وقيل: المعنى فيه أن الناس إذا ألجمهم العرق لم يلجمهم، وهذا إذا انضم إلى الذي قبله بين ثمرته.
ومنهم من حمل الأعناق والطول على معنى آخر، فقال: هو جمع عنق بمعنى جماعة، فكأنه قيل: بأنهم أكثر الناس أتباعًا؛ لأن من أجاب دعوتهم يكون معهم.
وقيل: معنى العنق العمل، فكأنه قيل: أكثر الناس أعمالًا، وهذا عن ابن الأعرابي.
وقيل: المراد أنهم رؤوس الناس، والعرب تصف السيد بطول العنق.
وشذ بعضهم فكسر الهمزة، وقال: الإعناق بمعنى العنق بفتحتين، وهو ضرب من السير السريع، والمعنى أنهم أسرع الناس سيرًا إلى الجنة.
فهذه ثمانية أقوال جمعتها من متفرقات كلامهم، والعلم عند الله تعالى.
[ ١ / ٣١٠ ]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة» رواه البخاري، والأحاديث في فضله كثيرة.
(٦٥)
﷽
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
ثم حدثنا شيخنا قاضي القضاة، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ -أمتع الله
[ ١ / ٣١٠ ]
به- إملاء من حفظه كعادته في يوم الثلاثاء ثاني شهر رجب الفرد من شهور سنة ثمان وثلاثين وثمانمئة قال وأنا أسمع:
الحديث الرابع:
أخبرني الشيخ أبو عبد الله بن قوام بالسند الماضي قريبًا إلى أبي مصعب، أنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، أن أبا سعيد الخدري قال له: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهد يوم القيامة» قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وإسماعيل بن أبي أويس، وقتيبة بن سعيد، فرقهم كلهم عن مالك.
وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك.
فوقع لنا عاليًا.
(تنبيه) قال الغزالي في «الوسيط» وتبعه الرافعي: أن الخطاب الأول وقع من النبي ﷺ لأبي سعيد. واستنكر ذلك ابن الصلاح في «مشكله»، فقال: لا أصل لذلك في شيء من طرق الحديث، وإنما وقع ذلك من أبي سعيد للتابعي.
[ ١ / ٣١١ ]
وقد رواه الشافعي في «الأم» عن مالك على الصواب.
واعتذر ابن الرفعة عن الغزالي بأنه فهم من قول أبي سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ، أي: جميع ما تقدم، فذكره بالمعنى، والعلم عند الله.
وقد روى الحديث جماعة من الصحابة، وليس في شيء من طرقهم الثابتة ذكر الأمر برفع الصوت، وإنما يؤخذ ذلك بطريق الاستنباط من الحديث المذكور.
أخبرني أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد البزاز، أنا أحمد بن منصور الجوهري، أنا أبو الفرج الحراني، وأبو الحسن السعدي إجازة من الأول إن لم يكن سماعًا، وسماعًا على الثاني، كلاهما عن أبي جعفر بن سلفة، أنا الحسن بن أحمد، أنا أحمد بن عبد الله، أنا عبد الله بن جعفر، أنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة، عن موسى بن أبي عثمان، حدثني أبو يحيى، وأنا أطوف معه -يعني: حول البيت- قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطبٍ ويابسٍ».
هذا حديث حسن أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر.
والبخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» خارج الصحيح.
وأبو داود جميعًا عن حفص بن عمر.
[ ١ / ٣١٢ ]
والنسائي عن إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زريع.
ثلاثتهم عن شعبة.
فوقع لنا بدلًا عاليًا، وبدلًا للأولين، ورجاله رجال الصحيح إلا أبا يحيى، فلم يسم في الرواية ولم ينسب، وقد قيل: إنه الأسلمي، فإن يكن كذلك فهو ثقة، واسمه سمعان، وهو جد إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى المدني شيخ الشافعي.
وأخبرني أبو المعالي عبد الله بن عمر، أنا أحمد بن محمد بن عمر، أنا عبد اللطيف بن عبد المنعم، أنا أبو محمد بن أبي المجد، أنا أبو القاسم الشيباني، أنا أبو علي التميمي، أنا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني عبيد الله بن عمر القواريري، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن قتادة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول والمؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له من سمعه من رطبٍ ويابسٍ، ويكتب له أجر من صلى معه».
هذا حديث حسن، أخرجه أحمد عن علي بن عبد الله.
والنسائي عن إسحاق بن راهويه.
كلاهما عن معاذ بن هشام، وهو مما تفرد به معاذ، ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيه عنعنة قتادة وشيخه.
قوله: (والأحاديث في فضله كثيرة).
قلت: منها ما:
[ ١ / ٣١٣ ]
أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد المرداوي، أخبرني الحافظ أبو الحجاج المزي، وعبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل المرداوي، قال الأول: أنا الفخر علي المقدسي، والثاني: أنا عبد الولي بن جبارة، قالا: أنا عمر بن محمد الحساني، أنا أبو سعد أحمد بن محمد، أنا أبو علي بن وشاح، أنا أبو حفص بن شاهين، ثنا يحيى بن صاعد، أنا سألته، ثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن إبراهيم السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله».
قال ابن شاهين: هذا حديث صحيح غريب، تفرد به ابن عيينة عن مسعر، وما رواه ثقة عنه إلا عبد الجبار.
وروي عن يحيى بن بكير الكرماني عن ابن عيينة، انتهى.
وذكر الدارقطني في «الأفراد» أن الراوي له عن يحيى ضعيف.
قال: وروي عن محمد بن إدريس الشافعي، عن ابن عيينة.
وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق بشر بن موسى عن عبد الجبار بن العلاء.
وقال: صحيح على شرط البخاري.
قلت: كلا، فلم يخرج البخاري لعبد الجبار، ثم هو معلول، وإن كان رجاله رجال الصحيح، فقد رواه عبد الله بن المبارك عن مسعر، عن السكسكي، ثنا أصحابنا، عن أبي الدرداء، فذكره موقوفًا من قوله.
وقد اعترف الحاكم بهذه العلة، لكن قال: إنها لا تؤثر، والله أعلم.
[ ١ / ٣١٤ ]