قال المملي ﵁:
وأما الحديث الثاني فلا أعرف له إسنادًا ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ذكره في مادة ح م ر، ولم يذكر من خرجه (١)، ورأيته أيضا في كتاب الفردوس لكن بغير لفظه، ذكره من حديث أنس بغير إسناد أيضا ولفظه: "خُذُوا ثُلُثَ دِينكُمْ مِنْ بَيْتِ الحُمَيْراءِ" وبيض له صاحب مسند الفردوس فلم يخرج له إسنادًا، وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير أنه سأل الحافظين المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه (٢).
(قوله مسألة يجوز أن يجمع عن قياس -إلى أن قال- والظاهر الوقوع كإمامة أبي بكر).
يريد أن الصحابة أجمعوا على خلافة أبي بكر وهي الإِمامة العظمى، ومستندهم القياس على الإِمامة الصغرى، وهي الصلاة بالناس لتعيين النبي -ﷺ- أبا بكر لذلك، وقد ورد تعيينه لذلك في عدة أحاديث.
منها ما أخبرني الشيخ أبو إسحاق البعلي عن عيسى بن عبد الرحمن السمسار أخبرنا جعفر بن على أخبرنا أبو طاهر السلفي أخبرنا أبو طالب البصري حدثنا أبو القاسم بن بشران أخبرنا أبو سهل بن زياد حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء حدثني عمرو بن الحارث حدثني عبد اللَّه بن سالم حدثني محمد بن الوليد الزبيدي حدثني محمد بن مسلم الزهري أن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر أخبره أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: لما اشتد برسول اللَّه -ﷺ- وجعه قال:
_________________
(١) النهاية (١/ ٤٣٨) لابن الأثير.
(٢) انظر المعتبر (ص ٨٥ - ٨٦) بتحقيقنا.
[ ١ / ١٤٩ ]
"مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاس" فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك عينيه حين يقرأَ القرآنَ، فمر عمر يصلي بالناس، فقال: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُروُا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري من طريق يونس بن يزيد عن الزهري وقال: تابعه الزبيدى (١). وأصله في الصحيحين مطولا ومختصرا من حديث عائشة (٢) وابن عباس وأبي موسى الأشعري (٣) وغيرهم.
وجاء أن غير أبا بكر صلى بالناس فأنكر النبي -ﷺ- ذلك (٤). قرأت على فاطمة بنت المنجي عن سليمان بن حمزة أخبرنا الضياء محمد بن عبد الواحد الحافظ أخبرنا أبو جعفر الصيدلاني قال قرئ [على] فاطمة الجوزذانية وأنا أسمع أن محمد بن عبد اللَّه التاجر أخبرهم أخبرنا أبو القاسم الطبراني حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا أبو جعفر النفيلى حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد اللَّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب ﵁ قال: لما استعر برسول اللَّه -ﷺ- وأنا عنده في نفر من المسسلمين دعا بلال إلى الصلاة فقال النبي -ﷺ-: "مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاس" قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، فقلت: يا عمر صل بالناس، وكان أبو بكر غائبًا، فتقدم فكبر، وكان رجلا جهيرا، فسمع النبي -ﷺ- صوته فقال: "وَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالمُسْلمِوُنَ" فبعث إلى أبي بكر، فجاء وقد صلى عمر بالناس تلك الصلاة، قال فقال لي عمر: ويحك يا ابن زمعة ماذا صنعت بي؟ واللَّه ما ظننت حين أمرتني أن أصلى بالناس إلا أن رسول
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٢).
(٢) رواه البخاري (١٩٨ و٦٦٤ و٦٦٥ و٦٧٩ و٦٨٣ و٦٨٧ و٧١٢ و٧١٣ و٧١٦ و٢٥٨٨ و٣٠٩٩ و٣٣٨٤ و٤٤٤٢) ومسلم (٤١٨).
(٣) رواه البخاري (٦٧٨ و٣٣٨٥) ومسلم (٤٢٠).
(٤) انظر حديث عائشة السابق فإنه ورد ضمنه.
[ ١ / ١٥٠ ]
اللَّه -ﷺ- أمرك بذلك، فقلت: واللَّه ما أمرني، ولكن لما لم أر أبا بكر ما رأيت فيمن حضر أحق بذلك منك.
هذا حديث حسن أخرجه أبو داود عن النفيلي (١)، فوقع لنا موافقة عالية.
ويدل على المدعى من القياس ما قرأت على أم الحسن التنوخية عن أبي الربيع بن قدامة أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر أن أبا علي الحداد أخبرهم أخبرنا أبو نعيم حدثنا عبد اللَّه بن جعفر حدثنا محمد بن عاصم حدثنا حسين بن علي الجعفي حدثنا زائدة عن عاصم عن زر عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: لما قبض النبي -ﷺ- قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: ألستم تعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ- أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ باللَّه أن نتقدم أبا بكر.
هذا حديث حسن أخرجه أحمد عن الجعفي، فوقع لنا موافقة عالية. وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم وهناد بن السري كلاهما عن الجعفي (٢)، فوقع لنا بدلا عاليا.
وجاء عن علي ﵁ ما هو أصرح من ذلك.
قرأت على فاطمة بنت محمد الصالحية بها عن محمد بن محمد بن سعد أخبرنا الحسن بن يحيى في كتابه أخبرنا عبد اللَّه بن رفاعة أخبرنا أبو الحسن الخلعي أخبرنا محمد بن الحسن الفراء أخبرنا الدارقطني حدثنا أبو عمر محمد بن يوسف حدثنا سعدان بن نصر حدثنا إسماعيل بن يحيى عن أبي
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٦٠) وانظر المعتبر (ص ٨٦ - ٩٣) بتحقيقنا.
(٢) رواه أحمد (١/ ٣٩٦) والنسائي (٢/ ٧٤ - ٧٥) ورواه أيضًا أحمد (١/ ٢١ و٤٠٥) وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٧٨ - ١٧٩) والفسوي في المعرفة والتاريخ (٤/ ٤٥١) وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٥٣) والحاكم (٣/ ٦٧) والبيهقي في المدخل (٥٦) والاعتقاد (ص ٣٤٨ - ٣٤٩).
[ ١ / ١٥١ ]
سنان عن الضحاك هو ابن مزاحم عن النزال هو ابن سبرة قال: وافقنا من علي طيب نفس فقلنا: حدثنا عن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فذكر الحديث. وفيه فقلنا: حدثنا عن أبي بكر، قال: ذاك رجل سماه اللَّه الصديق على لسان جبريل، خليفة رسول اللَّه -ﷺ- على الصلاة، رضيه لديننا، فرضيناه لدنيانا ﵁ (١).
آخر المجلس السابع والثمانين بعد المائة وهو السابع والثلاثون من تخريج أحاديث المختصر.
_________________
(١) لكن إسماعيل بن يحيى هو الشيباني متهم بالكذب.
[ ١ / ١٥٢ ]