قال المملي ﵁:
فمن ذلك إنكارها على ابن عمر قوله: إن النبي -ﷺ- اعتمر عمرتين وقوله إنه اعتمر أربعًا إحداهن في رجب.
أما الأول فأخبرني الشيخ أبو إسحاق بن كامل أخبرنا إسماعيل بن يوسف بن مكتوم في كتابه أخبرنا عبد اللَّه بن عمر بن علي أخبرنا أبو الوقت أخبرنا أبو الحسن بن داود أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو إسحاق الشافعي حدثنا عبد بن حميد حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق هو السبيعي عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ أنه سئل كم اعتمر النبي -ﷺ-؟ فقال: اعتمر مرتين، فقالت عائشة ﵂: لقد علم أن النبي -ﷺ- اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة الوداع.
هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي عن زهير بن معاوية. وأخرجه النسائي عن أبي داود الحراني عن الحسن بن محمد بن أعين عن زهير (١)، فوقع لنا عاليًا، وقد تقدم في المجالس الماضية قريبًا في الكلام على الإفراد والقران إنكار عائشة على البراء بن عازب نحو هذا الذي أنكرته على ابن عمر.
وأما الثاني فأخبرني الشيخ أبو الفرج بن الغزي بالسند الماضى إلى أبي نعيم في المستخرج حدثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن شيرويه حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد اللَّه بن عمر جالس في المسجد
_________________
(١) رواه أبو داود (١٩٩٢) والنسائي في المناسك من الكبرى كما في تحفة الأشراف (٦/ ٢٦ - ٢٧).
[ ١ / ٣١١ ]
وإذا الناس يصلون الضحى في المسجد، فسألنا ابن عمر عن صلاتهم فقال: بدعة، فسأله عروة كم اعتمر النبي -ﷺ-، فقال: أربع عمر إحداهن في رجب، يأتي: فكرهنا أن نكذبه أو نرد عليه، فسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال لها عروة: يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر النبي -ﷺ- أربعًا إحداهن في رجب، فقالت: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن [واللَّه] ما اعتمر رسول اللَّه -ﷺ- قط إلَّا وهو معه، وما اعتمر رسول اللَّه -ﷺ- في رجب قط.
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن إسحاق (١)، فوقع لنا موافقة عالية. وأخرجه البخاري عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير (٢). وأخرجه أحمد عن يحيى بن آدم عن مفضل بن مهلهل عن منصورين المعتمر نحوه (٣).
وكأن ابن عمر نسي العدد أولًا فذكرته عائشة، ثم أخبر بعد التذكر بالواقع وزاد الصفة وهي تعيين الشهر، فأنكرته عائشة أيضًا، فبهذا يجمع بين الحديثين واللَّه أعلم.
ومن ذلك إنكارها على ابن عمر روايته الشهر تسع وعشرون.
أخبرني عبد اللَّه بن عمر بن علي أخبرنا أحمد بن أبي بكر بن طي أخبرنا عبد الرحيم بن يوسف أخبرنا أبو علي المكبر أخبرنا هبة اللَّه بن محمد أخبرنا الحسن بن علي أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد اللَّه بن أحمد حدثني أبي حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن قال: بلغ عائشة ﵂ أن ابن عمر يحدث أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "الشَّهْرُ
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٥٥).
(٢) رواه البخاري (٤٢٥٣) ولكن ليس في تلك الرواية صلاة الضحى، وهي المقصودة هنا، وإنما رواه البخاري (١٧٧٥) عن قتية عن جرير به وبه قضية صلاة الضحى والعمرة.
(٣) رواه أحمد (٢/ ١٥٥).
[ ١ / ٣١٢ ]
تِسْعُ وَعِشْروُنَ" فقالت: إنَّما قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إِنَّ الشَّهْرَ يَكوُنُ تِسْعًا وَعِشْرِين" (١).
هذا حديث حسن أخرجه أحمد من وجه آخر عن عائشة وفي إسناده رجل مبهم (٢)، وقد وقع لنا حديث ابن عمر من وجه آخر أصح إسنادًا وأوضح سياقًا وثبت مثل ما روى في الصحيحين عن عمر وعن أنس.
أخبرني أبو عبد اللَّه محمد بن علي البزاعي عن زينب بنت إبراهيم بن إسماعيل بن سالم سماعًا قالت أخبرنا أحمد بن عبد الدائم أخبرنا يحيى بن محمود أخبرنا عبد الواحد بن محمد أخبرنا عبيد اللَّه بن المعتز أخبرنا أبو طاهر بن الفضل أخبرنا جدي أبو بكر بن خزيمة حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر (ح).
وأخبرنا به عاليًا أحمد بن خليل المقدسي وفاطمة وعائشة ابنتا محمد بن قدامة سماعًا عليهما ومكاتبة من الأول قالوا أخبرنا أبو العباس بن الشحنة عن أبي الحسن القطيعي أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس أخبرنا محمد بن إبراهيم الديبلي حدثنا محمد بن أبي الأزهر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْروُنَ لَيْلَةً، فَإِذَا رَأَيْتموُهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتموُهُ فَأفْطِروُا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكمْ فَاقْدرُوا لَهُ ثَلَاثينَ".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر كلهم عن إسماعيل بن جعفر (٣)، فوقع لنا موافقة عالية
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٥٦ و٦/ ٥١) ورواه (٢/ ٣١) عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو به.
(٢) رواه أحمد (٦/ ٢٤٣).
(٣) رواه مسلم (١٠٨٠).
[ ١ / ٣١٣ ]
بدرجة لمسلم في أحد شيوخه، وبدلًا عاليًا بدرجتين بالنسبة لروايتنا الثانية. ودل سياقه على وفق ما قالت عائشة، فلا يتوجه الإنكار إلَّا على ما وقع من الإقتصار واللَّه أعلم.
آخر المجلس السابع والعشرين بعد المائتين وهو السابع والسبعون من تخريج أحاديث المختصر.
[ ١ / ٣١٤ ]