يمكن أن نُقسِّم الوهم الواقع في كتاب المنار إلى قسمين:
• أحدهما: ما كان الوهم فيه من الحافظ ابن القطان، ووافقه فيه الحافظ مغلطاي:
• المثال الأول:
ذكر الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام حديث ابن عباس في ذكر لون راية النبي ﷺ، فقال: «وذَكَر (^٥) من طريق الترمذي، عن ابن عباس، قال: «كانت راية رسول الله ﷺ سَوْداءَ، ولواؤه أبيض» (^٦)، وسكت عنه، وهو لا يصح. فإنه من رواية يزيد بن حيَّانَ، عن أبي مجلز، عن ابن عبّاس. ويزيد هذا هو أخو
_________________
(١) تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٧ - ٥٨) ترجمة (٦٩٥٣)، وميزان الاعتدال، للذهبي (٤/ ٤١٦) ترجمة (٩٦٦١).
(٢) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديث رقم: (٥٣٤).
(٣) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٤) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٨٩)، وهو على الصواب في الأحكام الوسطى (٤/ ٧٠).
(٥) بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٩٧) الحديث رقم: (١٩٧٣)، وهو في الأحكام الوسطى (٣/ ١٧).
(٦) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٦٠٥).
[ ١ / ١٠٨ ]
مقاتل بن حيان، روى عنه جماعة، منهم يحيى بن إسحاق السالحيني، وهو الذي روى عنه هذا الحديث عند الترمذي، ومنهم: صالح بن عبد الغفار الحراني، وعباس بن طالب، وبهذا ذكره ابن أبي حاتم، ولم يزد على ذلك، فهو عنده مجهول الحال».
كذا قال الحافظ ابن القطان: (ومنهم: صالح بن عبد الغفار الحراني)، كما أفاده محققه قبل أن يصوبه، وهو خطأ، صوابه: (أبو صالح عبد الغفار الحراني)، كما ذكره ابن أبي حاتم (^١).
ولهذا تعقب ابن المواق شيخه ابن القطان، فذكر الحديث في بغية النقاد النقلة (^٢)، وقال: «قوله: (صالح بن عبد الغفار) وهم، صوابه: أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني».
وقد وافق الحافظ مغلطاي الحافظ ابن القطان في هذا الوهم، ذكر الحديث في كتابه منار الإسلام (^٣)، ولما بلغ ذكر (أبي صالح عبد الغفار الحراني)، ذكره وفق ما وهم ابن القطان في ذكره، فقال: (ومنهم: صالح بن عبد الغفار الحراني)، ولم يعقب عليه بشيء.
• المثال الثاني:
ذكر الحافظ ابن القطان (^٤)، حديث أبي سعيد الخدري في أفضل الجهاد، فقال: «ذكر من طريق الترمذي (^٥)، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، أنه قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، وسكت عنه. وإنما يرويه عبد الرحمن بن مصعب أبو يزيد المديني، عن إسرائيل، عن عطية، عن أبي سعيد».
كذا ذكره الحافظ ابن القطان، فسقط من إسناده عنده (عن محمد بن جحادة)،
_________________
(١) الجرح والتعديل (٩/ ٢٥٦) ترجمة رقم: (١٠٧٥)، وأبو صالح الحراني، عبد الغفار بن داود بن مهران البكري، ترجمته في تهذيب الكمال (١٨/ ٢٢٥) برقم: (٣٤٨٦).
(٢) بغية النقاد النقلة (٢/ ١٥٦) الحديث رقم: (٣١٦).
(٣) منار الإسلام (أ/ ٢١٣)، وينظر الحديث الآتي برقم: (١٦٠٥).
(٤) ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٣٣) الحديث رقم: (٢١٨٨)، وهو في الأحكام الوسطى (٤/ ٢٧٠).
(٥) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٣٩٨).
[ ١ / ١٠٩ ]
بين إسرائيل وعطية، وقد تابعه على ذلك الحافظ مغلطاي في هذا الكتاب، والصواب في إسناده كما في سنن الترمذي: (إسرائيل، عن محمد بن جحادة، عن عطية).
* الثاني: ما كان الوهم فيه من الحافظ مغلطاي أو الناسخ:
وقفت على بعض المواضع في كتاب (منار الإسلام)، وقع فيها وهم في نقل كلام الحافظ ابن القطان، وهذا الوهم - وإن كان قليلا جدا - قد يفسد المعنى المراد، فمن ذلك:
• المثال الأول:
ذكر في المنار (^١) حديثا من طريق أبي داود، ثم ذكره حديثا بعده، فقال فيه: «وذكر من طريقه أيضا، حديث سعد القرظ، في «الاستدارة في الأذان» (^٢)، من رواية عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، عن آبائه».
كذا وقع في النسخة الخطية لكتاب المنار: «وذكر من طريقه»؛ على أن الضمير فيه يعود على أبي داود كما في الحديث السالف قبله. وهذا غير صحيح، فإن هذا الحديث قد عزاه الإمام عبد الحق (^٣) لأبي أحمد ابن عدي، وتبعه على ذلك ابن القطان، فقال (^٤): «وذكر من طريق أبي أحمد»، وقد ذكر محققه أنه في نسخة (ت): أبي داود ثم قال: «وهو تحريف».
• المثال الثاني:
ذكر في المنار (^٥) حديثا من علل الدارقطني، فقال: «وسئل عن حديث مجاهد، عن ابن عمر: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَّبِعَ جِنَازَةً مَعَهَا رَانَّةٌ (^٦)؟» فقال: يرويه أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، كذا قال إسرائيل، عن أبي يحيى. وخالفه ليث؛ فرواه عن مجاهد عن ابن عمر، قال: «نهينا
_________________
(١) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديثين رقم: (٥٤١، ٥٤٢).
(٢) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٥٤٢).
(٣) الأحكام الوسطى (١/ ٣٠١).
(٤) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٤٦).
(٥) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديث رقم: (٩٨٤).
(٦) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفا.
[ ١ / ١١٠ ]
أن نَتْبَعَ جنازة معها رانة»، لم يُصرِّح برَفْعِه. وقال ابن جريج: عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن عبد الله: «نهى رسول الله ﷺ عن البِدَعِ كلّها حَتَّى النَّوْح». وهذا لفظ آخر. انتهى كلام الدارقطني.
فانظر كيف لم يُوصل إسناده لا إلى إسرائيل، ولا إلى ابن جريج؛ راويه عن أبي يحيى، بلفظين مختلفينِ مُصَرَّحًا برفْعِه، ولا إلى ليث راويه عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا».
كذا قال في النسخة الخطية لكتاب المنار: «عن ابن عمر مرفوعًا»، وهو خطأ، صوابه أن يقول: «موقوفًا»، كما في (بيان الوهم والإيهام) (^١)؛ وقد تقدم آنفًا ذكر رواية ليث موقوفة على ابن عمر ا. وبهذين المثالين يتبين لنا أن الوهم الواقع في المنار - وإن كان قليلا جدًا - قد يُحيل المراد إلى معنى غير صحيح.