمني نجس، يجب غسل رطبه، فإذا جف على الثوب؛ أجزأ فيه الفرك».
(٣) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة باليد، ورفعها عند السلام، وإتمام الصفوف الأول، والتراص فيها، والأمر بالاجتماع (١/ ٣٢٢) الحديث رقم: (٤٣٠)، من طريق الأعمش، عن المُسَيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال؛ …» وذكره.
(٤) الإعلام بسنته ﷺ، وهو شرح لسنن ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع (ص ١٤٧٤)، وما بين الحاصرتين ساقط منه، استدركته من صحيح مسلم (١/ ٣٢٢).
[ ١ / ٥٣ ]
ملازما لشيوخ عصره، مكثرًا من التحصيل والقراءة بنفسه، وأكثر جدا من جمع الكتب حتى حصل له مكتبة ضخمة، وكان منجمعًا عن الناس، كثير المطالعة فيها، وهذا كله جعل له مشاركة جيدة في فنون مختلفة من العلوم.
وقد برع في الحديث وعلومه، فكان له فيه باعٌ واسع، واطلاع كبير، ومعرفة بطرقه المختلفة، وقد ذكر ابن فهد أنه كان له اتساع في الاطلاع على طرق الحديث، فانتقى وخرج، حتى انتهت إليه مشيخة الحديث في المدرسة الظاهرية وغيرها، فأفاد، وكتب الطباق، ثم أخذ في التأليف، فأكثر منه (^١).
قال السيوطي في وصف الحافظ مُغلطاي: «الإمام الحافظ علاء الدين، … كان حافظًا، عارفًا بفنون الحديث، علامة في الأنساب، وله أكثر من مائة تصنيف» (^٢).
كما برع في اللغة، فقد نال منها حظا واسعًا، قال ابن حجر: «كان كثير الاستحضار لها، متسع المعرفة فيها» (^٣)، وقال ابن فهد: «كان يحفظ كفاية المتحفظ، والفصيح لثعلب، وله اتساع في نقل اللغة» (^٤)، كما أنه قد وضع في اللغة كتابا علقه على كتاب (ليس) لابن خالويه.
أما علم الأنساب، فقد بلغ فيه درجة واسعة، ومعرفة جيدة، حتى فاق أقرانه من العلماء، قال السيوطي: «سُئِلَ الحافظ أبو الفضل العراقي، عن أربعة تعاصروا: أيُّهم أحفظُ؟ مُغلطاي، وابن كثير، وابن رافع، والحسيني، فأجاب - ومن خَطَّه نقلتُ: إِنَّ أوسَعَهم اطلاعًا، وأعلمهم بالأنساب مُغلطاي، على أغلاط تقع مِنْهُ فِي تصانيفه، وَلَعَلَّه من سوء الفهم، وأحفظهم للمتون والتواريخ ابن كثير، وأقعدهم لطلب الحديث، وأعلمهم بالمؤتلف والمختلف ابْنُ رافع، وأعرفهم بالشيوخ المعاصرين وبالتخريج الْحُسَيْنِي، وَهُوَ أدونهم فِي الْحِفْظ» (^٥).
_________________
(١) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٢) حسن المحاضرة (١/ ٣٥٩) ترجمة رقم: (٩٢).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٤) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٥) طبقات المحدثين (ص ٥٣٧ - ٥٣٨)، في ترجمة شمس الدين، أبي المحاسن، محمد بن علي بن الحسن، الدمشقي، الشريف الحسيني، برقم: (١١٦٦).
[ ١ / ٥٤ ]
وذكر الحافظ ابن حجر عن زين الدين ابن رجب أنه قال في الحافظ مغلطاي: «كَانَ عَارِفًا بالأنساب معرفة جيدة» (^١).
إلا أنه ﵀ كان مولعًا بانتقاد آراء وكتب غيره من العلماء، أو الاستدراك والتذييل عليها، وهذا يظهر من أسماء مصنفاته السابقة، لهذا انتقد عليه بعض الأئمة شيئًا من الأوهام الواقعة له في بعض مصنفاته، وتعقبوه في أشياء أخرى، ذكر شيئًا من ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: «عمل في فنّ الحديث إصلاح ابن الصلاح، فيه تعقبات على ابن الصلاح، أكثرها غير وارد، أو ناشئ عن وهم، أو سوء فهم»، وقال: «وكتبه كثيرة الفائدة في النقل، على أوهام له فيها» (^٢).
وقد وقع له ﵀ محنتان عظيمتان في مسيرته العلمية، شأنه في ذلك شأن أكثر العلماء، الذين يمتحنون في دينهم، ويتعرضون للأذى دون سبب وجيه.
المحنة الأولى:
كان الحافظ مغلطاي ﵀ قد لازم شيخه الجلال القزويني، فلما مات ابن سيد الناس، تكلّم له شيخه القزويني مع السلطان، ليتولى التدريس مكان ابن سيد الناس في المدرسة الظاهرية، فقبل ذلك السلطان، وولاه تدريس الحديث بالظاهرية، فقام الناس بسبب ذلك وقعدوا، وبالغوا في ذمه وهجوه (^٣).
ويظهر من هذا أنه تعرض لهذا كله بدافع الحسد من خصومه أو أقرانه، أن يتبوأ هذه المكانة في المدرسة الظاهرية، ويتقدّم عليهم في التدريس والمشيخة.
لكنه ﵀ لم يبال بهم، فصبر واحتسب، مع ما عُرف عنه من كثرة السكون، والميل إلى الموادعة والركون، فاستمر في التدريس، وواظب عليه، حتى استقر له الأمر، وتسلم مشيخة الحديث في المدرسة الظاهرية (^٤).
المحنة الثانية:
لما كان في سنة خمس وأربعين وسبعمئة وقف له الشيخ صلاح الدين
_________________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٦) ترجمة رقم: (٢٣١٠)، وينظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٢) لسان الميزان (٨/ ١٢٥ - ١٢٧) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٣) أعيان العصر (٤/ ٤٣٤)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٤ - ١١٥)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٤) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤).
[ ١ / ٥٥ ]
العلائي ﵀ (ت ٧٦١ هـ)، لما رحل إلى القاهرة على كتاب جمعه في العشق، سماه: الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبّين، تعرض فيه لذكر الصدّيقة عائشة رضي الله تعالى عنها، فأنكر عليه ذلك، ورفع أمره إلى القاضي موفق الدين الحنبلي، فاعتقله بعد أن عزّره، ومَنع الكتبيين من بيع ذلك الكتاب، فتألم لذلك الحافظ مغلطاي، وشمت به جماعة من أقرانه (^١).
وبعد أن مكث في السجن أيامًا، انتصر له الأمير الورع، صاحب الديانة، الزاهد، بدر الدين جنكلي بن محمد بن البابا وخلصه من السجن، لعلمه أنه بريء مما رُمي به (^٢).
وبتتبع كتابه المذكور، لا ترى فيه شيئًا من التعريض بأم المؤمنين عائشة لَهَا، ولو وُجد فيه شيء من ذلك لذكروه وبيَّنوه على وجه التفصيل، دون التعريض المطلق.
كما ذكر زين الدين ابن رجب المقرئ، أنه في آخر كتابه المذكور في العشق، إثباتُ غَزَلٍ تدلُّ على استهتار وضعف في الدين (^٣).
وبالنظر في كتابه المذكور، وهو من عنوانه: الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبّين، يتحدث عما صدحت به قرائح العشاق المتيمين، وهم في هذا الشأن قد يذكر بعضهم شِعرًا منضبطًا بالأدب والعفّة، وبعضهم قد يخرج عن حدّ الأدب والعِفّة، فيبالغ في تغزله بمحبوبته ووصفها، والتغني بها، لذلك تجد في كتابه المذكور شِعرًا متباينا، فمنه المتفق مع الآداب والعفّة، ومنه ما يتجاوز ذلك.
وهو ﵀ ذكر في مقدمته لكتابه هذا أن البعض لن يرضى عما ذكره فيه، فقدم اعتذاره عن ذكره ابتداءً، مبينا سبب ذكره، فقال: «وهو حفظك الله إن لم يكن من اللغو الذي لا يُؤاخذ به المرءُ، فهو إن شاء الله من اللمم المعفو عنه، وإلا فليس من السيئات والفواحش التي يُتوقع عليها العذاب. وإني لأعلم بعض من لا يهتدي لرشده؛ إذا وقَفَ على تأليفي هذا يُنكره، ويقول: نراه خالف طريقته،
_________________
(١) لسان الميزان (٨/ ١٢٤)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٥)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٢) أعيان العصر (٤/ ٤٣٤)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٥).
(٣) ذكره عنه ابن ناصر الدين الدمشقي في التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٨) ترجمة رقم: (١٢١١).
[ ١ / ٥٦ ]
وتجافى عن وجهته» (^١).
ثم ذكر ﵀ أنه لا يحل لأحد أن يظن بي غير ما بينته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» (^٢).
والحافظ مغلطاي ﵀ معروف عنه أنه دائب القراءة والمطالعة منذ كان غلامًا صغيرًا، وقد كان يترك مجالس اللهو واللعب، ويذهب إلى مجالس العلم والطلب، لذلك أوضح ﵀ سبب تأليفه لهذا الكتاب الذي خالف فيه طريقته ومسلكه، فقال: «وبالجملة؛ فلا بد لمن أكثر من الجد أن يستريح إلى الفكاهة، ليذهب عن ذهنه الصدأ أو الآفة، والإنسان إلى الملل أميل، والتنقل أشهى لقلبه وأمثل» (^٣).
وهذا منه ﵀ اعتذار لما وقع ذكره في الكتاب مما يتنافى مع العفة أو الأدب، وما هو إلا ناقل لما ذكره غيره، فنسأل الله أن يعفو عنا وعنه، بمنه وكرمه.