قال المملي ﵁:
وأما (قوله: وترك البسملة) فيريد ترك قراءتها في الصلاة، وورد ذلك من حديث أنس مع اختلاف كثير عنه، فجاء عنه النفي مطلقا، وجاء عنه نفي الجهر، فيمكن رد الأول إليه، ويؤيده مجيء التصريح بالإسرار عنه، وجاء عنه أيضا التصريح بالجهر، وجاء عنه التردد في المسألة.
فأما رواية الترك المطلق فاشتهرت من رواية قتادة عنه، ثم من رواية الأوزاعي عن قتادة.
أخبرني عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك أخبرنا علي بن إسماعيل أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم أخبرنا مسعود بن محمد في كتابه أخبرنا الحسن بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد اللَّه حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن حيان حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن حدثنا موسى بن عامر حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي قال: كتب إلي قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد للَّه رب العالمين لا يذكرون (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أول القراءة ولا في آخرها.
أخرجه مسلم عن محمد بن مهران عن الوليد بن مسلم (١)، فوقع لنا بدلا عاليا.
وأعله بعضهم بعلتين الأولى تدليس الوليد وتسويته، وليست بواردة لأنه صرح بالتحديث، فانتفى التدليس، وبين أن رواية الأوزاعي عن قتادة مكاتبه فانتفت التسوية، وقد صرح قتادة بالتحديث عن أنس لهذا الحديث وسماعه له منه كما سيأتي فانتفت التسوية.
_________________
(١) رواه مسلم (٣٩٩).
[ ١ / ٢٩٣ ]
العلة الثانية: إبهام من كتب إلى الأوزاعي بإذن قتادة، لأن قتاده ولد أكمه، فتعين أن يكون أملى على من كتب عنه إلى الأوزاعي، ولم يسم هذا الكاتب، فيحتمل أن يكون مجروحا أو غير ضابط، فلا تقوم به الحجة، وقد روى هذا الحديث جماعة من أصحاب الأوزاعي عنه، فمنهم من عنعنه، ومنهم من أفصح بصورة الحال كما أفصح الوليد. أخرجه أحمد عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج وهو من شيوخ البخاري [في الصحيح عن الأوزاعي] مثل رواية الوليد أسواء، في سياق الإسناد والمتن، لكنه قال قتادة: حدثني أنس (١). وهكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق بشر بن بكر عن الأوزاعي (٢)، وكل ذلك مما يقوي رواية الوليد، وكنت أظن العلة الثانية واردة حتى وقفت على رواية أخرى عن قتادة أصح من رواية الأوزاعي.
قرأت على عبد الرحمن بن عمر بن عبد الحافظ وكتب إلي أخوه عبد اللَّه بن عمر قالا: أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الجبار وأحمد بن محمد بن معالي قالا: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي الفتح عن فاطمة بنت سعد الخير سماعا قالت: أخبرنا أبو القاسم الشحامي أخبرنا أبو سعيد الأديب أخبرنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا أبو يعلى حدثنا محمد هو أبو موسى بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي -ﷺ- وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان ﵃ فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قال شعبة: قلت لقتادة: أسمعته من أنس؟ قال: نعم سألناه عنه (٣).
أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر غندر (٤). وأخرجه الإسماعيلي عن أبي
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٢) رواه أبو عوانة (٢/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٣) رواه أبو يعلى (٣٠٠٥).
(٤) رواه أحمد (٣/ ١٧٧).
[ ١ / ٢٩٤ ]
يعلى، فوافقناهما بعلو. ووقع لي من وجه آخر عن شعبة أعلى بدرجة.
قرأت على فاطمة بنت محمد الصالحية بها عن أبي نصر بن العماد أخبرنا محمود بن إبراهيم العبدي في كتابه قال قرئ على مسعود بن الحسن الثقفي وأنا أسمع أن عبد الوهاب بن مندة أخبرهم عن أبي الحسين الخفاق حدثنا أبو العباس السراج حدثنا يعقوب بن إبراهيم هو الدورقي حدثنا أبو داود هو الطيالسي ووكيع قالا: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس مثل رواية محمد بن جعفر، لكن قال: يفتتحون. أخرجه أحمد عن وكيع (١)، فوافقناه بعلو.
وأما رواية ترك الجهر فقرأت على فاطمة بنت المنجى عن أبي الفضل بن أبي طاهر أخبرنا عمر بن كرم في كتابه أخبرنا أبو الوقت أخبرنا محمد بن عبد العزيز الفارسي أخبرنا أبو محمد بن أبي شريح أخبرنا أبو القاسم البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا شعبة وشيبان قالا: حدثنا قتادة عن أنس قال: صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢).
أخرجه الدارقطني عن أبي القاسم البغوي (٣)، فوافقناه بعلو. وأخرجه ابن حبان عن أحمد بن الحسن الصوفي وغيره عن علي بن الجعد (٤).
فوقع لنا بدلا عاليا. وجاء ذلك من غير رواية قتادة عن أنس.
وبالسند الماضى إلى الطبراني في الأوسط حدثنا عبد اللَّه بن محمد [بن سعيد] بن أبي مريم وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدثنا الغريابي حدثنا سفيان هو الثوري حدثنا خالد هو الحذاء عن أبي نعامة عن أنس رضي اللَّه
_________________
(١) بل رواه (٣/ ٢٧٨) عن أبي داود، ورواه (٣/ ١٧٩ و٢٧٥) عن وكيع به.
(٢) رواه البغوي في مسند علي بن الجعد (٩٥٣).
(٣) رواه الدارقطني (١/ ٣١٤ - ٣١٥).
(٤) رواه ابن حبان (١٧٩٠).
[ ١ / ٢٩٥ ]
عنه قال: كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر لا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أخرجه أحمد من رواية الثوري (١)، وهكذا أخرجه ابن حبان من روايته (٢)، لكن وقع عنده عن أبي قلابة بدل أبي نعامة وهو خطأ نبه عليه علي بن المديني وقال: إن يحيى بن آدم وهم فيه على الثوري انتهى.
ومن طريق يحيى بن آدم أخرجه ابن حبان. وأبو نعامة بفتح النون وتخفيف المهملة اسمه قيس بن عباية بفتح المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف آخر الحروف وهو بصري ثقة واللَّه أعلم.
آخر المجلس الثالث والعشرين بعد المائتين وهو الثالث والسبعون من تخريج أحاديث المختصر.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٢١٦).
(٢) رواه ابن حبان (١٧٩٣).
[ ١ / ٢٩٦ ]