١٩٠ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي "سُنَنِهِ":
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَة، فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ ألزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفَظُهُمْ أَرْضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِير". (^٣٠٢)
_________________
(١) غافر: ٦٠.
(٢) البقرة: ١٨٦.
(٣) "منكر" وسبق في ذكر ما ورد في الغوطة ودمشق وجامعها برقم (٩٩).
(٤) "إسناده ضعيف وهو حسن بشواهده" "سنن أبي داود" (٢٤٧٤)، وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢٢٩٣)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٢٠٧٩٠)، ونعيم بن حماد في "الفتن" (١٣٥٩)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، والطبراني في "الأوسط" (٧/ ٤١)، وفى "مسند الشاميين" (٤/ ٧٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٨٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٦٦)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٩٧٠)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٣٣٠)، وابن =
[ ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ١٦٠)، وذكره شهاب الدين المقدسي في "مثير الغرام" (ق ٤٢ أ)، كلهم من طريق شهر بن حوشب، عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا. قلت: وإسناده ضعيف؛ وآفته شهر بن حوشب، وقد ضعفه جماهير النقاد، وهو أحسن حالًا إن كان الراوي عنه عبد الحميد بن بهرام، والحديث ليس من روايته، قال البيهقي عقبه: تفرد به شهر بن حوشب، وروي من وجه آخر عن عبد اللَّه بن عمرو -﵁- موقوفًا عليه في قصة أخرى بهذا اللفظ. واختلف على قتادة: رواه عنه سعيد بن أبي عروبة عنه، قال: وذكر لنا أن نبي اللَّه -ﷺ- كان يقول. . . فذكره بنحوه. أخرجه الطبري في تفسير آية (٢٦) من سورة العنكبوت، وهذا منقطع، ويدل على أن الحديث غير محفوظ على الرفع. وله شاهد أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤/ ٥٥٦) من طريق موسى بن عُلَي بن رباح، قال: سمعت أبي، يقول: خرجت حاجًّا، فقال لي سليمان بن عنز قاضي أهل مصر: أبلغ أبا هريرة مني السلام، وأعلمه أني قد استغفرت الغداة له ولأمه. فلقيته فأبلغته، قال: وأنا قد استغفرت له. ثم قال: كيف تركتم أم حنو -يعني مصر-؟ قال: فذكرت له من رفاهيتها وعيشها، قال: أما إنها أول الأرض خرابًا، ثم أرمينية. قلت: سمعتَ ذلك من رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: لا، ولكن حدثني عبد اللَّه ابن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إنها تكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس اللَّه، فتحشرهم النار مع القردة والخنازير". قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: أَنَّى له الصحة؛ وفيه عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، وفي حفظه مقال، وموسى بن عُلَي، قال فيه الحافظ: صدوق ربما أخطأ. وسليمان بن عنز ذكره وكيع في "أخبار القضاة" (٣/ ٢٢١)، وقال: أدرك عمر بن الخطاب، وسمع خطبته بالجابية، قال: وجعل إليه القصص والقضاء جميعًا. والإسناد يصلح في باب الشواهد. ولأغلب فقرات الحديث شواهد: فقوله: "لتكونن هجرة بعد هجرة. . . " لها شواهد عدة مخرجة تحت باب (الشام أرض المحشر). وأما حشر النار فقد ورد في جملة من الروايات، كحديث ابن عمر مرفوعًا: "تخرج نار من حضرموت، أو بحضرموت، فتسوق الناس". قلنا: يا رسول اللَّه، ما تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام". أخرجه أحمد (٢/ ٨)، والترمذي (٢٢١٧)، وغيرهما، وهو صحيح، وانظر "صحيح البخاري" (٦٥٢٢)، من حديث أبي هريرة. وأما قوله: "وتقذرهم نفس اللَّه"، ففي النفس منها شيء، ولفظ: "تقذرهم" غريب ومستنكر، وانظر =
[ ٢١٨ ]
١٩١ - قَالَ المعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا فِي "الجَلِيسِ الصَّالِحِ":
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو سَعيدٍ الخُوَارَزْمِيُّ، ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّويلُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الجِرْجَائِيُّ، ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ صَالِحٍ الأَحْمَرُ، عَنْ عُثْمَانَ ابنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن مُعَانَقَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ إِذَا لَقِيَهُ؟ قَالَ: "كَانَ تَحِيةَ الأُمَمِ وخَالِصَ وُدِّهِم العِنَاقُ، وإِن أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيم -ﷺ- فإِنَّهُ خَرَجَ يَرْتَادُ لِمَاشِيَتِهِ بجَبَلٍ مِنْ جِبَالِ بَيْتِ المقْدِسِ، إِذْ سَمعَ صَوْتَ مُقَدِّسٍ يُقَدِّسُ اللَّه ﷿ فَذَهِلَ (^٣٠٣) عَمَّا كَانَ يَطْلُبُ، فَقَصَدَ ذَلِكَ الصَّوتَ، فَإِذَا هُوَ بِشَيْخٍ طُولُهُ ثَمَانِيةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: يَا شَيْخُ، مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: مَنْ فِي السَّمَاءِ. قَالَ: فَمَنْ رَبُّ مَنْ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: الذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَلَهَا رَبٌّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: مَا لَهَا رَبٌّ غَيْرُهُ، وهُو رَبُّ مَنْ فِيهَا، وَرَبُّ مَنْ تَحْتَهَا، وَمَنْ فَوْقَهَا، لَا إِلَهَ إِلَا اللَّه وَحْدَهُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَيْنَ قِبْلَتَكَ؟ فَأَوْمَأ إِلَى الكَعْبَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ طَعَامِهِ، قَالَ: أَجْمَعُ مِن هَذَا التَّمْرِ فِي الصَّيْفِ فَآكُلُهُ فِي الشِّتَاءِ. فَقَالَ: مَا بَقِيَ مَعَكَ مِنْ قَوْمِكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ مِنْ قَوْمِي غَيْرِي. قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇: أَيْنَ مَنْزِلَكَ؟ قَالَ: فِي تِلْكَ المغَارَةِ. قَالَ: أَفَتُرِينَا بَيْتَكَ. قَالَ: بَيْنِي وبَيْنَهُ وَادٍ لَا يُخَاض. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَيْفَ تَعْبُرُهُ؟ قَالَ: أَمْشِي عَلَيْهِ ذَاهِبًا، وَأمْشِي عَلَيهِ جَائِيًا. فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: فَانْطَلِق بِنَا لَعَلَّ الذِي ذَلَّلَهُ لَكَ أَنْ يُذَلِّلَهُ لِي. قَالَ: فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَيْهِ، فَمَشَيَا عَلَيْهِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَتَعَجَّبُ مِمَّا أوتِيَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا دَخَلَا المغَارَةَ إِذَا قِبْلَتُهُ قِبْلَةَ
_________________
(١) = كلام الخطابي كما نقله عنه البيهقي في "الأسماء والصفات" عقب الحديث، وفيه نظر. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (٣٠٩١): صحيح لغيره.
(٢) الذَّهْل: هو تركك الشيء تناساه على عمد، أو يشغلك عنه شغل، تقول: ذهلت عنه وذهلت وأذهلني كذا وكذا عنه. انظر "لسان العرب": ذهل.
[ ٢١٩ ]
إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أيُّ يَوْمٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى أَشَدُّ؟ قَالَ الشَّيخُ: يَومُ الدِّين، يَومُ يَضَعُ كُرْسِيِّهِ، يَومُ تُؤمَرُ جَهَنَّمُ فَتَزْفَرُ زَفْرَةً فَلَا يَبْقَى نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إلَا تَهُمُّهُ نَفْسُهُ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: يَا شَيْخُ، ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يُؤمِّنِّي وإِيَّاكَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ. فَقَالَ الشَّيْخُ: ومَا تَصْنَعُ بدُعَائِي، إِنْ لِي فِي السَّمَاءِ دَعْوَةً مَحْبُوسَةً مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِين. قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَا أَخْبِرَكَ بِمَا حَبَسَ دَعْوَتَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىِ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَبَسَ دَعْوَاتِهُ لِحُبِّ صَوْتِهِ، ثُمَّ يُجِيبَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا عَجَّلَ لَهُ الحَاجَّةَ، وَألقَى اليَأْسَ فِي صَدْرِهِ لِبُغْضِ صَوْتِهِ، مَا دَعْوَتُكَ يَا شَيْخُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ مَحْبُوسَة؟ قَالَ: مَرَّ بِي هَاهُنَا شَابٌّ فِي رَأْسِهِ ذُؤَابَة مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَمَعَهُ غَنَمٌ كَأنَّهَا حَشَفٌ (^٣٠٤)، وبَقَرٌ كَأنَّهَا حَفِيتْ (^٣٠٥) -قَالَ القَاضِي: هَكَذَا فِي الحَدِيثِ وأحْسَبُهُ حَفَلَتْ أي جُمِعَ اللبَنُ فِي ضُرُوعِهَا وأُخِّر حِلَابُهَا- قُلْتُ: لِمَن هَذِه؟ قَالَ: لِخَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيم. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لَكَ فِي الأَرْضِ خَلِيلٌ فَأَرِنِيهِ قَبْلَ خُرُوجِي مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوتُكَ. فَاعْتَنَقَا، فَيَوْمَئذٍ كَانَ أَصْلُ المعَانَقَةِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ السُّجُودُ هَذَا لِهَذَا، وهَذَا لِهَذَا، ثُمَّ جَاءَ الصِّفَاحُ مَعَ الإِسْلَام، فَلَمْ يَسْجُدُوا، ولَمْ يُعَانِقُوا، وَلَا تَتَفَرَّقُ الأَصَابِعُ حَتَّى يَغْفَرَ اللَّهُ لِكُلِّ مُصَافحٍ". (^٣٠٦)
_________________
(١) حشف: الحثف من التمر ما لم ينو، فإذا يبس صلب وفسد لا طعم له ولا لحاء ولا حلاوة، وقد أحشفت النخلة أي صار تمرها حشفا، وقد أحشف ضرع الناقة إذا تقبض واستشن أي صار كالشن، وحشف ارتفع منه اللبن. انظر "لسان العرب": حشف.
(٢) الحَفا: رقة القدم والخف والحافر، حفي حفا فهو حاف وحف، والاسم الحفوة والحفوة، وقال بعضهم: حاف بين الحفوة والحفوة والحفية والحفاية، وهو الذي لا شيء في رجله من خف ولا نعل، فأما الذي رقت قدماه من كثرة المشي. انظر "لسان العرب": حفا.
(٣) "باطل" "الجليس الصالح" (١/ ١٣٠)، وأخرجه الخطيب في "تاريخه" (٤٦٢٦)، تحت ترجمة سليمان بن الربيع، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٢٢٦)، وصاحب كتاب "العروس" كما قال ابن قدامة في "إثبات =
[ ٢٢٠ ]
١٩٢ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمشْقَ":
أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحُسَينِ بْنِ أبِي الحَدَّادِ، أَجَازَنَا جَدِّي أَبُو عبْدِ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا أَبُو محمدِ بْنُ الأَكْفَانِي، نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الكِتَّانِي، قَالَا: أَنْبَأَ أَبُو الحُسَينِ عَلِيُّ بْنُ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّبْعِيُّ الحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الكِنْدِي الحِمْصِي بِبَعْلَبَكَ، أَنْبَأَنَا أَبُو الخَلِيلِ العَبَّاسُ بْنُ الخَلِيلِ الحَضْرَمِيُّ بِحِمْصَ، نَا أَبُو عَلْقَمَةَ -يَعْنِي- نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ ابنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَخِيهِ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عنِ ابْنِ عَائِذٍ، قَالَ: وَقَالَ الحَارِثُ بْنُ الحَارِثِ: قَالَ مُعَاوِيَةُ ابنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵄: إِنَّ رَبَّكَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: اعْمُرْ مِنَ العَرِيشِ إِلَى الفُرَاتِ، الأَرْضِ المبَارَكَةِ، وكَانَ أوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَاخْتَتَنَ وَهُوَ ابنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. (^٣٠٧)
_________________
(١) = صفة العلو" (١/ ٩٣)، وابن أبي الدنيا في "كتاب الإخوان" (١٢٥) مختصرًا، وابن الجوزي في "العلل" (٤٥)، وابن حبان في "المجروحين" (٤٢٦٠)، كلهم عن عثمان بن عطاء بنحوه. قلت: وإسناده واهٍ؛ وآفته عثمان بن عطاء الخراساني، ومدار الحديث عليه، قال الذهبي: ضعفوه. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال دحيم: لا بأس به، وضعفه ابن معين. وقال الأصبهاني: روى عن أبيه أحاديث منكرة. وقال الذهبي في "كتاب العلو" (١٣٦): حديث باطل طويل. وقال ابن الجوزي في "العلل" (٤٥): هذا حديث لا يصح، وفيه مجاهيل مثل عثمان بن عطاء، وقال: وليس لهذا الحديث رواية من طرق تثبت. وقال ابن حجر في "لسان الميزان" (٤/ ٤٨٦): كثير الألهاني، عن تميم في المعانقة لا يصح حديثه. وأعلَّه الحلبي في "الكشف الحثيث" (٥٤٣)، والعقيلي في "الضعفاء" (١١٤١)، وقال: ليس له رواية من طريق تثبت.
(٢) "ضعيف" "تاريخ دمشق" (١/ ١٤١). قلت: إسناد منقطع؛ معاوية -﵁- لم يرفع القول إلى النبي -ﷺ-، ولا بد فيه من بيان من حدثه بذاك؛ فإنه عن رب العالمين، ثم إن في الإسناد إليه مقال؛ ففيه جماعة لم أقف لهم على ترجمة. أبو محمد بن الأكفاني: هو عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم. . . أبو محمد الأسدي المعروف =
[ ٢٢١ ]
١٩٣ - قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمشْقَ":
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ البَاقِي وَجَمَاعَةٌ، عَنْ أبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ ثَابتٍ، أَنَا أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْهِ، أَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنْدِي بْنِ الحَسَنِ الحَدَّادُ، قَالَا: أَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ العَطَّارُ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَنْ حَدَّثَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أنَّ آجَرَ (^٣٠٨) كَانَتْ جَارِيَةً مِن جُرْهُمٍ فَسُبِيتْ، فَوَقَعَتْ عِنْدَ فِرْعَونٍ بِمِصْرَ -فَمِن ثَمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ- قَالَ: وَكَانَتْ جَارِيةً شَعرَاءَ كَحْلَاءَ جَعْدَةً، مُفَلَّجَةَ الثَّنَايَا حَسْنَاءَ عَرَبِيَةَ اللِسَانِ وَالحَسَبِ، فَأَعْطَاهَا ألفَ شَاةٍ، وَمِئَةَ بَقَرَةٍ بِرِعَاتِهَا، وَأَعْطَاهَا خَمْسِينَ بَعِيرًا، وخَمْسِينَ حِمَارًا، قَالَ: فَجَاءتْ سَارَةٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ فَقَدْ صُنِعَ لَكَ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇: لَمْ يَزَلْ بِي حَفِيًّا. قَالَ: فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ فَنَزَلَ أَرْضَ فِلَسْطِينَ،
_________________
(١) = بابن الأكفاني، قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٠/ ١٤١): سمعت عبد الواحد بن علي الأسدي ذكر ابن الأكفاني، فقال: لم يكن في الحديث شيئًا لا هو، ولا أبوه، وقد سمعت غير عبد الواحد يثني عليه في الحديث ثناءًا حسنًا، ويذكره ذكرًا جميلًا، فاللَّه أعلم. وعبد العزيز بن أحمد الكتاني: أبو محمد دمشقي مكثر متقن. "الإكمال" لابن ماكولا. وأبو الحسين علي بن حسن بن علي الربعي الحافظ، ذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق" من غير ذكر جرح ولا تعديل. وأبو علي الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد الكندي الحمصي: لم أقف على ترجمته. وأبو الخليل العباس بن الخليل، قال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": فيه نظر. ونصر بن علقمة: نصر بن خزيمة بن علقمة وثقه دحيم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد روى عنه جمع، وقال الذهبي: ثقة. وقال ابن حجر: مقبول. ومحفوظ بن علقمة الحضرمي أبو جنادة الحضرمي: صدوق. وابن عائذ: عبد الرحمن ابن عاثذ الأزدي الثمالي، قال ابن حجر: ثقة. والحارث بن الحارث: لم أقف على ترجمته.
(٢) آجر: هي هاجر، ويقال: آجر القبطية، ويقال: الجرهمية أم إسماعيل بن إبراهيم، كانت للجبار الذي وهبها لسارة، فوهبتها سارة لإبراهيم، وقيل: إن الجبار كان يسكن عين الجر. انظر "تاريخ دمشق" (٧٠/ ١٤٤).
[ ٢٢٢ ]
وَنَزَلَ لُوْطٌ سَدُوم (^٣٠٩)، ونَزَلَ هَارَان حَرَّان، وإِنَّمَا سُمِّيتْ حَرَّان؛ لأَنَّ هَارَان نَزَلَهَا، وذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُبَوِّئ اللَّهُ لِإبْرَاهِيمَ البَيْتَ، وَقَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ إِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ، وقَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولًا. (^٣١٠)
١٩٤ - قَالَ الحَاكِمُ فِي "المُسْتَدْرَكِ":
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، ثَنَا الحَسَنُ بْنُ الجَهْمِ، ثَنَا الحُسَينُ بْنُ الفَرَجِ، ثَنَا الوَاقِدِيُّ، قَالَ: وَبَلَغَنَا أَن إِبْرَاهِيمَ لمَّا هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا طَرِيدًا، فَانْطَلَقَ وَمَعَهُ سَارَة، وَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ تَزَوَّجَهَا، فَكَانَ أَوَّلُ وَحْي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ، وَآمَنَ بهِ لُوطٌ فِي رَهْطٍ مَعَهُ مِنْ قَوْمِه ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٣١١) فَأَخْرَجُوهُ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ إِلَى الأَرْضِ المقَدَّسَةِ حَتَّى وَرَدَ حَرَّانَ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا حَتَّى دَفَعُوا إِلى الأُرْدُنِّ وَفِيهَا جَبَّارٌ مِنَ الجَبَّارِينَ حَتَّى قَصَمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ إِنَّ إبْرَاهِيمَ رَجَعَ إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ لُوْطٌ، فَنَبَّأ اللَّهُ لُوْطًا، وَبَعَثَهُ إِلَى المؤتَفِكَاتِ رَسُولًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ، وَهيَ خَمْسَةُ مَدَائِنَ
_________________
(١) سَدُوم: هي مدينة من مدائن قوم لوط، كان قاضيها يقال له: سدوم، اختارها لوط مسكنًا؛ لأن الأرض المحيطة بها كانت أرض سقي مخصبة، وقد اعتقد بعض العلماء أنها تحت مياه البحر الميت، جنوب منطقة اللسان. "الموسوعة الفلسطينية" (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨).
(٢) "ضعيف جدًّا" "تاريخ دمشق" (٧٠/ ١٤٤ - ١٤٥). وفي إسناده عنعنة ابن إسحاق، وجهالة من حدثوه، وفيه أيضًا إسحاق بن بشر، وهو متروك.
(٣) العنكبوت: ٢٦.
[ ٢٢٣ ]
أَعْظَمُهَا سَدُوم، ثُمَّ عَمُود (^٣١٢)، ثُمَّ أَرُوم (^٣١٣)، ثُمَّ صَعُور، ثُمَّ صَابُور، وَكَانَ أَهْلُ هَذِهِ المدَائِنِ أَرْبَعَةَ آلَافِ إِنْسَانٍ، فَنَزَلَ لُوطٌ سَدُومًا، فَلَبِثَ فِيهِم بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يَأْمُرُهُم وَيَنْهَاهُم، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، وتَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفَوَاحِشَ وَالخَبَائِثَ، وَكَانَتِ الضِّيَافةُ مُفْتَرِضَةٌ عَلَى لُوطٍ، كَمَا افْتُرضَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وِإسْمَاعِيلَ، فَكَانَ قَوْمُهُ لَا يُضَيِّفُونَ أَحَدًا، وَكَانُوا يَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ، وَيَدَعُونَ النِّسَاءَ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّه بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ فِي القُرَآنِ، فَقَالَ: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (^٣١٤)﴾. (^٣١٥)
_________________
(١) عمود طبرية: يبدأ وادي عمود من ارتفاع ٨٠٠ م عن سطح البحر قرب قرية طيطبا عند السفوح الجنوبية لجبل ابن زمرة في الجليل الأعلى على بعد ٥.٥ كم شمال غرب مدينة صفد، ويتجه جنوبًا في مرتفعات غرب صفد حيث يصبح ضيقًا وعميقًا، ثم ينقلب مقطعه العرضي مع الاتجاه جنوبًا إلى خانق ذي جوانب صخرية حتى يصل إلى بعد ٣.٥ كم قبل قرية الشونة، ثم ينحرف إلى الجنوب الشرقي مسافة ٤ كم ليعود إلى المرور في خوانق على محور شمالي جنوبي مسافة ٣ كم، ثم يتجه نحو الجنوب الشرقي ليساير ساحل بحيرة طبرية الشمالي الغربي حيث ينتهي في بحيرة طبرية بين تل الهنود وسهل الغوير. وانحدار مجرى الوادي كبير جدًّا حيث ينحدر ١.٠١٢ م على مسافة ٢٣ كم فقط لذا فهو وادٍ جبلي بكل معنى الكلمة. "الموسوعة الفلسطينية" (٣/ ٩٤، ٣٣٨).
(٢) أرُوم: بالفتح ثم الضم وسكون الواو وميم بلفظ جمع أرومة أو مضارع رام يروم فأنا أروم، وهو جبل لبني سليم. انظر "معجم البلدان" (١/ ١٩٤).
(٣) الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦.
(٤) "إسناده ضعيف جدًّا" "المستدرك" (٢/ ٥٦٢). والواقدي متروك، وحدَّث به بلاغًا.
[ ٢٢٤ ]
١٩٥ - قَالَ ابْنُ المرَجَّا فِي "فَضَائِلِ بَيْتِ المقْدِسِ":
أَخْبَرَنَا أَبُو الفَرَجِ، قَالَ: أَنَا عِيسَى، قَالَ: أَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا عُمَرُ بن عَبْدَوَيْهِ الحَضْرَمِي بِمَكَّةَ، قَالَ: أَنَا بشْرَان بْنُ عَبْدِ الملِكِ الموصِلِي، قَالَ: أَنَا عُبَيْدُ بن آدَمَ ابنِ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، قَالَ: أَبَنَا ضَمْرَة بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِي، عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ، قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عليه السَّلا خَرَجَ مِنْ كوثَارِيَّا (^٣١٦) حَتَّى نَزَلَ بِالشَّامِ فِي نَاحِيَةِ فَلَسْطِينَ، فِي الموْضِعِ الَّذِي يُعْرَفُ اليَوْمَ وَادِي السَّبعِ، وَهُوَ شَابٌّ لَا مَالَ لَهُ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى كَثُرَ مَالُهُ وَشَاخَ، فَضَاقَ عَلَى أَهْلِ الموْضِعِ مَوْضِعُهُمْ مِنْ كَثْرَةِ مَالِهِ وَمَواشِيهِ، فَقَالُوا لَهُ: ارْحَلْ عَنَّا؛ فَقَدْ آذَيتَنَا بِمَالِكَ يَا شَيْخُ صَالِح. وَكَانُوا يسَمُّونَهُ الشَّيْخَ الصَّالحَ، فَقَالَ: نَعَمَ. فَلَمَّا هَمَّ بِالرَّحِيلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا جَاءَنَا وَهُوَ فَقِيرٌ، وَقَدْ جَمَعَ عِنْدَنَا هَذَا المالَ كُلَّهُ، فَلَوْ قُلْنَا لَهُ أَعْطِنَا شَطْرَ مَالِكَ وَخذِ الشَّطْرَ الثَّانِي. فَقَالُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ جِئْتكُمْ وَأَنَا شَابٌّ، فَرُدُّوا عَلَيَّ شَبَابِي، وَخُذُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ مَالِي. فَخَصَمَهُمْ وَرَحَلَ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ وُرُودِ الغَنَمِ الماءَ جَاءُوا يَسْقُونَ فَإِذَا الآبَارُ قَدْ جَفَّتْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: الحَقُوا الشَّيْخَ الصَّالحَ، وَاسْألُوهُ الرُّجُوعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ هَلَكْنَا، وَهَلَكَتْ مَوَاشِينَا. فَلَحَقوهُ بِالموْضِعِ الَّذِي ئعْرَفُ بِالمغَارِ، فَقَالَ: غَارَ الماءُ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِالمغَارِ، وَسَأَلُوهُ الرُّجُوعَ، فَقَالَ: لَسْتُ بِرَاجعٍ. وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ سَبْعَ شِيَاهٍ مِنْ غَنَمِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَرَجَعَ الماءُ.
وَرَحَلَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَتَرَكَ اللَجُّوْنَ (^٣١٧) فَأَقَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنِ انْزِلْ
_________________
(١) كوثاريا أو كوثي: بالضم، ثم السكون والثاء مثلثة، وألف مقصورة، وهي في ثلاثة مواضع: بسواد العراق في أرض بابل، وبمكة، وهو منزل بني عبد الدار، والمراد هنا كوثى السواد التي وُلد بها إبراهيم الخليل. انظر "معجم البلدان" (٤/ ٥٥٣).
(٢) اللجون: بفتح أوله، وضم ثانيه وتشديده، وسكون الواو، وآخره نون، وهو بلد بالأردن، وبينه وبين طبرية عشرون ميلًا، وإلى الرملة مدينة فلسطين أربعون ميلًا، وفي اللجون صخرة مدورة في وسط =
[ ٢٢٥ ]
حُبْرَى، وَهُمَا يُرِيدَانِ قَوْمَ لُوطٍ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِيَذْبَحَ العِجْلَ، فَانْفَلَتَ مِنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى دَخَلَ مَغَارَةَ حَبْرُونَ، قَالَ: وَنُودِيَ يَا إِبْرَاهِيمُ: سَلِّمْ عَلَى عِظَامِ أَبِيكَ آدَمَ، وَعَلَى جَمِيعِ النَّبِيْيِّنَ. فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَبَحَ العِجْلَ فَقَدَّمَهُ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ مِنْ شَأنِهِ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ.
ومَضَى مَعَهُمْ إِلَى أَنْ قَرُبَ مِنْ دِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ، فَقَالُوا لَهُ: اقْعُدْ هَاهُنَا. فَقَعَدَ، فَسَمِعَ صَوْتَ الدِّيَكةِ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: هَذَا هُوَ الحَقُّ اليَقِينُ. فَأَيْقَنَ بِهَلَاكِ القَوْمِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الموْضِعُ مَسْجِدُ اليَقِينِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَلَبَ مِنْ عَقْرُون المغَارَةَ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأرْبَعِمِئَةِ دِرْهَمٍ، كُلُّ دِرْهَمٍ مِنْهَا وَزْنُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمٍ، كُلُّ مِئَةٍ مِنْهَا ضَرْبُ مَلِكٍ، فَصَارَتْ مَقْبَرَةً لَهُ، وَلِمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ. (^٣١٨)
١٩٦ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ":
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: انْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ وَلُوطُ قِبَلَ الشَّامِ، فَلَقِيَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ وَهِيَ بنْتُ مَلِكِ حَرَّان، وَقَدْ طَعَنَتْ عَلَى قَومِهَا فِي دِينِهمْ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلَّا يُغَيِّرَهَا. (^٣١٩)
_________________
(١) = المدينة، وعليها قبة، زعموا أنها مسجد إبراهيم ﵇، وتحت الصخرة عين غزيرة الماء، وذكروا أن إبراهيم ﵇ دخل هذه المدينة في وقت مسيره إلى مصر، ومعه غنم له، وكانت المدينة قليلة الماء، فسألوا إبراهيم أن يرتحل عنهم لقلة الماء، فيقال إنه ضرب بعصاه هذه الصخرة فخرج منها ماء كثير فاتسع على أهل المدينة. "معجم البلدان" (٥/ ١٥).
(٢) "من إسرائيليات كعب" "فضائل بيت المقدس" (ص ٤٦٠ - ٤٦٢)، وذكره السيوطى في "إتحاف الأخصا" (٥٠ ب - ٥١ أ)، ومجير الدين في "الأنس الجليل" (١/ ٤٢). وهذا من إسرائيليات كعب.
(٣) "من أحاديث بني إسرائيل" "تفسير الطبري" (١٦/ ٣١٣). قلت: وإسناده فيه مقال أيضًا؛ السدي هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، قال =
[ ٢٢٦ ]
١٩٧ - قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ":
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ لُوط مُهَاجِرًا، وتَزَوَّجَ سَارَةَ ابْنَةَ عَمِّهِ، فَخَرَجَ بِهَا مَعَهُ يَلْتَمِسُ الفِرَارَ بِدِينِهِ، وَالأَمَانَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، حَتَّى نَزَلَ حَرَّانَ فَمَكَثَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُهَاجِرًا حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ
_________________
(١) = الحافظ في "التقريب" (١/ ١٠٨): صدوق يهم ورُمِيَ بالتشيع. وقال الذهبي في "الكاشف" (١/ ٢٤٧): حسن الحديث، قال أبو حاتم: لا يحتج به. وأسباط بن نصر الهمداني: مختلف فيه، قال الحافظ في "التهذيب" (١/ ١٨٥): قال حرب: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنه ضعفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعفه، وقال: أحاديثه عامية سقط مقلوب الأسانيد، وقال النسائي: ليس بالقوي. ولخص الحافظ القول فيه فقال في "التقريب" (١/ ٩٨): صدوق كثير الخطأ يغرب.
[ ٢٢٧ ]
فَنَزَلَ السَّبْع (^٣٢٠) مِنْ أَرْضِ فَلَسْطِينَ، وَهِيَ بَرِّيَّةُ الشَّامِ، وَنَزَلَ لُوطٌ بِالمؤتَفِكَةِ (^٣٢١)، وَهِيَ مِنَ السَّبْع عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ أقْرَب مِنْ ذَلِكَ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبيًّا -ﷺ-. (^٣٢٢)
_________________
(١) السَّبْغُ: السبع بباقي فلسطين حتى الحدود المصرية في منتصف أيار عام ١٩٤٨ تشكلت حامية للدفاع عن المدينة، مؤلفة من أفراد الشرطة المحلية والهجانة، وعدد من المناضلين والشباب المتطوعين من أبناء المدينة من البدو، وتولى قيادتهم عبد اللَّه أبو ستة، وخاضوا معارك باسلة دفاعًا عن المدينة أمام هجمات المنظمات الصهيونية المسلحة، وسقطت المدينة بأيدي الصهاينة في صباح ٢١/ ١٠/ ١٩٤٨ بعد معركة ضارية وغير متكافئة، لقد حاول الصهاينة إبعاد وتشريد البدو من الصحراء الفلسطينية (النقب) من أجل زيادة السكان اليهود، وحرموا البدو من رخص البناء أو الاستقرار في المنطقة، واستمرت هذه السياسة منذ عام ١٩٤٨ حتى الآن ففي عام ١٩٧٧ شكل الحكم العسكري الإسرائيلي منظمة أطلق عليها اسم الدوريات الخضراء، لممارسة أعمالها الوحشية ضد عشائر بئر السبع، وقد انتشر في قضاء بئر السبع المنشآت العسكرية والمستعمرات التي تتزايد يومًا بعد يوم، وتتحول إلى مدن مثل ديمونا، وعراد، وإيلات، ونتيفوت، وأفقيم، ويروحام، وسدي بوكر، وغيرها، ويشكل قضاء بئر السبع نصف مساحة فلسطين، إذ تبلغ مساحته ١٢٥٧٧ دونمًا، وقُدر عدد سكانه في أواخر عهد الانتداب حوالي مئة ألف نسمة أغلبهم من البدو، وفي عام ١٩٤٨ بلغوا حوالي (٩٠٥٠٧) نسمة، ويتألف قضاء بئر السبع من مجموعة قبائل كبيرة، هي: الجبارات، والعزازمة، والترابين، والتياها، والحناجرة، والسعيديين. هاجرت أعداد كبيرة منهم باتجاه غزة بعد نكبة ١٩٤٨ واستقروا فيها، وبقي قسم منهم في بئر السبع.
(٢) المؤتفكة: مدينة انقلبت بأهلها، فلم يسلم منهم إلا مئة نفس، والائتفاك: الانقلاب، وليس بعلم لموضع بعينه إلا أن يكون لمَّا انقلبت المؤتفكة سمي كل منقلب مؤتفكًا. انظر "معجم البلدان" (٥/ ٢٥٤).
(٣) "إسناده ضعيف، وهو من الإسرائيليات" "تفسير الطبري" (١٦/ ٣١٣). وإسناده ضعيف؛ محمد بن حميد الرازي ضعفه البخاري والنسائي والجوزجاني، وأجمع مشايخ من أهل الري على أنه ضعيف جدًّا، واتهمه بالكذب أبو زرعة، ومحمد بن مسلم، وإسحاق بن منصور، ترجمته في "تهذيب الكمال" (٥١٦٧)، و"الجرح والتعديل" (١٢٧٥)، و"ضعفاء العقيلي" (١٦١٢)، و"ميزان الاعتدال" (٧٤٥٣). وسلمة بن الفضل أبو عبد اللَّه الأبرش الرازي الأنصاري، قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٨٤): عنده مناكير. قال ابن أبي حاتم (٤/ ١٦٩): قال يحيى بن معين: سمعت جريرًا يقول: ليس من لدن =
[ ٢٢٨ ]
١٩٨ - قَالَ ابْن عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمشْقَ":
أَنْبَأَنَا أَبُو الفَضَائِلِ الحَسَنُ بْنُ الحُسَينِ بْنِ أحْمَدَ، وَأَبُو تُرَابٍ حَيْدَرَةُ بْنُ أَحْمَدَ ابنِ الحُسَينِ، وَأَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بَرَكَاتٍ، قَالُوا: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقَوَيْه، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَحْمَدُ بْنُ سِنْدِي، قَالَا: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ القَطَّانُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّاجِ، عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ عِكْرَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إن سَارَةَ لمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهَاجَرَ وعَفَتْ عَنْهَا، أَحَبِّ اللَّهُ أنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَرْسَلَ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الأَرْضِ المقَدَّسَةِ، وَلُوطٌ إِلَى المؤتَفِكَاتٍ، وَكَانَتْ قُرَى لُوطٍ أرْبَعَ مَدَائِنَ: سَدُوم، وأمُورَاء، وعَامُورَاء (^٣٢٣)، وصَبُويرَاء، وكَانَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِئَةُ ألفِ مُقَاتِلٍ، فَجَمِيعُهُمْ أَرْبَعُمِئَةِ ألفٍ، وَكَانَتْ أَعْظَمَ مَدَائِنُهُمْ سَدُوم، وَكَانَ لَوطٌ يَسْكُنُهَا، وَهِيَ المؤْتَفِكَاتِ، وَهِيَ مِنْ بِلادِ الشَّامِ، ومِنْ فِلَسْطِين مَسِيرَة يَومٍ ولَيْلَة، وكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ عَمَّ لُوطِ بْنِ هَارَان بْنِ تَارَحَ، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارَحَ، وهُوَ آزَر، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَنْصَحُ قَومَ لَوْطٍ، وكَانَ اللَّه قَدْ أَمْهَلَ قَوْمَ لُوْطٍ فَخَرَقُوا حِجَابَ الإِسْلامِ، وانْتَهَكُوا المَحَارِمَ، وأَتُوا الفَاحِشَةَ الكُبْرَى، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَرْكَبُ عَلَى حِمَارِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوْطٍ فَينْصَحُهُم، فَيَأْبُونَ أَنْ يَقْبَلُوا، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيءُ عَلَى حِمَارِه فَينْظُر إِلَى سَدُوم فَيقُول: يَا سَدُومُ أيُّ يَوْمٍ لَكِ مِنَ اللَّهِ، سَدُوم إِنَّمَا أَنْهَاكُم أَلَّا تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَ الكِتَابُ أَجَلهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فِي نَفَرٍ مِنْ المَلَائِكَة، قَالَ:
_________________
(١) = بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن الفضل. قال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٨٧): يخالف ويخطئ. قال الحافظ في "التقريب" (١/ ٢٤٨): صدوق كثير الخطأ. وابن إسحاق لم يسند ما قاله، والظاهر أنه من المنقول عن بني إسرائيل.
(٢) عاموراء: بالراء كلمة عبرانية، وهي من قرى قوم لوط. انظر "معجم البلدان" (٤/ ٨٠).
[ ٢٢٩ ]
فَهَبَطُوا فِي صُورَةِ الرِّجَالِ حَتَّى انْتَهُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي زَرْعٍ لَهُ يُثِيرُ الأَرْضَ، كُلَّمَا بَلَغَ المَاءُ إِلَى مَسْكَنَةٍ مِنَ الأَرْضِ رَكَزَ مِسْحَاتَهُ فِي الأَرْضِ، فَصَلَّى خَلْفَهَا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَنَظَرَت المَلَائِكَةُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالُوا: لَو كَانَ اللَّهُ ﷿ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ خَلِيلًا لاتَّخَذَ هَذَا العَبْدَ خَلِيلًا، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ قَدْ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا. (^٣٢٤)