قال المملي ﵁:
(قوله وقد اضطرب في الكبائر فروى ابن عمر الشرك باللَّه وقتل النفس وقذف المحصنة والزنا والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين والإلحاد في الحرم، وزاد أبو هريرة أكل الربا، وزاد علي السرقة وشرب الخمر).
أما حديث ابن عمر فقال التاج السبكي في شرح المختصر: روي مرفوعًا وموقوفًا، ولم أجد ما ذكره المصنف مجموعًا في رواية، وتبع في بعض ذلك ابن كثير في تخريجه، وما عنى المصنف إلا الرواية المرفوعة، فإني قرأت بخطه في المختصر الكبير: قد روى ابن عمر عنه -ﷺ-، وقد وقع لنا مجموع ما ذكره المصنف في رواية موقوفة وفي أخرى مرفوعة لكنه تصحفت عليه خصلة كما سأبينه.
قرأت على أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد اللَّه بمصر أن جده أخبرهم عن مكي بن علان القيسي وإسماعيل بن أحمد العراقي قالا: أخبرنا الحافظ أبو طاهر السلفي في كتابه أخبرنا أبو غالب الباقلاني أخبرنا أبو العلاء الواسطي أخبرنا أبو نصر النيازكي أخبرنا أبو الخير العبقسي حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري في كتابه الأدب المفرد حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا زياد بن مخراق حدثني طيسلة بن مياس قال: كنت مع النجدات فأصبت ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فأتيت ابن عمر فذكرت ذلك له، فقال: ما هو؟ قلت: كذا وكذا، قال: ليس من الكبائر، قال: إنما هي تسع الإشراك باللَّه وقتل نسمة يعني بغير حق، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والذي يستسحر، والإلحاد في المسجد يعني الحرام، وبكاء الوالدين من
[ ١ / ٣٤٣ ]
العقوق، قال ابن عمر: أتفر من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي واللَّه، قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي، قال: فواللَّه لئن ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر (١).
هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث طيسلة، وهو بفتح الطاء المهملة وسكون التحتانية وفتح السين المهملة وتخفيف اللام، ووهم من قدم اللام على السين، وأبوه مياس بفتح الميم وتشديد التحتانية وآخره مهملة، قال الحافظ أبو بكر البرديجي: هو لقب واسمه علي، وجعله المزي ترجمتين وفرق بين طيسلة بن علي وطيسلة بن مياس، والذي يترجح أنه واحد وهو مقتضى صنيع البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهم، ويؤيده أن أيوب بن عتبة روى الحديث المذكور قبل عن طيسلة بن علي قال: أتيت ابن عمر وهو بعرفة في ظل الأراك فذكر قصة وفيها قال ابن عمر: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "الكَبَائِرُ تِسْعٌ" فَذَكر مثل السياق الماضى في الموقوف، لكن بتقديم وتأخير، والموقوف أصح إسنادًا، فإن زياد بن مخراق متفق على توثيقه بخلاف أيوب بن عتبة، فإنه موصوف بسوء الحفظ، وقد اختلف عليه في عدة الخصال، فرواه البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد عن أيوب بن عتبة كما ذكرنا (٢). ورواه حسين بن محمد عن أيوب بن عتبة فأسقط خصلتين.
أخبرني الشيخ أبو إسحاق التنوخي أخبرنا أحمد بن علي العابد أخبرنا إبراهيم بن خليل أخبرنا إسماعيل بن علي أخبرنا أبو الحسن بن المسلم الفقيه وأبو الحسن بن قبيس قالا: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد أخبرنا جدي أبو بكر حدثنا محمد بن جعفر بن سهل حدثنا
_________________
(١) رواه البخاري في الأدب المفرد (٨).
(٢) رواه البغوي في مسند علي بن الجعد (٣٤٢٦) ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٦٩ - ٧٠) والبيهقي (٣/ ٤٠٩) ورواه ابن جرير (٩١٨٨) بإسناد آخر عن أيوب به.
[ ١ / ٣٤٤ ]
عباس بن محمد الدوري حدثنا حسين بن محمد حدثنا أيوب بن عتبة عن طيسلة بن مياس قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الإشْرَاكُ بِاللَّهِ وَقَذْف المُحصَنَةِ" قلت: أقبل الدم؟ قال: نعم ورغما "وَقتلُ النَّفسِ وَالفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ وَأكْلُ الرِّبا وَأَكْلُ مَالِ اليتَيم وَعُقُوقُ الوَالدِيْنِ".
وهكذا أخرجه الخطيب في الكفاية من طريق الأصم عن عباس الدوري (١). وخالفه حسن بن موسى عن أيوب بن عتبة، فذكر الزنا بدل خصلة من السبع.
أخرجه البرديجي من طريق محمد بن إسحاق الصغاني عن الحسن.
وقد وجدت للحديث طريقًا أخرى أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد الجريري أن رجلًا جاء إلى ابن عمر فقال: كنت مع النجدات فذكر الحديث وعد الخصال كما في رواية الحسين بن محمد، لكن ذكر بدل الفرار من الزحف اليمين الفاجرة (٢).
ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، لكن الجريري لم يلق ابن عمر، فإن كان حمله عن ثقة فهي متابعة قوية لرواية طيسلة، وإذا جمعت الخصال المذكورة في هذه الطرق زادت خصلتين على التسع وهما الزنا واليمين الفاجرة، وأقوى طرقه رواية زياد بن مخراق الأولى، وقد ذكر البرديجي أن يحيى بن أبي كثير تابعه عن طيسلة فرواه موقوفًا، وقد أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده وتفسيره معًا عن إسماعيل بن إبراهيم على الموافقة، وأخرجه إسماعيل القاضي في كتاب أحكام القرآن عن علي بن المديني والطبري في التفسير عن يعقوب الدوري كلاهما عن إسماعيل (٣)، فوقع لنا بدلًا عاليًا.
_________________
(١) رواه الخطيب في الكفاية (ص ١٠٥).
(٢) رواه عبد الرزاق (١٩٧٠٥).
(٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٩١٨٧).
[ ١ / ٣٤٥ ]
والنيازكي في الرواية الأولى بكسر النون وتخفيف التحتاتية وبعد الألف زاي مفتوحة ثم كاف نسبة إلى النيازك، وهي جمع نيزك وهو الرمح الصغير، فَنِيزٌ هو الرمح والكاف علامة التصغير بالفارسية، والنجدات نسبة إلى نجدة بن عامر اليمامي أحد رؤوس الخوارج واللَّه أعلم.
آخر المجلس الخامس والثلاثين بعد المائتين وهو الخامس والثمانون من تخريج أحاديث المختصر.
[ ١ / ٣٤٦ ]