الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فقد أدى علماء الأمة واجبهم تجاه خدمة كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيه ﷺ، فتعلموا وعلَّموا، وجدُّوا واجتهدوا في تصنيف الكتب المتعلقة بالكتاب العزيز والسُّنَّة المطهرة، حتى خلّفوا لنا تراثًا زاخرًا بالعلوم الشرعية المختلفة.
وكان من نعم الله ومنته على هذه الأمة قيام أهل العلم وطلابه بإحياء التراث الإسلامي، صاحب ذلك حرص القائمين على كليات الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية والعربية إلى اتخاذ خطوة رائعة بتوجيه طلابها إلى تحقيق مخطوطات من التراث الإسلامي العريق.
لذا رغبت أن أدلي بدلوي وأساهم في نشر شيء من هذا التراث، فبدأت البحث عن مخطوط في الحديث وعلومه، لم يطبع من قبل، وله قيمة علمية كبيرة يحتاجها الباحثون في علوم الحديث على وجه الخصوص، وفيه نفع للأمة كلها على وجه العموم.
وقد وفقني الله للوقوف على مخطوط بعنوان: «منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام»، لحافظ من حفاظ الحديث، وعلم من أعلامه، وهو الحافظ علاء الدين، أبو عبد الله، مغلطاي بن قليج (^١) البَكْجري الحنفي، المتوفى سنة (٧٦٢ هـ)، الذي عُرف برسوخه وعلو كعبه في علوم الحديث وأصوله، وكتابه هذا تميز فيه بتتبع الروايات وتخريجها، والبحث في عللها وأحوال رواتها والوقوف على الانتقادات
_________________
(١) سيأتي الخلاف في ضبط اسمه أثناء ترجمته قريبًا في الفصل الأول من قسم الدراسة.
[ ١ / ٥ ]
الواردة عليها والجواب عنها، ثم بيان صحيح الأحاديث من ضعيفها.
ومخطوط كتاب «منار الإسلام» هذا يقع في (٣١١) ورقة، لم يُطبع من قبل، وبقي حبيس المكتبات أكثر من ست مائة وثمانين سنة، وهو يتعلق بكتاب «بيان الوهم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام» لابن القطان الفاسي المتوفى سنة (٦٢٨ هـ)، وقد بين الحافظ مغلطاي في كتابه المنار القيمة العلمية لكتاب ابن القطان وما حواه من فوائد نفيسة في بابه، ثم أشار إلى طريقة مؤلفه في تقسيم الكتاب وترتيبه، وبيَّنَ صعوبة الوقوف على هذه الفوائد وعُسْرَه، لأن مؤلفه رتبه على العلل لا على المسانيد، فقال مغلطاي في ذلك: «ولا يقتبس فوائده من كان ذا مُنَّةٍ إلا بعد كشفه جُلَّ الكتاب، وذلك يتعذر على أكثر الطلاب، فلذلك أضحى مجانبًا وإن عظمت فيه الرغبات، مُقْصِيًّا وإن كثرت إليه الحاجات» (^١).
عند ذلك عَمَدَ الحافظ مغلطاي إلى ترتيب كتاب الوهم والإيهام ليسهل الوقوف على فوائده، واستخراج كنوزه ودرره، فقال الحافظ مغلطاي في ذلك مُبَيِّنًا سبب تأليفه لهذا الكتاب ومنهجه فيه: «فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كُتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمر أدى إلى ذلك» (^٢).
هذا كله دفعني إلى اختيار هذا المخطوط لأقوم بتحقيقه، ويكون موضوع رسالتي في مرحلة الدكتوراه في الحديث وعلومه.