قوله (وفي الصحيح أن عثمان ﵁ كان ينهى عن المتعة، قال البغوي: ثم صار إجماعا).
أما الحديث فأخبرني به أبو الحسن علي بن محمد الخطيب أنا أبو بكر الدشتي أنا يوسف بن خليل الحافظ أنا أبو المكارم اللبان أنا أبو علي الحداد أنا أبو نعيم ثنا عبد اللَّه بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب يقول: اجتمع علي وعثمان ﵄ بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة، فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول اللَّه -ﷺ- تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا عنك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا. (١)
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري من طريق حجاج بن محمد ومسلم من طريق غندر كلاهما عن شعبة (٢)، فوقع لنا عاليا. وأخرجه النسائي من وجه آخر عن سعيد بن المسيب وسياقه أتم، وفيه نهي عثمان عن التمتع بالعمرة إلى الحج (٣). ولشعبة فيه إسناد آخر بين فيه أن عثمان نهى عن التمتع والقرآن.
وبه إلى الطيالسي ثنا شعبة (ح).
وبالسند الماضى إلى الدارمي ثنا سهل بن حماد أنا شعبة عن الحكم عن مروان بن الحكم قال سمعت عليا بين مكة والمدينة وكان عثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا (٤).
_________________
(١) رواه أبو داود الطيالسي (١٠٠٥).
(٢) رواه البخاري (١٥٦٩) ومسلم (١٢٢٣).
(٣) رواه النسائي (٥/ ١٥٢).
(٤) رواه الطيالسي (١٠٠٤) والدارمي (١٩٢٩).
[ ١ / ١٧٣ ]
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل وأبي عامر العقدي ثلاثتهم عن شعبة (١)، فوقع لنا عاليا. ولشعبة فيه. إسناد ثالث، أخرجه مسلم من روايته عن قتادة عن عبد اللَّه بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال علي لعثمان: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول اللَّه -ﷺ-، قال: أجل ولكنا كنا خائفين (٢).
وقد استشكل هذا الجواب بأنه إن أراد حجة الوداع فلم يكن هناك خوف، بل قال ابن مسعود: كنا آمن ما كان الناس، وهو في الصحيحين (٣). وإن أراد عمرة القضاء فلم يكن هناك حج، وقد حمله القرطبي على إرادة الخوف من بعض الأجر أي تمتعنا خائفين من أن ينقص أجر التمتع عن الإِفراد.
وعلى هذا فيحمل نهى عثمان على التنزيه. ومثله قول عمر: "افصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وعمرتكم"، أخرجه مسلم من حديث جابر (٤).
وأما ما عزاه المصنف للبغوي فهو بالمعنى من كلامه في شرح السنة، فإنه لما ساق حديث عثمان وعلي قال: كان هذا الخلاف بين الصحابة، والأكثر على الجواز، ثم اتفقت الأمة عليه (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٦٣) والنسائي (٥/ ١٤٨).
(٢) رواه مسلم (١٢٢٣) والبزار (٤٠٧) وقال: ولا نعلم أسند عبد اللَّه بن شقيق عن عثمان غير هذا الحديث.
(٣) رواه البخاري (١٠٨٣ و١٦٥٦) ومسلم (٦٩٦) لكن من حديث حارثة بن وهب لا من حديث ابن مسعود.
(٤) رواه مسلم (١٢١٧).
(٥) انظر شرح السنة (٧/ ٧٠) ولفظه: هذا اخلاف محكي، وأكثر الصحابة على جوازها، واتفقت الأمة عليه.
[ ١ / ١٧٤ ]
وفي كلامه إشعار بنقل المنع عمن نهى عن ذلك من الصحابة، ولا يتبين عن أحد منهم التصريح بالتحريم، وإنما الخلاف في الأفضل فيما يظهر، وقد بقي عبد اللَّه بن الزبير بعد عثمان وعلي دهرا، وكان ينهى في خلافته عن المتعة، وكان ابن عباس يخالفه ويأمر بها، أخرجه مسلم من رواية أبي نضرة عنهما (١).
وأخرجه أحمد من طريق أخرى عنهما مطولا. وفيه ما يشعر برجوع ابن الزبير، ولفظه من طريق إسحاق بن يسار قال: خرج علينا عبد اللَّه بن الزبير فنهى عن التمتع، وأنكر أن يكون الناس فعلوا ذلك مع رسول اللَّه -ﷺ-، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: وما علم ابن الزبير بذلك فليرجع إلى أمه أسماء فليسألها فذكر الحديث (٢). وفيه أن أسماء صدقت ابن عباس ﵃.
وفيما أوردناه بيان لرد قول من حمل المتعة في هذا الموضع على متعة النكاح واللَّه أعلم.
آخر المجلس الثالث والتسعين بعد المائة من الأمالي وهو الثالث والأربعون من تخريج أحاديث المختصر.
_________________
(١) رواه مسلم (١٢١٧).
(٢) رواه أحمد (٣/ ٤ - ٤).
[ ١ / ١٧٥ ]