قال المملي ﵁: قوله (مسألة فعله -ﷺ-) إلى أن قال (أو تخصيصه كالضحى والوتر والتهجد).
قلت: وردت في ذلك أحاديث متعارضة.
منها ما أخبرني الشيخ أبو إسحاق التنوخي أنا أبو محمد بن أبي الثابت أنا إسماعيل بن أحمد عن شهدة أنا طراد أنا علي بن عبد اللَّه بن إبراهيم ثنا محمد بن عمرو ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو بدر ثنا أبو جناب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: "ثَلَاث هُنَّ عَلَيَّ فَرائِضُ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الوِتْرُ وَالأَضْحَى وصَلَاةُ الضُّحَى".
هذا حديث غريب، أخرجه أحمد عن شجاع بن الوليد وهو أبو بدر المذكور في روايتنا (١).
فوقع لنا موافقة عالية، وأخرجه ابن عدي والدارقطني والحاكم من طرق عن أبي بدر. (٢).
أورده ابن عدي في منكرات أبي جناب، وأورده الحاكم شاهدا لحديث علي "ليس الوتر بحتم" ولم يتكلم عليه.
وأبو جَنَاب بفتح الجيم والنون الخفيفة وآخرى موحدة اسمه يحيى بن أبي حية بمهملة وتحتانية، واسم أبي حية حي، كلبي كوفي ضعيف الحديث لكثرة تدليسه. قال يحيى القطان: لا أستحل الرواية عنه. وقال أحمد: كثير
_________________
(١) رواه أحمد (٢٠٥٠).
(٢) رواه ابن عدي (٧/ ٢٦٧٠) والدارقطني (٢/ ١٢) والحاكم (١/ ٣٠٠) والبيهقي (٢/ ٤٦٨).
[ ١ / ٥٥ ]
المناكير. وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه. وقال يحيى بن معين: صدوق لكنه كثير التدليس. وذكره ابن حبان في الثقات (١)، وذكره أيضًا في الضعفاء فقال: كان يدلس عن الثقات ما سمعه من الضعفاء فالتزقت به تلك المناكير (٢).
قلت: وللحديث طريق أخرى.
أخبرني محمد بن إبراهيم الدمشقي أنا أحمد بن نعمة عن محمد بن مسعود أنا أبو الوقت أنا عبد الرحمن بن محمد أنا عبد اللَّه بن أحمد أنا أبو محمد الشاشي أنا أبو محمد الكشي أنا أبو نعيم ثنا الحسن بن صالح (ح).
وأخبرني عاليا إبراهيم بن أحمد البعلي وأبو هريرة ابن الذهبي قراءة على الأول وإجازة من الثاني قالا أنا محمد بن أبي بكر الصفار قال الأول إجازة والثاني سماعًا قال قرئ على صفية بنت عبد الوهاب وأنا أسمع عن محمود بن عبد الكريم أنا أبو بكر بن ماجة أنا أبو جعفر المرزبان أنا أبو جعفر الجَزَوَّري أنا أبو جعفر المصيصي ثنا شريك كلاهما عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "كُتِبَ عَلَيَّ الأَضْحَى وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُم، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا" (٣).
وهذا أيضًا ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.
ويدل على عدم وجوبها عليه ما اتفق عليه الشيخان من حديث عائشة ﵂ قال: مما سبح رسول اللَّه -ﷺ- سبحة الضحى (٤).
_________________
(١) الثقات (٧/ ٥٩٧).
(٢) كتاب المجروحين (٣/ ١١١).
(٣) رواه عبد بن حميد في المنتخب من المسند (٥٨٦) هكذا، ورواه أيضًا أحمد (٢٠٦٥ و٢٠٨١ و٢٩١٨ و٢٩١٩ و٢٩٢٠) والبزار (٢٤٣٤) والطبراني في الكبير (١١٨٠٢ و١١٨٠٣).
(٤) رواه البخاري (١١٢٨ و١١٧٧) ومسلم (٧١٨).
[ ١ / ٥٦ ]
ولمسلم عن عبد اللَّه بن شقيق قال "قلت لعائشة ﵂: أكان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه" (١).
وله عن معاذة عن عائشة قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء اللَّه (٢).
فيجمع بين الأول والثالث بما دل عليه الثاني، وذلك كاف فى الدلالة على عدم المواظبة.
وروى الترمذي عن أبي سعيد قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها (٣).
وجاء في الوتر أيضًا: ما أخبرني عبد اللَّه بن عمر بن علي عن زينب بنت الكمال أن يوسف بن خليل أخبرهم في كتابه أنا خليل بن بدر أنا الحسن بن أحمد أنا أحمد بن عبد اللَّه ثنا الطبراني ثنا بكر بن سهل ثنا عبد الغني بن سعيد الثقفي ثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ثَلَاثُ هُنَّ عَلَيَّ فَرائِضُ: الوِتْرُ وَالسِّوَاكُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ" (٤).
وبه إلى الطبراني قال: لم يروه عن هشام إلا موسى، تفرد به عبد الغني.
وأخرجه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن بكر بن سهل. (٥).
فوقع لنا عاليا على طريقه، وقال: موسى ضعيف جدًا:
_________________
(١) رواه مسلم (٧١٧).
(٢) رواه مسلم (٧١٩).
(٣) رواه الترمذي (٤٧٧) وأحمد (٣/ ٢١ و٣٦) وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف. ومع ذلك حسنه الترمذي.
(٤) رواه الطبراني في الأوسط (ص ٣١٧ مجمع البحرين) قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٤) وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، وهو كذاب.
(٥) رواه البيهقي (٧/ ٣٩).
[ ١ / ٥٧ ]
قلت: رماه ابن حبان بالوضع، وقال ابن حبان: أحاديثه بواطيل، والراوي عنه ضعيف أيضًا.
قال البيهقي في باب تخصيصه بقيام الليل: لا يثبت في هذا إسناد واللَّه أعلم (١).
آخر المجلس الثاني والستين بعد المائة وهو الثاني عشر من تخريج أحاديث المختصر.
_________________
(١) السنن (٧/ ٣٩) للبيهقي.
[ ١ / ٥٨ ]