النَّاصِرُ، (٦٨٤ هـ - ٧٤١ هـ) (^١)، وَلِيَ الحُكمَ سنة ثلاث وتسعين وستمئة، وهو غلام صغير، بعد مقتل أخيه الملك الأشرف خليل، وقد خُلع عن السلطنة لحداثة سنه، ثم أعيد إليها (^٢)، وكان ملكًا عظيمًا، دانت له العباد وملوك الأطراف بالطاعة (^٣)، وكان «أطول ملوك الترك مدة في السلطنة، … وأعظمهم مهابة، وأغزرهم عقلا، وأحسنهم سياسةً، وأكثرهم دهاءً، وأجودهم تدبيرًا، وأقواهم بطشًا وشجاعةً، وأحذقهم تنفيذا» (^٤).
٣ - السلطان إسماعيل بن محمد بن قلاوون، الملك الصالح، أبو الفداء، عماد الدين، (٧٢٦ هـ - ٧٤٦ هـ) (^٥)، بويع له بالسلطنة بعد خلع أخيه الناصر أحمد سنة ثلاثة وأربعين وسبعمئة، كانت «له مآثر حسنة، منها أنه وقف قريةً بطرف القليوبية من ديار مصر، على كسوة الكعبة كل سنة، وله وقف على دروس وطلبة في قبة جده المنصور بالقاهرة» (^٦). و«كان خيار أولاد الناصر محمد بن قلاوون رحمة الله عليه، وله بر ومعروف على جهات الخير» (^٧).
وقد توالى على حكم الديار المصرية وبلاد الشام، خلال الفترة التي عاشها الحافظ مغلطاي، مجموعة من الملوك الذين تباينت أعمالهم، واختلفت سيرتهم، منهم مَنْ حُمِدَت سيرته، كالسلاطين الثلاثة الذين سبق ذكرهم، فكان لهم دور كبير في فتح الجوامع، وإنشاء المدارس، وازدهار العلم والعلماء خلال فترة ملكهم.
ومن ملوكهم مَنْ لم تُحمد سيرته، منهم: الملك المنصور، أبو بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، سيف الدين، (٧٢٠ هـ - ٧٤٢ هـ) (^٨)، الذي تولى الحكم
_________________
(١) البداية والنهاية (٤٢٤/ ١٨)، والنجوم الزاهرة (٨/ ٤١).
(٢) البداية والنهاية (١٧/ ٦٧٢ - ٦٧٣، ٧٠٩)، والنجوم الزاهرة (٨/ ٤١).
(٣) شذرات الذهب (٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والوافي بالوفيات (٤/ ٢٥١)، وفوات الوفيات (٤/ ٣٥).
(٤) النجوم الزاهرة (٩/ ١٦٦).
(٥) أعيان العصر (١/ ٥٢٤)، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (٢/ ٤٢٥)، والنجوم الزاهرة (١٠/ ٧٨).
(٦) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لتقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي المكي (٣/ ١٩٣).
(٧) بدائع الزهور في وقائع الدهور، لابن إياس (١/ ٥٠٥، القسم الأول).
(٨) الوافي بالوفيات (١٠/ ١٥٧)، والسلوك لمعرفة دول الملوك (٣/ ٣٢٢).
[ ١ / ٣٠ ]
بعد أبيه في أواخر سنة إحدى وأربعين وسبعمئة، فلم تُحمد سيرته؛ لما صدر عنه من الأفعال التي ذُكر أنه تعاطاها؛ من شُرب للمسكر، وغشيان للمنكرات، وتعاطي لما لا يليق به، وصاحب ذلك ظُلمه للرعية، ففسدت أحوال العباد والبلاد في عهده، مما دفع الأمراء إلى أن يجتمعوا على خلعه؛ فخلعوه، ونفوه إلى قوص، من أعمال صعيد مصر، وقُتِل هناك (^١).
وهذا الحال الذي كان عليه الملك المنصور أبو بكر، شابهه فيه الملك شعبان بن محمد بن قلاوون، الملقب بالكامل، (ت ٧٤٧ هـ)، الذي ولي السلطنة بعد أخيه إسماعيل، وبعهد منه سنة سبع وأربعين وسبعمئة (^٢)، ووصف بأنه كان مُقبلا على اللهو واللعب بالحَمام، وبمصادرة أموال الموظفين، الأمر الذي تسبب في أن يثور عليه أمراء الجيش، فقاتلهم، فكسروه وخلعوه (^٣).
ثم خلفه آخرون من الملوك الذين تحول طبيعة هذا المبحث عن سَرْد جميع أسمائهم، والإسهاب في نقل أخبارهم وأحوالهم إلّا بالقَدْر الذي يمكن من خلاله الوقوف على تلك الظروف والأحوال التي عاصرها الحافظ علاء الدين مُغلطاي، والتعرف على السمات البارزة لهذا العصر الذي نشأ فيه.
وقد لاحظنا بعد هذا السرد الموجز لأحوال مصر وبلاد الشام، في الحقبة الزمنية التي عاش فيها الحافظ مُغلطاي، أنها تباينت أحوالها بتباين سيرة الملوك والسلاطين الذين تواردوا على حكم هذه البقعة من البلاد الإسلامية، ومر بنا كيف أن بعضهم كان يُولي اهتمامًا ملحوظًا بإعمار المساجد، وإنشاء المدارس، ومعلوم أن المساجد لم تكن في ذلك العصر مجرّد دور للعبادة فحسب، وإنما كانت بمثابة صروح علم ومدارسة.
ومر بنا أيضًا أن العديد من أمراء المماليك وملوكهم قد اعتنى بتشييد المدارس وإعمارها، وأن تقلب وتغير الأحوال السياسية لم يكن ليمنع من الاعتناء بذلك، ومعلوم أن تشييد المدارس كما يقول المقريزي: «ممّا حَدَثَ في الإسلام، ولم تكن تُعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حَدَث عملها بعد الأربعمئة من سني
_________________
(١) البداية والنهاية (١٨/ ٤٢٩).
(٢) المنهل الصافي (٦/ ٢٥٠).
(٣) المنهل الصافي (٦/ ٢٥٠ - ٢٥٣)، وأعيان العصر (٢/ ٥٢١ - ٥٢٤)، وشذرات الذهب (٨/ ٢٦٠).
[ ١ / ٣١ ]
الهجرة، وأوّل مَنْ حُفظ عنه أنه بنى مدرسةً في الإسلام أهل نيسابور، بنيت بها المدرسة البيهقية» (^١)، ثم شرع بذكر أسماء المدارس التي بنيت بعدها، حتى انتهى به المطاف إلى ذكر أسماء المدارس التي شُيّدت بالقرن الثامن، والناظر فيما ذكره بهذا الخصوص ليَعْجَبُ من كثرة عدد المدارس، ومن شدّة اهتمام واعتناء الملوك والأمراء في ذلك الوقت ببنائها، حتى حدا به الأمر لأن يقول في سياق ذكره للأحباس وما كان يُعمل فيها من غير جهة: «الجهة الثالثة: الأوقاف الأهلية؛ وهي التي لها ناظر خاص، إما من أولاد الواقف، أو من ولاة السُّلطان، أو القاضي، وفي هذه الجهة الخوانك (^٢)، والمدارس، والجوامع، والتَّرَب، وكان متحصلها قد خرج عن الحد في الكثرة، لِمَا حَدَث في الدولة التركية، من بناء المدارس، والجوامع والترب وغيرهما، وصاروا يُفْرِدُون أراضي من أعمال مصر والشامات، وفيها بلاد مقرّرة، ويقيمون صورةً يتملكونها بها، ويجعلونها وقفًا على مصارف كما يريدون» (^٣).
وهذا بدوره قد ألقى بظلاله على طبيعة الحياة العلمية، والحركة الفكرية في هذا العصر، حتى أصبحت كل من مصر وبلاد الشام خاصةً، مركزًا من مراكز العلم بما توافر فيهما من المدارس ودور القرآن والحديث الشريف وغيرها من العلوم، كلُّ ذلك جعل هذين القطرينِ مَحَطَّ أنظار العلماء، ومقصد طلبة العلم، وهذا أمر ليس بالمستغرب، ولذلك عقد ابن خلدون في مقدمته فصلا قال فيه: «الفصل الثالث: في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العُمران وتعظم الحضارة»، ثم قال: «والسبب في ذلك أن تعليم العلم - كما قدمناه - من جملة الصنائع، وقد قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار (^٤)، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة؛ والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة، لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال
_________________
(١) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ١٩٥).
(٢) الخوانك: جمع خانكاه، وهي كلمة فارسية معناها بيت، وقيل أصلها خونقاه؛ أي: الموضع الذي يأكل فيه الملك والخوانك حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ٢٨٠)، وينظر: مختار الصحاح (ص ٩٨).
(٣) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ٨٩).
(٤) يعني على خلاف ما هو عليه الحال في الأرياف والبوادي، لانتفاء عوامل ذلك فيهما، على ما سيأتي بيانه في كلام ابن خلدون.
[ ١ / ٣٢ ]
أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان، وهي العلوم والصنائع، وممّن تشوّف بفطرته إلى العلم ممّن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة، فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي؛ لفقدان الصنائع في «أهل البدو» (^١)، وقد دلَّل على ذلك بما كان عليه حال بغداد، وقرطبة، والقيروان، والبصرة، والكوفة، لما كثر العمران فيهم، واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم، وتفنَّن أهلها في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم، واستنباط المسائل والفنون، حتى أَرْبَوْا على المتقدمين وفاقوا المتأخرين (^٢)، كما أنه لم يُهمل ذكر ما شهدته مصر في ظلِّ حُكم المماليك، فوصف ذلك بقوله: «فاستكثروا في بناء المدارس والزوايا والرُّبُط (^٣)، ووقفوا عليها الأوقاف المُغَلَّة، يجعلون فيها شَرَكًا (^٤) لولدهم، ينظر عليها، أو يُصيب منها، مع ما فيهم غالبًا من الجنوح على الخير، والتماس الأجور في المقاصد والأفعال، فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والفوائد، وكثر طالب العلم ومعلّمه بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها الناسُ في طلب العلم من العراق والمغرب، ونَفَقَتْ بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها» (^٥).
هذا ما كان عليه حال البيئة السياسية والفكرية في مصر وبلاد الشام، ولهذا شهد القرن الثامن بروز العديد من الأئمة والعلماء الذين ذاع صيتهم، وانتشرت مصنفاتهم، وبلغت من الكثرة والجودة ما بلغت، فحسبنا أن نذكر منهم مثلًا: ابن دقيق العيد (ت ٧٠٣ هـ)، وشرف الدين أبو محمد الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ)، وابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، وابن التركماني (ت ٧٣١ هـ)، وبدر الدين ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ)، وابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ)، وقطب الدين الحلبي (ت ٧٣٥ هـ)، والبرزالي (ت ٧٣٩ هـ)، وجمال الدين المزي (ت ٧٤٢ هـ)، وابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٧ هـ)، وابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، وتقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ)، وولده تاج الدين (ت ٧٧١ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وغيرهم ممن يطول ذكرهم ممن
_________________
(١) تاريخ ابن خلدون، المقدمة (١/ ٥٤٨).
(٢) ينظر: مقدمة ابن خلدون (٥٤٧/ ١ - ٥٤٨).
(٣) جمع الرّباط: وهي الأماكن المبنية للفقراء، ويجمع على رباطات، وهو الأشهر. ينظر: التعريفات الفقهية (ص ١٠٢).
(٤) الشَّرَكُ: الحصة. لسان العرب (١٠/ ٤٤٨)، مادة: (شرك)، وينظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٦٧).
(٥) مقدمة ابن خلدون (١/ ٥٤٩).
[ ١ / ٣٣ ]
عاصرهم الحافظ علاء الدين مُغلطاي، واتصل بهم اتصالا وثيقًا، فحرص على السماع من بعضهم.
وقد ذكرت قريبًا أن الحافظ مُغلطاي حرص على السماع من مشايخ عصره في سن مُبكرة من عمره، وذلك أن طبيعة العصر الذي عاش فيه تميز - كما ذكرت - بوفرة العلماء والمشايخ والمحققين، الأمر الذي ساعد الحافظ مغلطاي على السماع والمذاكرة على كبار هؤلاء العلماء، قال الحافظ ابن حجر: «وسمع من التاج أحمد بن علي بن دقيق العيد، أخي الشيخ تقي الدين، والحسين بن عمر الكردي، والوافي، والخُتَني، والدبوسي، وأحمد بن الشجاع الهاشمي، ومحمد بن محمد بن عيسى الطباخ» (^١).
إن وجود مثل هذه الكوكبة من الأئمة والعلماء المبرزين في كافة المجالات الفقهية والأدبية وغيرهما، كان له الأثر البالغ على أن يُوصف هذا العصر بأنه من أكثر العصور ازدهارا، لما حظيت فيه كل من بلاد الشام ومصر، عاش فيها الحافظ مغلطاي بالحظ الأوفر من هذا الازدهار، فارتحل إليهما الناس في طلب العلم من شتى الأقطار.
_________________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
[ ١ / ٣٤ ]