قال المملي ﵁:
(قوله مثل صَلُّوا وَخُذُوا عَنِّي).
يعني حديث "صلُّوا كَمَا رَأَيْتُموُنيِ أُصَلِّي" وحديث "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ".
وقد تقدم تخريجهما.
(قوله بقوله -ﷺ-:"لَا تَجْتَمِعُ أُمتَي عَلَي ضَلَالَةٍ").
قلت: هو حديث مشهور المتن، له أسانيد كثيره من رواية جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة.
فقد أخرجه أحمد من حديث أبي بَصْرَهَ الغفاري، وأبو داود من حديث أبي مالك الأشعري، والترمذي من حديث عبد اللَّه بن عمر، وابن ماجة من حديث أنس، والحاكم من حديث ابن عباس وغيره.
أما حديث أبي بَصْرَةَ فأخبرنا به أبو العباس أحمد بن أبي بكر الفقيه وقريء على فاطمة بنت محمد المقدسية وأنا أسمع بالصاحلية كلاهما عن محمد بن عبد الحميد المصري قال أخبرنا إسماعيل بن عبد القوي قال قريء على فاطمة بنت سعد الخير وأنا أسمع قالت أخبرتنا فاطمة بنت عبد اللَّه بقراءة أبي عليها بأصبهان قالت أخبرنا محمد بن عبد اللَّه التاجر أخبرنا الطبراني في المعجم الكبير حدثنا مطلب بن شعبيب حدثنا عبد اللَّه بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن أبي هاني الخولاني عمن أخبره عن أبي بصرة
الغفاري ﵁ قال قال رسول اللَّه -ﷺ-: "سَأَلْتُ رَبِّي أَرْبَعًا، فَأَعْطَاني ثَلَاثًا وَمَنَعَني وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ أَمَّتي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلكَهُمْ بالسِّنِين كَمَا أَهْلَكَ الأُمَمَ الَّذيَنَ مِنْ قَبْلِهمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ
[ ١ / ١٠٥ ]
أنْ لَا يُظْهرَ عَلَيْهمْ عَدُوًا مِنْ غَيْرهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَلْبِسُهم شيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بأَسَ بَعْضِ فَمَنَعنِيهَا".
أخرجه أحمد عن يونس بن محمد وأبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه عن عاصم كلاهما عن الليث (١)، فوقع لنا بدلا عاليا، ورجاله رجال الصحيح إلا التابعي المبهم، وله شاهد مرسل رجاله رجال الصحيح أيضا، أخرجه الطبري في تفسير سورة الأنعام عن يعقوب الدورقي عن ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري فذكره مرسلا (٢).
وأما حديث أبي مالك الأشعري فقرأته على فاطمة المقدسية بهذا الإِسناد إلى الطبراني قال حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثٍ، أَنْ لَا يَدْعُوِ عَلَيْكُمْ نَبيُّكُمْ فَتُهْلَكُوا جَميعًا، وَأَنْ لَا يَظْهَر أَهْلُ البَاطِل عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأنْ لَا تَجْتَمَعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، فَهَؤُلَاءِ أَجَاركُمُ الَّلهِ مِنْهنَّ، وَإِنّ رَبَّكُمْ أَنْذَرَكُمْ ثَلاثًا الدُّخَان يَأْخُذُ المُؤمِنُ مِنْهُ كَالزَّمكَةِ ويَأْخُذُ الكَافِرُ فيَنْتَفحُ، وَالثَّانِيَةُ الدَّابَّةُ، وَالثَّالثَة الدَّجَّالُ" (٣).
أخرجه أبو داود وأبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة له عن محمد بن عوف عن محمد بن إسماعيل بن عياش (٤)، فوقع لنا بدلا عاليا. وسكت عليه أبو داود، لكن قال أبو عبيد الآجرىِ: سألت أبا داود عن محمد بن إسماعيل بن عياش [فقال] لم يكن بذاك، ولعله أشار إلى قول أبي حاتم لم
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ٣٩٦) والطبراني في الكبير (٢١٧١).
(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (١٣٣٧٣).
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٣٤٤٠) وفي مسند الشاميين (١٦٦٣).
(٤) رواه أبو داود (٤٢٥٣) وابن أبي عاصم في السنة (٩٢) إلا أنه قال: عن كعب بن عاصم بدل أبي مالك الأشعري.
[ ١ / ١٠٦ ]
يسمع محمد بن إسماعيل من أبيه. وهذا يشكل على قوله في هذا الإِسناد حدثني أبي، فلعله كان يستجيز إطلاق التحديث في الإِجازة، وقد وقع في سياق أبي داود عن محمد بن عوف أنه قرأ هذا الحديث في أصل إسماعيل بن عياش، وإسماعيل فيه مقال، وتحرير القول فيه أن روايته عن الشاميين قوية، وهذا منها، فإن شيخه حمصي صدوق. وللحديث علة أخرى وهي قول أبي حاتم الرازي: لم يسمع شريح بن عبيد من أبي مالك الأشعري.
واختلف في أبي مالك الأشعري راوي هذا الحديث من هو من الثلاثة المذكورين في الصحابة بهذه الكنية وهم أبو مالك الأشعري راوي حديث المعازف مشهور بكنيته مختلف في اسمه على أقوالٍ، وأبو مالك الأشعري واسمه الحارث بن الحارث مشهور باسمه أكثر من كنيته، وأبو مالك الأشعري واسمه كعب بن عاصم مشهور باسمه دون كنيته حتى قال المزي في ترجمته: لا تعرف له كنية. وتعقب بأن البخاري ومسلما والنسائي وغيرهم كنوه أبا مالك، ولقد أطنب الحاكم أبو أحمد في كتابه الكبير في الكنى في تقرير ذلك، وذكر المزي الحديث الذي سقناه في ترجمة أبي مالك الأشعري المبدأ بذكره، وذكره الطبراني في ترجمة الحارث بن الحارث المثنى بذكره. والذي وضح لي أنه الثالث، لأن ابن أبي عاصم لما أخرج الحديث المذكور عن محمد بن عوف شيخ أبي داود فيه قال في سياق سنده عن كعب بن عاصم الأشعري بدل أبي مالك الأشعري، فهذا يدل على أنه هو، إلا أن يكون ابن أبي عاصم تصرف في تسميته بحسب ظنه، وهو بعيد واللَّه أعلم.
آخر المجلس السادس والسبعين بعد المائة وهو السادس والعشرون من تخريج أحاديث المختصر.
[ ١ / ١٠٧ ]