قال الشيخ الإمام، العالم، الأوحد، الحافظ، الفقيه، المتقن، المتفنن، أبو الحسن علي بن محمد:
الحمد لله كما يحق له ويجب، والصَّلاة والتسليم على محمد نبيه المصطفى المنتخب.
وبعد:
فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الإشبيلي رحمة الله عليه، قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أحكام أفعال المكلفين علما نافعًا، وأجرًا قائما، زكا به عمله، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته وطويته، فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر، وتُلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه واقتصاده، وجودة اختياره، فلقد أحسَنَ فيهِ ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودلّ منه على حفظ وإتقان، وعلم، وفهم، واطلاع، واتساع، فلذلك لا تجد أحدًا ينتمي إلى نوع من أنواع العلوم الشرعية، إِلَّا والكتاب المذكور عنده، أو نفسه متعلقة به.
وقد حذَّاهُم (^٢) حُسْنُ تأليفه إلى الإكباب عليه وإيثاره، وخاصةً مَنْ لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث، من فقهاء، ومتكلمين، وأصوليين، فإنَّهم الذين قَنِعُوا به، ولم يبتغوا سواه، حتَّى لربما جرَّ عليهم جهالاتٍ ضَرَّتْهُم بها كما يقعُ غيرهم ممن ينظر في هذا العلم.
_________________
(١) زيادة توضيحية يقتضيها السياق، لتتناسب مع تبويب المصنف الآتي فيما بعد.
(٢) كذا في النسخة الخطية: (حداهم) بالذال المعجمة، وفي المطبوع من بيان الوهم والإيهام (٢/ ٨): (حداهم) بالدال المهملة والأظهر في هذا السياق: (حذاهم)؛ لأنه بمعنى التقدير؛ أي: تعملون مثل أعمالهم. أما حداهم بالدال المعجمة فمعناه: القطع واللزوم. لسان العرب (١٤/ ١٦٨ - ١٦٩)، مادة: (حدو، حذو).
[ ١ / ١٣٢ ]
منها اعتقاد أحدهم أنه لو نظر في كتب الحديث نظر أهله، فرآها (^١) وتفقد أسانيدها، وتعرَّف أحوال رواتها، فعلم بذلك الصحيح منها، وسقم السقيم، وحسن الحسن، فاته كثير ممّا احتوى عليه الكتاب المذكور من مشتت الأحاديث، التي لا يحتوي عليها إلا ما يتعذر على الأكثر من الناس جمعه.
وهذا ممَّن اعتقده غلط، بل إتقان كتاب من كتب الحديث، وتعرفه كما يجب، يحصل له أكثر ممَّا يحصل له الكتاب المذكور من صناعة النقل؛ فإِنَّهُ ما من حديث يبحث عنه حق البحث، إِلَّا ويجتمع له من أطرافه، وضم ما في معناه إليه، والتنبه لما يعارضه في جميع ما يقتضيه أو بعضه، أو يُعاضده ومعرفة أحوال نَقَلَتِه وتواريخهم، على ما يفتح له في الألف من الأحاديث.
وكذلك يَجُرُّ عليهم أيضًا اعتقاد أن ما ذكره من عند البخاري مثلا لا بد فيه من البخاري، وما علم أنه ربما يكون عند جميعهم، وما ذكره من عند أبي داود، ربما ليس هو عند الترمذي، أو النسائي، ولذلك ذكره من عند أبي داود وما علم أنه ربما لم يَخْلُ منه كتاب.
وكذلك أَيضًا يَجُرُّ عليهم تحصيل الأحاديث مُشتّتة غاية التشتيت بحيثُ يتعرض للغلط في نسبتها إلى مواضعها بأدنى غيبة عنها، ولذلك ما ترى المشتغلين بيه، الآخذين أنفُسَهُم بِحِفْظِه، يَنْسِبُون إلى مسلم ما ليس عنده أو إلى غيره ما لم يذكره، وكذلك ربما شعر أحدُهُم بأَنَّهُ بذلك مدلس كتدليس مَنْ يروي ما لم يسمع عمن قد روى عنه، من حيثُ توهّم قوله: ذكر مسلم والبخاري (^٢) كذا، أنه قد رأى ذلك في موضعه، ونقله من حيث ذكر، فيتَحَرَّج من ذلك أحدهم فيُحْوِجُه ذلك إلى أن يقول: ذكره عبد الحق، فيحصل من ذلك في مثل ما يحصل فيه من يذكر من النحو مسألةً في كتاب سيبويه (^٣)، فيقول: ذكرها
_________________
(١) كذا في النسخة الخطية: (فرآها)، وفي المطبوع من بيان الوهم والإيهام (٢/ ٨): (فرواها).
(٢) كذا في النسخة الخطية: (مسلم والبخاري)، وفي بيان الوهم والإيهام (٢/ ٩): (مسلم أو البخاري).
(٣) هو: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه، من أهل البصرة، إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، وصنف كتابه المسمى: الكتاب في النحو، لم يصنع قبله ولا بعده مثله، توفي على الأرجح سنة ١٨٠ هـ، وهو شاب له من العمر ٣٢ وقيل ٤٠ سنة. ينظر: تاريخ بغداد (١٢/ ١٩٠) ترجمة رقم: (٦٦٥٨)، وإنباه الرواة على أنباه النحاة، =
[ ١ / ١٣٣ ]
المهدوي (^١) في «التحصيل»، أو مَكِّيُّ (^٢) في «الهداية»، أو يذكر مسألة من الفقه، هي في أُمَّهات كتبه، فينسبها إلى متأخري الناقلين منها، بخلاف ما يتحصل الأمر عليه في تفسير قارئ كتاب مسلم، أو أبي داود مثلًا، فإِنَّهُ يعلم الأبواب مرتبة مصنفة، وأطرافها من غيرها وما عليها من زيادات أو معارضات، أو معاضدات، مرتبة عليها في خاطره بحيثُ لا يختل (^٣) ولا يتثبج (^٤) إِلَّا في الندرة.
والذي يحصل من علم صحة هذا الذي وصفناه للمزاول، أكثر وأبين مما وصفنا فيه، فالكتاب المذكور من حيثُ حسنه وكثرة ما فيه، قد جَرِّ الإعراض عن النظير الصحيح، والترتيب الأولى، من تحصيل الشيء من معدنه، وأخذه من حيثُ أَخْذِه هو وغيره، هذا على تقدير سلامته من اختلال نقل، أو إغفال، أو خطأ، في نظر أهل هذا الشأن.
فأما والأمر على هذا، فقد يجب أن يكون نظر من يقرؤه وبحثه أكثر وأكبر من بحث من يقرأ أصلا من الأصول، لا كما يصنعه كثيرٌ ممَّن أَكَبَّ عليه ممن اعتمادهم على ما نقل، وتقليدهم إيَّاه فيما رأى وذهب إليه من تصحيح أو تسقيم.
وقد يُعَمِّم بَعضُهم هذه القضيَّة في جميع نظر المحدث، ويقول: إنه كله تقليد،
_________________
(١) لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي (٢/ ٣٤٦) ترجمة رقم: (٥١٥).
(٢) هو: أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي، كان عالما بالأدب والتفسير والقراءات، متقدما فيها، وله كتب كثيرة، مثل كتاب التحصيل في مختصر التفصيل وكتاب تعليل القراءات السبع، توفي سنة ٤٤٠ هـ. ينظر: إنباه الرُّواة على أنباه النحاة (١/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٤٣)، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة، لأبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ص ٨٠) ترجمة رقم: (٤٩)، وغاية النهاية في طبقات القراء لمحمد بن محمد بن يوسف الجزري (١/ ٩٢).
(٣) هو: أبو محمد مكِّيُّ بن أبي طالب بن حَمُوش القيسي المقرئ، وهو من أهل التبحر في العربية وعلوم القرآن والقراءات كثير التواليف فيها، من مصنفاته كتاب: الهداية في بلوغ النهاية في معاني القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه ومنتخب الحجة لأبي علي الفارسي، توفي سنة ٤٣٧ هـ بقرطبة. ينظر: وفيات الأعيان لأبي العباس أحمد بن محمد ابن خلكان (٥/ ٢٧٤)، وتاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (٩/ ٥٦٩) ترجمة رقم: (٢١٦).
(٤) أي: لا يُخدع، يُقال: خَتَله وخاتله؛ أي: خدعه. الصحاح (٤/ ١٦٨٢)، مادة: (ختل).
(٥) أي: لا يختلط، يقال: ثَبَّج الكتاب والكلام تثبيجا: لم يأتِ به على وجهه. ينظر: تاج العروس (٥/ ٤٤٣)، مادة: (ثبج).
[ ١ / ١٣٤ ]
وإن غاية ما ينتهي إليه الناظر بنَظَرِهم تقليد معدل أو مجرح، فهو كتقليد مصحح أو مضعف للحديث.
وهذا ممن يقوله خطأ بل ينتهي الأمر بالمحدّث إلى ما هو الحق من قبول الرواية وردّ الرَّأي، فهو لا يقلّد مَنْ صحح ولا من ضعف، كما لا يقلّد من حلل ولا من حرَّم، فإِنَّها في العالمين (^١) مسائل مجتهدة، لكنه يُقبل من رواية العدل الناقل له من أحوال من روى عنه الحديث، ما يحصل عند الثقة بنقله، أو عكس ذلك.
ونقلهم لذلك إما مفصلًا وإِمَّا مجملا، بلفظ مصطلح عليه، كألفاظ التعديل والتجريح، فإنَّهم قد تواضعوا عليها بدلًا من التَّطوُّفِ على جزئيات الأحوال، وتأديتها على التفصيل.
فكما كان يحصل لنا من نقل العدل إذا قال لنا: إِنّ فلانًا كَانَ وَرِعًا، حافظًا، ضابطا، فهما، عالمًا، أن فلانًا المذكور مقبول الرواية، مرجح جانب صِدْقِه على جانب كذبه، فكذلك يحصل لنا ذلك، إذا قال لفظًا من الألفاظ المصطلح عليها.
ولبيان هذا المعنى وللانفصال عمَّا يُعْتَرض به عليه مواضعه.
ولما كان الحال على ما وصفت من احتواء الكتاب المذكور على ما لا يُعْصَمُ منه أحدٌ، ولا سيّما من جَمَعَ جَمعَهُ، وأكثَرَ إكثاره، وكفى بالمرء نُبلًا أَنْ تُعَدَّ مَعايِبُه، تجردت لذكر المعثور عليه من ذلك، فذكرته مفيدًا بهِ ومُمثلًا لما لم أعثر عليه من نوعه، إذ الإحاطة متعذرة.
وذلك محصور في أمرين: نقله ونظره، والحمد لله وحده.
_________________
(١) كذا في النسخة الخطية: (العالمين)، وفي بيان الوهم والإيهام (٢/ ١٠): (العلمين).
[ ١ / ١٣٥ ]