عُرفت الفترة الزمنية التي عاش فيها الحافظ مُغلطاي بانتشار المذهبية، فكان كل عالم من العلماء ينتسب إلى مذهب معين من المذاهب الأربعة المشهورة، وكان بعضهم يتعصب لمذهبه، وبعضهم لا يتعصب له، بل تراه يدور مع الدليل حيث دار، ويأخذ من المذاهب الأخرى.
وقد ذكر أكثر من ترجم للحافظ مُغلطاي، أنه حنفي المذهب (^٥)، ولم أقف
_________________
(١) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٢) استوفى ذكر عدد كبير منهم أحمد حاج بن عبد الرحمن في رسالته: الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٣٧ - ٤٢).
(٣) الحافظ مُغلطاي بن قليج وجهوده في علم الحديث (ص ٧٤ - ٧٧).
(٤) مباحث في ترجمة الحافظ مُغلطاي بن قليج (ص ٤٥ - ٥٠).
(٥) ينظر: تاج التراجم في طبقات الحنفية (١١٤/ ٢)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠)
[ ١ / ٥١ ]
على من ذكر شيئًا غير ذلك، والمذهب الحنفي هو المذهب الرسمي لدولة المماليك، والسائد في عصرهم.
إلا أنه ﵀ لم يكن متعصبًا لمذهبه، بل كان متبعًا للدليل حيث كان، ولعل السبب في ذلك دراسته لعلم الحديث، وتتلمذه على أيدي كبار العلماء الذين لم يُعرفوا بالتعصب لمذاهبهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن سيد الناس، وغيرهما، وعدم تعصبه لمذهبه يظهر من عدة جوانب، من أهمها:
١ - أنه عارض أقوال الإمام أبي حنيفة النعمان ﵀ في بعض المسائل، فمن ذلك مسألة الوضوء بالأنبذة، قال في شرحه لسنن ابن ماجه: «وأما قول أبي حنيفة: لا يجوز الوضوء بشيءٍ من الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر؛ لما روى الدارقطني (^١)، عن أبي العالية» (^٢)، ومعارضته ﵀ لقول إمام مذهبه في هذه المسألة يدل على عدم تعصبه له.
٢ - انتصاره لمذهب المُحدِّثين، وتقديمه على المذهب الحنفي، في مسألة الوضوء مما مست النار، فقال في شرح حديث أبي هريرة ﵁: «تَوَضَّلُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (^٣):
«وقال البيهقي في كتاب السنن الكبير: وذهب بعض أهل العلم، إلى أن حديث أبي هريرة - يعني هذا -، معلول بفتواه بعد وفاة النبي ﷺ؛ بألا وضوء منه. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما علم من مذاهب المُحدِّثين بأنّ العبرة بما روى لا بما رأى خلافًا للحنفيين» (^٤)، وهذا نص صريح منه رحمه في تقديم مذهب أهل الحديث في هذه المسألة على مذهبه الحنفي.
_________________
(١) سنن الدارقطني، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ (١/ ١٣٣) برقم: (٢٥٣)، عن أبي بكر الشافعي، أخبرنا محمد بن شاذان، أخبرنا معلى بن منصور، أخبرنا مروان بن معاوية، أخبرنا أبو خلدة (هو خالد بن دينار)، قال: قلتُ لأبي العالية: رَجُلٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءُ، عِنْدَهُ نَبِيدٌ، أَيَغْتَسِلُ بِهِ فِي جَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا، فَذَكَرْتُ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَقَالَ: «أَنْبِذَتُكُمْ هَذِهِ الْخَبِيثَةُ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ زَبِيبٌ وَمَاءُ»، ورجال إسناده ثقات. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ (١/ ٢٢) الحديث رقم: (٨٧)، من طريق عبد الرحمن (هو ابن مهدي)، حدثنا أبو خلدة، به مختصرا.
(٢) الإعلام بسننه ﷺ، وهو شرح لسنن ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب فرك المني من الثوب (ص ٢٢٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار (١/ ٢٧٢) الحديث رقم: (٣٥٢)، وهو عند ابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيرت النار (١/ ١٦٣) الحديث رقم: (٤٨٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، به.
(٤) الإعلام بسننه ﷺ، كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيرت النار (ص ٤٥٢).
[ ١ / ٥٢ ]
٣ - أنه نقل في شرحه لسنن ابن ماجه، عن ابن حزم قوله بطهارة المني، سواء كان في الماء أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إزالته، والبزاق بمثله لا فرق (^١). وهذا القول من ابن حزم يخالف ما عليه مذهب الحنفية من القول بنجاسة المني (^٢)، ولكن الحافظ مغلطاي لم يرد عليه أو يتعقبه بشيء، مع ما عُرف عن ابن حزم من معارضته لمذهب الحنفية والردّ عليه كثيرًا، وهذا كله يدل على عدم تعصبه لمذهبه الحنفي.
٤ - أنه صرح بخطأ أتباع المذهب الحنفي في مسألة ترك رفع الأيدي في الصلاة إلا عند افتتاحها، فقال: «وأما استدلال بعض الحنفية بحديث جابر بن سمرة، من عند مسلم: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ [خَيْلٍ] شُمْسٍ» (^٣)، فليس بصحيح؛ لأنه إنما كان ذلك حالة السلام فيما ذكره البخاري وغيره» (^٤)، وهذا صريح منه ﵀ في اتباع الدليل، وترجيحه على فهم خاطئ تبناه أتباع مذهبه الحنفي.