٢٠٨ - قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي "سُنَنِهِ":
حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو العَبَّاسِ الأَعْرَجُ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ غَزْوَانَ أَبُو نُوحٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ
_________________
(١) = ابن عبيد اللَّه الأنصاري. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: اختلف فيه على الزهري اختلافًا كثيرًا، ذكره الدارقطني في "العلل" (١٤/ ٢٢ رقم ٣٣٨٩) ورجح طريق الليث وابن عيينة، وهو بالإسناد السابق بإثبات عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن ثعلبة، وقد اختلف الرواة في اسمه وضبطه، وقد ترجم له المزي في "تهذيبه" وقال: روى عنه الزهري، ولم يذكره البخاري في "تاريخه" ولا ابن أبي حاتم في كتابه، وقال الحافظ: شيخ للزهري لا يعرف. ولعله لهذه الجهالة اضطرب الرواة في اسمه كما تقدم، وعلى هذا فالإسناد ضعيف لكن له شواهد يصح بها؛ منها حديث النواس بن سمعان أخرجه مسلم (٢٩٣٧)، وفيه: "فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله". قال الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (٢٢٤٤): صحيح.
(٢) "منقطع" "الفتن" (١١٥٣)، وأخرجه نعيم أيضًا في "الفتن" (١٢٣٩). قلت: وصفوان بن عمرو السكسكي: ثقة، ولكن شيخه مجهول، ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٥٣٧)، ونعيم في "الفتن" (١٢٣٦)، من طريق بقية بن الوليد، عن صفوان، عن بعض المشيخة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وما زال الإسناد فيه علة الانقطاع، وبقية والوليد دلسا فيه.
[ ٢٣٩ ]
أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرِيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَلْتَفِتُ، قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ الرَّاهِبُ، حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: هَذَا سَيِّدُ العَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ العَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ، مِثْلَ التُّفَّاحَةِ. ثُمَّ رَجَعَ فَصَنعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ القَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ، فَيَقْتُلُونَهُ، فَالتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ الرُّومِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جئْنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ، بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا. فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنْ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَبَايَعُوهُ، وَأَقَامُوا مَعَهُ، قَالَ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّهِ، أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ، حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بلَالًا، وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنْ الكَعْكِ وَالزَّيْتِ. (^٣٣٨)
_________________
(١) "ضعيف ولبعضه شواهد" "سنن الترمذي" (٣٦٢٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، والأصبهاني في "دلائل النبوة" (١/ ٤٥)، والطبري في "التاريخ" (١/ ٥١٩)، وابن حبان في "ثقاته" (١/ ٤٢ - ٤٤)، والبزار =
[ ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في "البحر الزخار" (٣٠٩٦)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٥٢)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٢٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣/ ٤)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦٧٢)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن غزوان -المعروف بقراد- به. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي قائلًا: أظنه موضوع فبعضه باطل. قال الألباني في "مشكاة المصابيح" (٥٩١٨): رجاله ثقات، والحديث صحيح. قلت: أبو بكر بن أبي موسى من رجال الجماعة، واحتج به البخاري وثبت سماعه من أبي موسى، ويونس بن أبي إسحاق صدوق، وعنده بعض الأوهام، وأما عبد الرحمن بن غزوان المشهور بقراد فمحل اختلاف بين النقاد، وقد استغرب حديثه هذا جماعة من الأئمة؛ قال الخطيب بعد سياقة الحديث: قال الأصم: سمعت العباس -أي الدوري- يقول: ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد أبي نوح. وسمع هذا أحمد ويحيى بن معي من قراد. قلت: زاد ابن عساكر في رواية الدوري، قال: وقالا: إنما سمعناه من قراد؛ لأنه من الغرائب والأفراد التي تفرد -في المطبوع نقر ولا يستقيم- بروايتها عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه. قلت: وفي الحكاية غرابة شديدة بل ونكارة، فمن ذلك ذكر أبي بكر وبلال، وكذلك سجود الأشجار كيف لم ينقله رفقاء رسول اللَّه -ﷺ-؟! وكذلك لمَّا رجعوا إلى مكة لم يحدثوا بهذا أحدًا، ولم ينقلوه مع خطورته وأهميته إلى غير ذلك؛ لذا قال ابن كثير في "بدايته" (٢/ ٢٨٤): فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة؛ فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر، سنة سبع من الهجرة. ولا يلتفت إلى قول ابن إسحاق في جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة، وعلى كُلِّ تقدير فهو مرسل؛ فإن هذه القصة كانت ولرسول اللَّه -ﷺ- من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النيي -ﷺ- فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة -﵁-، أو كان هذا مشهورًا مذكورًا أخذه من طريق الاستفاضة. الثاني: أن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا. الثالث: أن قوله وبعث معه أبو بكر بلالًا إن كان عمره -ﷺ- إذ ذاك ثنتي عشرة سنة، فقد كان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة، وعمر بلال أقل من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذاك؟ ثم أين كان بلال؟ كلاهما غريب! اللهم إلا أن يقال: إن هذا كان ورسول اللَّه -ﷺ- كبيرًا. إما بأن يكون سفره بعد هذا، أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك ثنتي عشرة سنة غير محفوظ، فإنه إنما ذكر مقيدًا بهذا =
[ ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الواقدي. وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام": وهو حديث منكر جدًّا، وأين كان أبو بكر، كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول اللَّه -ﷺ- بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت، فإنَّ أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد؛ وأيضًا فإذا كان عليه غمامة تظقه كيف يتصوَّر أن يميل فيء الشجرة؛ لأنَّ ظلَّ الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبي -ﷺ- ذكر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ، مع توفر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيّما اشتهار، ولبقي عنده -ﷺ- حسّ من النُّبوَّة؛ ولما أنكر مجيء الوحي إليه، أولًا بغار حراء وأتى خديجة خائفًا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه -ﷺ-. وأيضًا فلو أثَّر هذا الخوف في أبي طالب وردَّه، كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرًا لخديجة؟! وفي الحديث ألفاظ منكرة، تشبه ألفاظ الطُّرقيَّة. وعلى ضوء ما تقدم، فإن القصة بهذا التمام لا تصح، لكن أصل سفره -ﷺ- إلى الشام قد تواتر عند أصحاب السير، ونقلوا فيه روايات عدة، وإن كان جلها مرسل، إلا أنها باجتماعها تؤيد صحة ذلك، وانظر "طبقات ابن سعد" (١/ ٩٦ - ٩٨)، فقد أخرجه هناك عن ابن عباس، وغيره، وأبي مجلز، وداود بن الحصين، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٣/ ٤ وما بعدها)، وأسند البيهقي في "الدلائل" عن ابن إسحاق حكاية عنه بنحو هذا السياق (٢/ ٢٦)، وهي من معضلات ابن إسحاق، وانظر: "سيرة ابن هشام" (١/ ١٨٠)، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"المنتظم" لابن الجوزي (٢/ ٣١٤). قال ابن القيم في "الهدي" (١/ ٧٧):. . . فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام، وقيل: كانت سنه تسع سنين، وفي هذه الخرجة رآه بحيرى الراهب، وأمر عمه ألا يقدم به إلى الشام خوفًا عليه من اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة، ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالًا، وهو من الغلط الواضح؛ فإن بلالًا إذ ذلك لعله لم يكن موجودًا، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر، وذكر البزار في "مسنده" هذا الحديث ولم يقل وأرسل معه بلالًا، ولكن قال: رجل. فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة خرج إلى الشام في تجارة. اهـ. قلت: وخروجه المرة الثانية أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٠٣)، وعنه ابن عساكر في "تاريخه" (٣/ ١٤): عن محمد بن عمر، عن موسى بن شيبة، عن عميرة بنت عبيد اللَّه، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية، قالت: لمَّا بلغ رسول اللَّه -ﷺ- وعشرين سنة قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالًا من قومك في عيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت
[ ٢٤٢ ]