بعد النظر الطويل في كتاب «منار الإسلام»، والتتبع الدقيق لصنيع الحافظ علاء الدين مُغلطاي بما يتعلّق بالمنهج الذي سلكه في عملية جمع العلل الواردة على الحديث الواحد، تبيّن أن تحقيق هذا الأمر قد تطلب من الحافظ مُغلطاي جهدًا زائدا عما هو عليه الحال في عملية جمع الأحاديث المكرّرة في باب واحد؛ وذلك أن الحافظ ابن القطان الفاسي قد أقام فكرة تصنيفه لهذا الكتاب على نقد أحاديث ذكرها الحافظ عبد الحق الإشبيلي في كتابه «الأحكام»، دون أن يذكر شيئًا من عللها، فانتقد ابن القطان هذه الأحاديث عن طريق ذكر عللها، وقد توسع في تقسيم هذه العلل إلى أنواع عديدة، وجعل كل نوع منها في باب مفرد (^١)، الأمر الذي استدعى معه إعادة إيراد الحديث الواحد المشتمل على أكثر من علّة في الباب الذي تندرج تحته هذه العلة، مما يعني تكرار هذا الحديث في بابين أو ثلاثة، وبالتالي تجزئة مجموع هذه العلل، وذكر كل واحدة منها في الباب المخصص لها، وقد يذكر أحيانًا قبل الشروع في إيراد الأحاديث في أحد الأبواب تمهيدًا يتكلم فيه عن العلة التي بوب لها.
وبالأمثلة الآتية يتضح ما ذكرته في كيفية تعامل الحافظ مُغلطاي مع هذه الحالة التي أشرت إليها، ففيها ما يكشف لنا تلك الخطوات التي سلكها في عملية جمع العلل الواردة على الحديث في موضع واحد.
المثال الأول:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخرج الرجلان يضربان الْغَائِط، كاشِفَيْن عن عورتهما يتحدثان، فَإِنْ الله يمقت على ذلك» (^٢)، هذا الحديث أورده الحافظ ابن القطان الفاسي في أربعة أبواب من كتابه «بيان الوهم والإيهام».
الموضع الأول: في (باب ذكر أحاديث أعلها برجال وفيها مَنْ هو مثلهم، أو
_________________
(١) تقدم ذكرها في التمهيد من هذا القسم: الدراسة.
(٢) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٧٧).
[ ١ / ٩٣ ]
أضعف أو مجهول لا يُعرف) (^١)، وقال بعد أن عزاه لأبي داود: «وأَتْبَعَه أن قال: لم يُسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه. ولم يزد على هذا، وبقي عليه أن يذكر علته العُظمى، وهي مَنْ رواه عن يحيى بن أبي كثير، وهو محلُّ الاضطراب الذي أشار إليه؛ وذلك أنه حديث يرويه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، وفي رواية عنه، عن عياض بن هلال. وفي رواية: عنه، عن هلال بن عياض، وفي رواية عنه، عن عياض بن أبي زهير. وهو مع ذلك كله مجهول لا يُعرف بغير هذا. فأما لو كان الرجل معروفًا، ما كان عكرمة بن عمار له بعلة، فإنه صدوق حافظ، إلّا أنه يَهِمُ كثيرًا في حديث يحيى بن أبي كثير، فأما عن غيره فلا بأس به، وأمره مبسوط في كتب الرجال. وقد وقع لأبي محمد شبه اضطراب سنذكره إن شاء الله تعالى».
الموضع الثاني: في (باب ذكر أحاديث أعلها بما ليس بعلّة، وتَرَك ذِكْر عللها) (^٢)، وقال عقبه: «وأعلَّه بأن قال: لم يُسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه. لم يزد على هذا، وقد تَرَك ما هو علَّةٌ في الحقيقة، وهو الجهل براويه عن أبي سعيد، وهو عياض بن [هلال] (^٣)، أو هلال بن عياض، وقد بسطنا القول في هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها من طرق ضعيفة، ولها طرق صحيحة أو حسنة».
الموضع الثالث: في (باب ذكر أحاديث ضعفها من الطرق التي أوردها فيها، وهي ضعيفةٌ منها، صحيحة أو حسنةٌ من طرق أخرى) (^٤)، وقال عقبه: «ثم قال: لم يسند هذا الحديث غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه. انتهى ما ذكر. وقد نبهنا على أمر هذا الحديث ببعض القول في باب الأحاديث التي أعلها بما ليس بعلة، وترك ذكر عللها في الحقيقة. وأخرنا بيانه وبسط القول فيه إلى هذا الموضع، وذلك أنه ذكر عكرمة على أنّه علته، وهو صدوق ليس به بأس؛ قاله ابن معين. وقال
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٤٣) الحديث رقم: (٨٥٢).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٧١) الحديث رقم: (١٠١٨).
(٣) تصحف في مطبوعة بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٧١) إلى: (بلال)، وينظر ما يأتي أثناء تخريج حديثه هذا برقم: (١٧٧).
(٤) المصدر السابق (٥/ ٢٥٧) الحديث رقم: (٢٤٦٠).
[ ١ / ٩٤ ]
البخاري: لم يكن عنده كتاب، ولم يضره ذلك، فإنه كان يحفظ، إلا أنه غلط فيما يروي عن يحيى بن أبي كثير، وكان أيضا مدلسا، وبالجملة، فلو لم يكن بالحديث إلا هذا، لم يكن معلولا، وإنما علته الكبرى أن راويه عن أبي سعيد لا يعرف من هو؛ وذلك أنه يرويه عكرمة عن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض. وكذا رواه عن يحيى بن أبي كثير أبان بن يزيد، قالا جميعا: عنه، عن هلال بن عياض …» إلى آخر ما ذكره في نقد هذا الحديث.
الموضع الرابع: في (باب ذكر مضمن هذا الكتاب على نسق التصنيف، كتاب الطهارة) (^١)، فقال: «وذكر حديث: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط»، وأعله بعكرمة بن عمار والاضطراب، وعكرمة مختلف فيه عمله، وعلة الخبر إنما هي الجهل براويه عن أبي سعيد، وترك له طريقا جيدا».
وفي مقابل هذا نجد أن الحافظ علاء الدين مغلطاي قد أورد هذا الحديث في موضع واحد من كتابه «منار الإسلام»، فقد ذكره في كتاب الطهارة، باب الاستطابة وما شابهها، وأورد بعده ما نصه: «وأعله بأن قال: لم يسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه، لم يزد على هذا، وقد ترك ما هو علته في الحقيقة، وهو الجهل براويه عن أبي سعيد الخدري ﵁. وأما عكرمة فقد ذكره ذكرا مجملا، وهو رجل ثقة، وكان أميا؛ قاله ابن معين. وقال البخاري: لم يكن عنده كتاب، ولم يضره ذلك، فإنه كان يحفظ، إلا أنه غلط فيما يروي عن يحيى بن أبي كثير وخلط، وعن غيره فلا بأس به، وهذا الحديث هو من روايته عن يحيى. وكان أيضا مدلسا، ثم إن عكرمة يرويه عن يحيى، عن هلال بن عياض. وكذا رواه عن يحيى أبان بن يزيد، قالا جميعا: عنه، عن هلال بن عياض …»، إلى آخر ما ذكر في نقد هذا الحديث (^٢).
وهذا المثال يظهر ملامح النهج الذي سار عليه الحافظ علاء الدين مغلطاي في عملية ترتيبه للعلل الواردة على الحديث الواحد الذي تكرر إيراده في غير موضع، ويمكن تلخيص وإجمال ما أجراه في ذلك على النحو الآتي:
_________________
(١) المصدر السابق (٥/ ٦٥٨).
(٢) منار الإسلام (٢٤/ أ - ب)، وهو الحديث الآتي برقم: (١٧٧).
[ ١ / ٩٥ ]
أولا: أنه أولًا اقتصر على ذكر هذا الحديث مرّةً واحدة في الباب المخصص له، بعدما تكرر ذكره في كتاب (بيان الوهم والإيهام) في أربعة أبواب مختلفة.
ثانيًا: أنه قام بجمع هذه العلل التي توزعت على مواضع تكرر الحديث، ورتبها يتلو بعضها بعضًا في سياق متصل ومتتابع بعدما كانت متناثرة لا تخلو من تكرار بعض ألفاظها.
ثالثا: أنه قام بعملية حذف لتلك العبارات التي رأى أنه يمكن الاستغناء عنها؛ لأن الحاجة إليها لم تُعد مُلحةً، إذ لا ضرورة لتكرار ما ورد في موضع، ولا إلى تلك الإحالات التي نشأت عن هذا التكرار، وقد أشرت إلى ما قام بحذفه بوضع خط أسفل منه.
رابعًا: الموضع الرابع حذفه الحافظ مُغلطاي بتمامه، لأن الحافظ ابن القطان جعله كالفهرس للأحاديث، ولا حاجة له بعد ترتيب الكتاب على الأبواب الفقهية.
خامسًا: زاد الحافظ مُغلطاي على أصل هذا الكتاب بعض الألفاظ، وهي بسيطة جدًا لا يكاد القارئ يشعر بها، احتاج الحافظ مغلطاي أن يزيدها لترابط الكلام واتساقه، وهي قوله: «ثم إن» الواردة في جملة: «ثم إن عكرمة يرويه عن يحيى، عن هلال بن عياض»، بعدما كانت في (بيان الوهم والإيهام)، هكذا: «وذلك أنه يرويه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض»، وهذا التغيير الطفيف اقتضاه الترتيب، وليس من شأنه كما هو واضح أن يُخِلَّ بالمعنى المراد من سياق الكلام.
سادسًا: بقي أن يشار إلى ما ورد من فروق بين ما ذكره ابن القطان ومغلطاي، كالمنقول عن ابن معين في عكرمة بن عمار، أنه: «صدوق ليس به بأس»، كما في (بيان الوهم والإيهام) (^١)، وجاء بدلا منه في «منار الإسلام»: «وهو رجل ثقة، وكان أُميًا»، إنما هو ناشئ عن وجود بياض في أصل «بيان الوهم والإيهام»، فالعبارة جاءت في «بيان الوهم والإيهام» بين حاصرتين، وهي مما اجتهد محققه في زيادتها، لأنه وقع في موضعها في أصله بياض كما ذكر مُحقّقه، وليس الأمر كذلك في النسخة الخطية لكتاب «منار الإسلام».
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٥٨).
[ ١ / ٩٦ ]
• المثال الثاني:
وهو فيما بوَّب له الحافظ ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» تحت مسمَّى (باب ذكر أحاديث ذكرها على أنها مرسلة لا عيب لها سوى الإرسال، وهي معتلَّة بغيره، ولم يُبَيِّنْ ذلك فيها)، وما كان منه قبل أن يورد تلك الأحاديث الداخلة تحت هذا الباب، أنه مهَّد لذلك بمقدِّمةٍ أوضح فيها أقسام المرسل، وأشار إلى اختلاف العلماء في احتجاجهم بالمرسل، وابتدأ بقوله: «اعلم أن المرسل ينقسم بانقسام المسند إلى صحيح وسقيم، فإنَّ منه ما يرويه الثقات إلى الذي أرسله، ومنه ما يكون في إسناده إلى الذي أرسله ضعيفٌ، أو ضعفاء، أو مجاهيل، فالذي لا عيب له سوى الإرسال، هو الذي اختلف العلماء في الاحتجاج به …» إلى آخر ما ذكره في مقدِّمة هذا الباب (^١).
ثم أورد بعد ذلك الأحاديث المتعلقة بهذا النوع، فقال: «وذكر من طريق أبي داود، عن علي، عن النبي ﷺ: «وكَاءُ السَّهِ العَينانِ …» الحديث (^٢). ثم ردَّه بأن قال: ليس بمتَّصل. وهو كما قال ليس بمتَّصل، ولكن بقي عليه أن يُبيِّن أنه من رواية بقيَّةَ بن الوليد، وهو ضعيفٌ (^٣)، وهو دائمًا يُضعَّفُ به الأحاديث، وقد تقدَّم ذكر ذلك. ويرويه بقيَّة عن الوضين بن عطاء، والوضين واهي الحديث، قاله السعدي (^٤)، وقد أنكر عليه هذا الحديث نفسه، ومنهم من يوثقه. ويرويه الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، وهو ثقة. ويرويه محفوظ عن عبد الرحمن بن عائذ، وهو مجهول الحال. ويرويه ابن عائذ عن علي، ولم يسمع منه. فهذه ثلاث علل سوى الإرسال، كل واحدة تمنع من تصحيحه، مسندًا كان أو مرسلا» (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق (٧ - ٥/ ٣).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب في الوضوء من النَّوم (٥٢/ ١)، الحديث رقم: (٢٠٣)، من حديث عن علي، به. وسيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٧٤).
(٣) بقية بن الوليد بن صائد الكلاعي، قال الحافظ ابن حجر: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء. تقريب التهذيب (ص ١٢٦) ترجمة (٧٣٤).
(٤) يعني: الجوزجاني، يعقوب بن إبراهيم السعدي، في كتابه أحوال الرجال (ص ٢٨٨) ترجمة (٢٩٩)
(٥) بيان الوهم والإيهام (٩ - ٧/ ٣) الحديث رقم: (٦٤٤).
[ ١ / ٩٧ ]
ثم ذكر ابن القطان بعده حديثًا (^١) من طريق الدارقطني (^٢)، عن طاووس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أتى أحدكم البراز فَلْيُكرم قِبْلَة الله …» الحديث، ثم قال (^٣): «وقد أُسْنِدَ عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في ذكر الاستنجاء (^٤)، ولا يصح، أسنده أحمد بن الحسن المُضَرِيُّ (^٥)، وهو متروك»، ثم أتبعه بذكر انتقاده لعبد الحق الإشبيلي.
أما الحافظ مُغلطاي فقد ذكر الحديثين في كتاب الطهارة، (باب الاستطابة وما شابهها)، فذكر حديث عليّ أولا، وأتبعه حديث طاووس المرسل في إكرام القبلة، وما ذكر من أنه أُسند عن ابن عباس، وذكر بعدهما حديثًا ثالثًا من حديث ابن عباس، عن عبد الله بن رواحة في قراءة الجنب للقرآن (^٦)، ثم ذكر بعد هذه الأحاديث جميع ما ذكره الحافظ ابن القطان الفاسي في مقدّمة الباب المذكور (^٧)، فأوضح فيه أقسام المرسل واختلاف العلماء في احتجاجهم به، ولم يجعله بإثر أوّل أحاديث الباب، وذلك - فيما أرى والله أعلم - أنّ الحديث الأوّل، ذكره ابن القطان وقال عقبه: «ثم رده بأن قال: ليس بمتصل» يعني أنه منقطع، لأنه من رواية عبد الرحمن بن عائذ، عن عليّ ﵁، وعبد الرحمن لم يسمع من عليّ ﵁ كما قال ابن القطان في سياق نقده لهذا الحديث، أما حديث طاووس فهو الذي أعله عبد الحق الإشبيلي بالإرسال، فناسب أن يذكر الكلام عن أقسام المرسل والخلاف فيه بعده.
_________________
(١) المصدر السابق (٣/ ٩ - ١٠) الحديث رقم: (٦٤٥).
(٢) سنن الدارقطني، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء (١/ ٩١) الحديث رقم: (١٥٦)، وهو الحديث الآتي برقم: (١٧٥). ينظر تمام تخريجه والكلام عليه هناك.
(٣) عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ١٣٥).
(٤) سيأتي تخريج هذه الرواية المسندة أثناء تخريج الحديث رقم: (١٧٥).
(٥) كذا في النسخة الخطية مضبوطة مجوّدة: «المُضَريّ» بالضاد المعجمة بعد الميم، كما في سنن الدارقطني، وجاء في المطبوع من بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٠): «والمصري» بالصاد المهملة، وهو تصحيف. وينظر: الضعفاء والمتروكون، للدارقطني (ص ٣٤) الترجمة رقم: (٣٤)، وقال الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه (٤/ ١٣٦٨): وبضم وضاد معجمة مفتوحة: أحمد بن الحسن «المُضَريّ».
(٦) وهو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٧٦)، وسبب ذكر ابن القطان لهذا الحديث في هذا الموضع، أنه روي بإسناد حديث ابن عباس الموصول نفسه، وذكر ابن القطان أن الحديث ردّه الحافظ عبد الحق بالسبب الذي ردّ فيه حديث ابن عباس.
(٧) منار الإسلام (ب/ ٢٣ - أ/ ٢٤)، وينظر ما يأتي بعد الحديث رقم: (١٧٦).
[ ١ / ٩٨ ]
وحاصل هذا أن الحافظ علاء الدين مغلطاي لما كان ذا نَظَر ثاقب، وذهن متقد، ناسب أن يجعل ما قيل في أقسام المرسل وما تبعه بعد حديث طاووس المرسل، وليس بعد حديث عليّ ﵁؛ المنقطع، وهذا يدلُّ على حسن اختياره، ودقة ترتيبه في جمع العلل والكلام عليها في موضع واحد، وشدَّة حِرْصِه على أن يضع الأمور في مواضعها.