قال المملي ﵁:
أخبرني أبو العباس أحمد بن عبد القادر البعلبكي أخبرنا أبو العباس أحمد بن علي الهكاري عن المبارك بن محمد أخبرنا أبو الفتح بن شاتيل أخبرنا أبو بكر بن سوسن أخبرنا أبو علي بن شاذان حدثنا محمد بن العباس حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: ذكرت لابن عمر ﵁ أن أنس بن مالك ﵁ قال: أهل رسول اللَّه -ﷺ- بالحج والعمرة جميعا، فقال: وهَل أنس، إنما أهل رسول اللَّه -ﷺ- بالحج وحده وأهللنا معه، فلما قدم مكة قال: "مَنْ لَمْ يكن معه هَدْي فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً" فأحللنا، وكان مع رسول اللَّه -ﷺ- هدي فلم يحل.
هذا حديث صحيح آخرجه أحمد عن يزيد بن هارون (١)، فوافقناه بعلو. وأخرجه البخاري من رواية بشر بن المفضل. ومسلم من رواية هشيم كلاهما عن حميد (٢).
وأخبرني أبو العباس أحمد بن علي الهاشمي أخبرنا أبو العباس الصالحي بالسند الماضى إلى الدارمي حدثنا سعيد بن عامر حدثنا حبيب بن الشهيد عن بكر بن عبد اللَّه المزني عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي -ﷺ- أهل بهما يعني الحج والعمرة، قال: فلقيت ابن عمر قال: إنما أهل بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته فقال: ما تعدوننا إلا صبيانا (٣).
هذا حديث صحيح أخرجه أبو عوانة عن عمار بن رجاء في آخرين
_________________
(١) رواه أحمد (٤٩٩٦).
(٢) رواه البخاري (٤٣٥٣ و٤٣٥٤) ومسلم (١٢٣٢).
(٣) رواه الدارمي (١٩٣١).
[ ١ / ٢٨١ ]
كلهم عن سعيد بن عامر، فوقع لنا بدلا عاليا. وأخرجه مسلم عن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع عن حبيب بن الشهيد (١)، فوقع لنا عاليا بدرجتين.
وقد أشكل إنكار ابن عمر هذا مع ورود التصريح عنه بأن النبي -ﷺ- اعتمر في حجته. ففي الصحيحين من رواية الزهري عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر أن ابن عمر قال: تمتع رسول اللَّه -ﷺ- بالعمرة إلى الحج، وفيه فبدأ رسول اللَّه -ﷺ- فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج الحديث (٢). وكذلك جاء عنه التصريح بالقران.
أخبرني الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد أخبرنا أيوب بن نعمت أخبرنا إسماعيل بن محمد عن محمد بن عبد الخالق أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد أخبرنا أحمد بن الحسين أخبرنا أبو بكر بن محمد بن إسحاق أخبرنا أحمد بن شعيب أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن نافع أن ابن عمر قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافا واحدا، وقال: هكذا فعل رسول اللَّه -ﷺ- (٣).
هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء عن سفيان (٤). وأصله في الصحيح بغير هذا السياق، فلعل إنكار ابن عمر محمول على الجمع في ابتداء الإحرام لأعلى ما انتهى إليه الحال.
ولأنس بن مالك حديث آخر مخرج في الصحيحين من رواية قتادة عنه في عدد ما اعتمر النبي -ﷺ-، وفيه وعمرته التي مع حجته (٥).
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٣٢).
(٢) رواه الجاري (١٦٩١) ومسلم (١٢٢٧) والنسائي (٥/ ١٥١ - ١٥٢).
(٣) رواه النسائي (٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٤) رواه ابن خزيمة (٢٧٤٣).
(٥) رواه البخاري (١٧٧٨ و١٧٧٩ و١٧٨٠ و٣٠٦٦ و٤١٤٨) ومسلم (١٢٥٣).
[ ١ / ٢٨٢ ]
وروى الترمذي وغيره من حديث ابن عباس نحوه (١).
ولأحمد من حديث البراء بن عازب قال: اعتمر النبي -ﷺ- ثلاث عمر فقالت عائشة: لقد علم أنه اعتمر أربعا بالتي مع حجته (٢)، ورجال إسناده ثقات مخرج لهم في الصحيح.
فهذه عائشة وابن عمر وهما ممن روى الإفراد كما يثبتان القران، وكذلك جاء عن جابر [وهو] راوي الإفراد أيضا.
قرأت على فاطمة بنت المنجى عن سليمان بن حمزة وهي آخر من حدث عنه عن محمد [بن] عماد الحراني وهو آخر من حدث عنه أخبرنا أبو القاسم بن أبي شريك في كتابه وهو آخر من حدث عنه أخبرنا أبو الحسين بن النقور وهو آخر من حدث عنه بالسماع حدثنا عيسى بن علي بن الجراح قال: قرئ على أبي بكر بن أبي داود وأنا أسمع حدثنا أحمد بن يحيى حدثنا زيد بن الحباب حدثنا سفيان هو الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ﵁ قال: حج النبي -ﷺ- ثلاث حجج، حجتين قبل هجرته وحجة بعد هجرته قرن معها عمرة.
هذا حديث حسن أخرجه الترمذي عن عبد اللَّه بن أبي زياد عن زيد بن الحباب (٣)، فوقع لنا بدلا عاليا. وقال: رأيت عبد اللَّه بن عبد الرحمن أخرج هذا الحديث في كتبه عن عبد اللَّه بن أبي زياد. وسألت محمدًا يعني البخاري عنه فلم يعرفه. وقال: إنما روى الثوري هذا بإسناد آخر مرسل انتهى.
وكأن المراد بالحجتين قبل الهجرة، ما اطلع عليه جابر وغيره من الأنصار ممن حضر معه بيعة العقبة، وإلا فلا يُظَنُّ به -ﷺ- أنه يتخلف عن الحج في
_________________
(١) رواه الترمذي (٨١٦) وأبو داود (١٩٩٣) وابن ماجه (٣٠٠٣).
(٢) رواه أحمد (٤/ ٢٩٧).
(٣) رواه الترمذي (٨١٤).
[ ١ / ٢٨٣ ]
إقامته بمكة لا بعد البعثة ولا قبلها واللَّه أعلم (١).
آخر المجلس العشرين بعد المائتين وهو السبعون من تخريج أحاديث المختصر.
_________________
(١) بهامش الأصل ما يلي: لقائل أن يقول: إن ما كان قبل البعثة، فهو من أفعال الجاهلية، فإنهم كانوا لا يحجون الحج المشروع الذي شرعه إبراهيم صلوات اللَّه عليه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ والنسيء يحلون أشهر الحج عامًا، ويحرمون أشهر الحج عامًا، وقد صح أن النبي -ﷺ- لم يوافق أهل الجاهلية قبل البعثة، وبعد البعثة فهو أشد، وكذا ما نقل أنه بعد البعثة حج، ولو كان لنقل مع من كان معه من المسلمين، مع أن داعي النقل في ذلك أشد، خصوصًا عند فرض الحج بالمدينة، وبعد الفتح من المهاجرين من مثل أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم. فقول المخرج: (فلا يظن به إلى آخره) فيه نظر، لأن النبي -ﷺ- كان يحب مخالفة المشركين، بدليل أنهم كانوا يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويجعلونها حرامًا، فخالفهم النبي -ﷺ- في حجة الوداع، وأمر أصحابه أن يعتمروا، فكأنهم ظنوا أنه لم يكن ذكر منه إلا استحبابًا، حتى غضب ودخل على عائشة، وذكر ذلك لها، وكانت الجاهلية تقول: إذا أدبر الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، حتى قال النبي -ﷺ-: "إن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق اللَّه السماوات".
[ ١ / ٢٨٤ ]