وأما حديث أنس.
فأخبرني الشيخ أبو الفرج بن أبي العباس الغزي أخبرنا يونس بن أيى إسحاق أنبأنا أبو الحسن بن المقير مشافهة عن أبي بكر بن الزاغوني أخبرنا أبو نصر الزينبي أخبرنا أبو طاهر المخلص حدثنا عبد اللَّه بن محمد البغوي حدثنا عبد الجبار بن عاصم حدثنا هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عقبة بن وساج عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "نَضَّر اللَّهُ مَنْ سَمِعَ قَوْلِي ثُمَّ لَمْ يزَد فيه، ثَلَاثٌ لَا يَغلَّ عَلَيْهن قَلْبُ امْرئٍ مُسْلِم إخْلَاصُ العَمَلِ للَّهِ، وَمُنَّا صَحَةُ وُلَّاةِ الأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ المُسْلمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ".
هذا حديث حسن أخرجه الدارقطني في الأفراد عن البغوي، فوافقناه بعلو. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة كلاهما عن عبد الجبار بن عاصم (١)، فوقع لنا بدلا عاليا. وعبد الجبار يكنى أبا طالب أثنى عليه ابن أيى حاتم وذكره ابن حبان في الثقات، وكذا ذكر شيخه في الثقات وقال: ربما أغرب.
وأما إبراهيم بن أبي عبلة فهو ثقة من صغار التابعين، وعبلة بفتح المهملة وسكون الموحدة، واسم أبي عبلة شمر بن يقظان، ووسّاج بتشديد المهملة بعد الألف جيم. وأخرج البخاري من وجه آخر عن إبراهيم بن أبي عبلة بهذا الإسناد حديثا آخر (٢). ولحديث أنس طرق أخرى أخرجها أبو يعلى
_________________
(١) رواه الطبراني في مسند الشاميين (٨٧) والحاكم في المدخل (١/ ٨٥ - ٨٦).
(٢) انظر صحيح البخاري (٣٩١٩ و٣٩٢٠).
[ ١ / ٣٧٥ ]
وابن أبي حاتم من طريق عبد الوهاب بن بخت (١) بضم الموحدة وسكون المعجمة بعدها مثناة عن أنس ورجاله موثقون، وله طريق ثالثة أخرجها الطبراني في الأوسط وتمام في الفوائد والحاكم في التاريخ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أنس (٢)، وعبد الرحمن ضعيف الحفظ، لكن يكتب حديثه فى المتابعات.
ومن طرق الحديث أيضا ما أخبرني أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني بن شافع الاسكندراني بها أخبرنا أبو العباس أحمد بن أبي الحسن بن المصفى أخبرنا عثمان بن هبة اللَّه الزهري أخبرنا أبو القاسم بن مُوَقَّي أخبرنا أبو عبد اللَّه الرازي أخبرنا محمد بن الحسين بن السري أخبرنا الحسن بن رشيق حدثنا بشر بن موسى الغزي حدثنا أيوب بن علي حدثنا زياد بن سيار حدثتنا عَزَّةَ بنت عياض بن أبي قرصافة قالت: حدثنا جدي أبو قرصافة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "نَضَّرَ اللَّه عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتي فَوعَاهَا وَحَفظَهَا فَأدَّاهَا، فَرُبَّ رَجُلٍ يَحْمُل عِلْمًا إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغلُ عَلَيْهنَّ قَلْبُ رَجُلٍ مُسُلِمٍ، الحديث. أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير عن بشر بن موسي الغزي (٣). على الموافقة، وقال: لا يروى عن أبي قرصافة إلا بهذا الإسناد انتهى.
وأبو قرصافة بكسر القاف وسكون الراء بعدها صاد مهملة وبعد الألف فاء واسمه جندرة بفتح الجيم وسكون بن خيشنة بمعجمة ثم ياء تحتانية ثم معجمة ثم نون بوزن أبينة، وقد قيل إنه لا نظير لهما في الأسماء.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ١/ ١١) والآجري في الشريعة (ص ٢؛ وابن ماجه (٢٣٦) وأحمد (٣/ ٢٢٥) وابن عبد البر (١/ ٥٠).
(٢) رواه الطبراني في الأوسط (ص ٢٣ مجمع البحرين) وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي في المنتخب من فوائده (ص ٦٥ - ٦٦).
(٣) رواه الطبراني في الصغير (٣٠٠) الأوسط (ص ٢٣ مجمع البحرين).
[ ١ / ٣٧٦ ]
وبهذا الإسناد إلى أبي عبد اللَّه الرازى قال: أخبرنا أحمد بن علي بن هاشم أخبرنا الحسن بن إسماعيل أخبرنا أبو بكر الدينوري أخبرنا يحيى بن المختار عن بشر بن الحارث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من أحد من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة لقول النبي -ﷺ-: "نَضَّر اللَّه امْرَءًا سَمعَ مِنَّا حَديثًا".
وأخبرني أبو المعالي الأزهري أخبرنا أبو العباس الحلبي أخبرنا أبو الفرج بن عبد المنعم أخبرنا أبو علي بن أبي القاسم أخبرنا القاضى أبو بكر بن عبد الباقي أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب أخبرنا أبو حازم العبدوي حدثنا نصر بن محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن مروان حدثنا محمد بن اسماعيل بن سالم حدثنا الحميدي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث (١).
وأخبرني الشيخ أبو إسحاق التنوخي أخبرنا عيسى بن عبد الرحمن في كتابه أخبرنا جعفر بن علي إجازة إن لم يكن سماعا أخبرنا السلفي قال: سمعت عبد اللَّه بن علي الأبنوسي يقول: سمعت القاضى أبا الطيب الطبري يقول: رأيت النبي -ﷺ- فقلت: يا رسول اللَّه أنت قلت: "نَضَّر اللَّه امرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَديثًا" وتلوت عليه الحديث جميعه ووجه يتهلل؟ فقال لي: "نَعْم أَنَا قُلْتُهُ".
وقرأت على الشيخ أبي إسحاق بن كامل عن أبي الفتح المخزومي أخبرنا أبو محمد بن رباح [رواج] أخبرنا السلفي أخبرنا أبو الحسين الصيرفي أخبرنا أبو الحسن الغالي أخبرنا أحمد بن إسحاق النهاوندي أخبرنا القاضى أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتاب المحدث الفاصل بعد أن ساق هذا الحديث قوله: "نضر اللَّه" هو بتخفيف الضاد والمحدثون يثقلونها إلا من ضبط منهم، وهو من النضرة، ويحتمل معنيين، أحدهما أنه دعى له أن يجعل
_________________
(١) رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص ١٩).
[ ١ / ٣٧٧ ]
اللَّه في وجهه نضرة، أي يجمله ويزينه، ويحتمل أن يكون أخبر أنه من أهل نضرة النعيم، قال اللَّه تعالى ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ انتهى كلامه ملخصا (١).
ويؤيد الوجه الأول ما تقدم من الأثرين عن الفضيل وسفيان، وما وقع في بعض طرق الحديث بلفظ "نَضَر اللَّه وَجْهَ عَبْدٍ" رويناه كذلك في المختارة للضياء من حديث جابر، ولا مانع من إرادة المعنيين معا بالخبر عن حال الدنيا والآخرة أو الدعاء بهما.
وبه إلى الرامهرمزي قال: وقوله لا يَغِلُّ بفتح أوله وكسر الغين وتشديد اللام من الغل وهو الحقد، وبضم أوله من الإغلال وهو الخيانة انتهى ملخصا (٢).
وجوز غيره فتح الغين مع ضم أوله وهو واضح، وفتح أوله وكسر ثانيه كالأول لكن بتخفيف اللام من الوغول يعنى به الدخول في مضايق الشر والأول أشهر واللَّه أعلم.
آخر المجلس الثالث والأربعين بعد المائتين من الأمالي وهو الثالث والتسعون من تخريج أحاديث المختصر.
_________________
(١) المحدث الفاصل (ص ١٦٧ - ١٦٨).
(٢) المحدث الفاصل (ص ١٦٤).
[ ١ / ٣٧٨ ]