بالنظر تبيَّن أنّ ما ورد من ألفاظ الجرح والتعديل في الراوي الواحد، لم يطرأ أي تغيير على مواضع ورودها في كتاب «بيان الوهم والإيهام» عما هي عليه في كتاب «منار الإسلام»، اللَّهُمَّ إلّا موضع الحديث بمجموع ما ورد فيه من نقد، فإنّ الحافظ مغلطاي - كما أوضحت سابقًا - قد أعاد ترتيب مواضع الأحاديث - بعد حذف المكرر منها - فأدرج كل واحد منها بحسب الباب الفقهي الداخل تحته.
وسبب ذلك - فيما يظهر لي - بعد تدقيق النظر في الكتابين والموازنة بينهما فيما يتعلق بهذا الجانب، أن أولئك الرجال الذين اختلف قول الإمام عبد الحق الإشبيلي فيهم، فإنه قد صحح شيئًا من أحاديثهم في بعض المواضع، وحسن قسمًا آخر منها في مواضع أخرى، وحكم على قسم ثالث منها بالضعف في مواضع أخرى، وسكت عن قسم رابع منها في غير موضع، وقد كان شأن الحافظ ابن القطان الفاسي إزاء ذلك، أن يجمع أحاديث ذلك الراوي الذي اضطربت أقوال الإمام عبد الحق فيه، ثم يورد مجمل أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه، وعلى مقتضى ذلك يُطلق أحكامه، وقد يعيد ذكر بعض تلك الأحاديث في الأبواب التي تناسب كل واحد منها، دون أن يكرّر أقوال الأئمة الذين أوردهم في الموضع الأول إلا على وجه التذكير مختصرًا، ومثل هذا الأمر لم يكن للحافظ مغلطاي أن يتصرف فيه من جهة إعادة ترتيبه أو اختصاره، لأنه يُخِلُّ بأصل الكتاب، وهو قد أفصح عن منهجه في هذا الأمر في مقدمة الكتاب (^١).
_________________
(١) ينظر ما تقدم في المطلب الثاني من هذا المبحث.
[ ١ / ٩٩ ]
وفيما يأتي بعض الأمثلة التوضيحية لمنهج الحافظ مغلطاي في جمع ألفاظ الجرح والتعديل الواردة على الراوي الواحد:
• المثال الأول:
شهر بن حوشب، أورد له ابن القطان حديثًا في (باب ذكر أحاديث عللها ولم يُبيّن من أسانيدها موضع العلل)، وقد أتبع ذلك نقده للإمام عبد الحق بأنه لم يذكر لهذا الحديث علة، بالرغم من أنه ذكره من رواته شهر بن حوشب، ثم شرع ابن القطان بإيراد أقوال الأئمة في شهر بن حوشب، فقال: «شهرٌ قد وثقه قومٌ، وضعفه آخرون، ممن وثقه ابن حنبل، وابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ليس بدون أبي الزبير، وغير هؤلاء يُضعّفه، ولم أسمع لمضعفيه حجة …» (^١)، إلى آخر ما ذكره من كلام الأئمة فيه، وردّه على بعضهم، وبالرغم من أنه قد تكرّر ذكر شهر بن حوشب في أسانيد بعض الأحاديث في مواضع أخرى، إلا أنه تجاهل الحديث عنه بالتوسع السابق، واكتفى بذكر بعض الإشارات المتعلقة بحاله دون تفصيل.
ومن ذلك قول ابن القطان الفاسي: «وذكر من طريق عبد الرزاق (^٢)، عن يحيى بن العلاء، عن جهضم بن عبد الله، عن محمد بن زيد هو العبدي، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدري: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغانم حتى تُقسم …» الحديث، ثم قال: إسناده لا يحتج به. لم يبين من أمره إلا ما أبرز من إسناده، وشهر مختلف فيه، …» إلى آخر ما ذكره من علل هذا الحديث (^٣).
وهذا الترتيب لم يُغيّر منه الحافظ مُغلطاي شيئًا، إنما ذكره بمثل ما ذكره به الحافظ ابن القطان (^٤).
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١) الحديث رقم: (١٠٦٩)، وسيأتي هذا الكلام في عقب حديث أبي أمامة ﵁، الآتي برقم: (٢٩٩).
(٢) المصنف لعبد الرزاق، كتاب البيوع، باب بيع الغرر المجهول (٨/ ٧٦) الحديث رقم: (١٤٣٧٥)، من الوجه المذكور به. وسيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٩٤٣)
(٣) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥١٩ - ٥٢٠) الحديث رقم: (١٢٩٣).
(٤) ينظر الحديث الآتي برقم: (١٩٤٣)، ونقد الحافظ ابن القطان له.
[ ١ / ١٠٠ ]
• المثال الثاني:
معاوية بن صالح، أوّل ما تعرَّض الحافظ ابن القطان لذكره كان في (باب ذكر أحاديث ذكرها على أنها مرسلة لا عيب لها سوى الإرسال، وهي معتلة بغيره، ولم يُبيّن ذلك فيها)، فإنه قال: «ولم يُبيّن أنه من رواية معاوية بن صالح، وهو مختلف فيه …، وسترى - إن شاء الله - كيف حال معاوية بن صالح عنده فيما بعد» (^١).
وذكره أيضًا في موضع آخر فقال: «وسترى تناقض أبي محمد في هذا الأصل في باب الأحاديث التي أعلها بشيء لم يُعلَّ بها غيرها، ومذهبه أيضًا في معاوية بن صالح إن شاء الله تعالى» (^٢).
وذكره أيضًا في (باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححًا لها وليست بصحيحة)، فقال: «فإنّ معاوية بن صالح مختلف فيه، ومَنْ ضَعَّفَه؛ ضَعَّفَهُ بِسُوءٍ الحفظ، وأبو محمد مترجَّح (^٣) فيه، تارةً يسكت عن أحاديث هي من روايته ولا يُبين ذلك، وتارةً يُتبعها ذكر اختلافهم فيه كالمتبري من عهدته» (^٤).
ثم ساق بعد ذلك الأحاديث التي أوردها الإمام عبد الحق من روايته وسكت عنها (^٥).
وكذا ساق الأحاديث التي أوردها ولم يُبيّن أنها من روايته (^٦).
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٤) الحديث رقم: (٦٨٧)، ويُنظر كلامه هذا عقب الحديث الآتي برقم: (١٦٧٦).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٣٧١) الحديث رقم: (١١١٤)، ويُنظر كلامه هذا عقب الحديث الآتي برقم: (٧٢٦).
(٣) كذا قال في بيان الوهم والإيهام (٤/ ١١١): (مترجح)، ولعل تصحيفًا وقع فيه، صوابه أن يقول: (متأرجح)، فهو الذي يدل عليه السياق.
(٤) المصدر السابق (٤/ ١١١ - ١١٢) الحديث رقم: (١٥٤٨)، ويُنظر كلامه هذا عقب الحديث الآتي برقم: (٣١١).
(٥) المصدر السابق (٤/ ١١٢ - ١١٦) الأحاديث ذات الأرقام (١٥٤٩ - ١٥٥٩)، وهي الأحاديث الآتية بالأرقام (٣١٢ - ٣٢٢).
(٦) المصدر السابق (٤/ ١١٦) الأحاديث (١٥٦٠ - ١٥٦٢)، وهي الأحاديث الآتية بالأرقام (٣٢٣ - ٣٢٥)
[ ١ / ١٠١ ]
والأحاديث التي أوردها وتبرأ من عهدتها بذكر اختلافهم فيه (^١).
واكتفى بذكر ما أورده من أقوال الأئمة: ابن معين وابن سعد ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي (^٢).
وهذا كله لم يُجْرِ الحافظ مُغلطاي أيَّ تغيير فيه، وأعني بذلك أقوال الأئمة في معاوية بن صالح، فإنه أثبتها في مواضعها الواردة فيه (^٣)، إلا ما يخص الباب، فإنّ ترتيب الأبواب عنده إنما هو على مقتضى التقسيم الفقهي وليس على مقتضى نوع العلل (^٤). وهكذا سار في هذا الكتاب فيما يتعلّق بألفاظ الجرح والتعديل التي وردت في الراوي الواحد.