قال: وفى الباب عن عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب والزبير وطلحة وأبى أيوب وأبى سعيد عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الماء من الماء"
٢٦٥ - أما حديث عثمان:
فرواه البخاري ١/ ٣٩٦ ومسلم ١/ ٢٧٠ وأحمد ١/ ٦٣ و٦٤ وابن خزيمة ١/ ١١٢ وابن حبان ٢/ ٢٤ في صحيحيهما وأبو عوانة في مستخرجه ١/ ٢٨٧ وابن أبى شيبة في مصنفه ١/ ١١٣ والطحاوى في شرح المعانى ١/ ٥٣ والبزار في مسنده ٢/ ١٣ و١٤ والدارقطني في العلل ٣/ ٣١ وابن شاهين في الناسخ ص ٣٨ و٣٩ و٤٠ والحازمي في الاعتبار:
من طريق يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد عن عثمان عن النبي - ﷺ - "الماء من الماء" والسياق للدارقطني وزعم الشارح المباركفورى أنه لم يجده بهذا اللفظ. والأمر كما قال: إلا أنى وجدته عند الدارقطني فإن عامة بقية المصادر لم يخرجوه بهذا اللفظ والحديث صححه من تقدم ذكره ممن خرجه وقال: فيه الدارقطني أيضّا (هو حديث يرويه يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد وأسنده عن عثمان وطلحة والزبير وأبى بن كعب عن النبي - ﷺ - حدث به عن يحيى حسين وشيبان وهو صحيح عنهما). اهـ. وقد اختلف في رفعه ووقفه فرفعه من تقدم ذكره ورواه زيد بن أسلم عن عطاء عن زيد بن خالد ووقفه كما عند ابن شاهين وابن أبى شيبة وهذه في الواقع ليست علة كما تقدم عن الدارقطني إذ أن زيد بن خالد قال: سألت خمسة فأجابوه بما تقدم ولم يتعرض لرفع أو وقف وقد حكم على حديث عثمان بالضعف أبو بكر بن العربى في عارضة الأحوذى حيث قال: (وحديث عثمان ضعيف لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعلم) إلى قوله (ولم يسمعه من يحيى وإنما نقله له قال يحيى بن أبى كثير وكذلك أدخله البخاري عنه بصيغة المقطوع وهذه علة وقد خولف حسين فيه عن يحيى فرواه غيره موقوفًا على عثمان ولم يذكر فيه النبي - ﷺ - وهذه علة ثانية وقد خولف فيه أيضًا أبو سلمة) إلى أن قال: (ولم يرفعه وهذه علة ثالثة وكم من حديث ترك البخاري إدخاله بواحدة من هذه العلل
[ ١ / ٣٥٤ ]
الثلاث فكيف بحديث اجتمعت فيه). اهـ. ولم يصب في كل ما قاله.
أما العلة الأولى: وهى دعواه انفراد الحسين بن ذكوان بالرواية عن يحيى بن أبى كثير فمن فوقه فمردودة بما تقدم من كونه قد تابعه شيبان وشيبان يعتبر في الطبقة الأولى من أصحاب ابن أبى كثير وزد عليهما أيضًا معاوية بن سلام عند ابن شاهين في الناسخ وقد حكى البزار في مسنده أنه رواه عن يحيى عدة من الرواة لذا قال في مسنده ما نصه: "وهذا الحديث لا نعلم يروى عن عثمان إلا بهذا الإسناد وقد رواه غير واحد عن يحيى" إلخ كلامه.
العلة الثانية: في رده إياه لا يراد الحديث بصيغة "قال" وذلك غير سديد فإنه لا عبرة بالصيغ إذا توفر في الراوى ثلاثة أمور كما قال ابن عبد البر: الأمن من التدليس وعدالة الرواة ولقاء بعضهم بعضّا والأمر هنا كذلك فإن حسين المعلم متوفرة فيه هذه الثلاثة الشروط مع أن حسينًا هنا قد صرح بالسماع من يحيى في صحيحى ابن خزيمة وابن حبان وكذا في الناسخ لابن شاهين فانتفى بالقطع ما قاله ابن العربى وكان الأولى أن يجعل هذا القول وإن كان غير صواب أيضًا في شيخه يحيى إذ هو الذى قيل فيه أنه مدلس مع كونه أيضًا صرح بالتحديث في المصادر التى صرح فيها الحسين أيضًا.
وأما قوله (وقد خولف حسين عن يحيى فرواه غيره موقوفًا على عثمان) فليس بصواب أيضًا إذ المعلوم أن الخلاف غير كائن على يحيى بل على عطاء كما تقدم وتقدم توجيه رواية الوقف.
٢٦٦ - وأما حديث على بن أبى طالب:
فورد ذكره في الصحيح أثناء ذكر حديث عثمان وكذا في خارج الصحيح وله رواية أخرى وذلك عند ابن أبى شيبة في المصنف ١/ ١١٢ والطحاوى في شرح المعانى ١/ ٥٨ وفيها اختلاف الصحابة عند عمر وإرساله إلى أزواج النبي - ﷺ - يسألهن عن هذه المسألة وقول على بخلاف ما روى عنه في حديث عثمان إلا أن القصة لا تصح من أجل ابن إسحاق فلم يصرح وقد عنعن إلا أنه تابعه ابن لهيعة وهو أسوأ منه كما تابعه الليث عن شيخه إلا أنه خالف في أصل الحديث حيث جعله من مسند زيد بن ثابت ولم يذكر عليًّا في الحديث.
[ ١ / ٣٥٥ ]
٢٦٧ و٢٦٨ - وأما حديث طلحة والزبير:
فتقدم أنهما ذكرا في حديث عثمان المتقدم إلا أنى لم أسق اللفظ الوارد فيه ذكرهما.
٢٦٩ - وأما حديث أبى أيوب:
فرواه عنه عبد الرحمن بن سعاد وعروة بن الزبير.
* أما رواية عبد الرحمن بن سعاد عنه:
ففي سنن الدارمي ١/ ١٥٩ وعبد الرزاق في مصنفه ١/ ٢٥١ والنسائي في سننه ١/ ٩٦ وابن ماجه ١/ ١٩٩ وأحمد ٥/ ١١٣ و٤١٦ والطحاوى في شرح المعانى ١/ ٥٤ وابن الجعد في مسنده ص ٢٤٩:
من طريق عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن السائب به أن النبي - ﷺ - قال: "الماء من الماء" لفظ الدارمي، وعبد الرحمن بن السائب وعبد الرحمن بن سعاد مجهولان، فالحديث لا يصح.
* وأما رواية عروة بن الزبير عنه:
فعند مسلم ١/ ٢٧١ وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٢٥٠ والطبراني في الكبير ٤/ ١٣١ والحازمي في الاعتبار ص ١١٨:
من طريق حسين المعلم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة به أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: "إذا جامع أحدكم فأكسل فليتوضأ وضوءه للصلاة" واختلف فيه على عروة فرواه عبد الرزاق عن الثورى عن هشام به وهذه الرواية هي في الواقع مثل رواية حسين المعلم عن يحيى وقد حكم الدارقطني على رواية حسين المعلم بالوهم حيث قال في العلل ٣/ ٣٢: (وفى حديث حسين المعلم عن يحيى قال أبو سلمة: وأخبرنى عروة أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله - ﷺ -: وفى هذا الموضع وهم لأن أبا أيوب لم يسمع هذا من رسول الله - ﷺ - وإنما سمعه من أبى بن كعب عن النبي - ﷺ -). اهـ.
وقد تابع حسينًا على هذه الرواية وجعل الحديث من مسند أبى أيوب عبد الرزاق عن الثورى وهو المشهور عن هشام بن عروة إذ رواه عنه عامة أصحابه مثل يحيى بن سعيد القطان وحماد بن زيد وابن جريج والثورى أيضًا من طريق عبد الرزاق جعل الحديث من
[ ١ / ٣٥٦ ]
مسند أبى بن كعب والغلط الواقع في رواية عبد الرزاق الكائنة في المصنف إما منه فإنه متكلم في روايته فيما سمعه من الثورى بمكة بخلاف ما سمعه منه باليمن قال أحمد كما في علل ابن رجب ٢/ ٧٧٠ ما نصه: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًّا روى عن عبيد الله أحاديث مناكير هي من حديث العمرى وأما سماعه باليمن فأحاديث صحاح". اهـ. وذكر لأحمد حديث عبد الرزاق عن الثورى عن قيس عن الحسن بن محمد عن عائشة قالت: (أهدى للنبى - ﷺ - وشيقة لحم وهو محرم فلم يأكله) فجعل أحمد ينكره إنكارًا شديدًا وقال: (هذا سماع مكة). اهـ. فيحتمل أن روايته لحديث أبى أيوب السابق من هذا، مع احتمال آخر وهو أن الغلط ليس من عبد الرزاق بل ممن بعده إما من راوى المصنف وهو الدبرى أو ممن بعده وحجة ذلك أن أحمد بن منصور الرمادى رواه عن عبد الرزاق كما في الناسخ لابن شاهين جاعلًا الحديث من مسند أبى بن كعب إذا بان ما تقدم فليس ما وقع في المصنف صالحًا أن يكون متابعًا لما ذكره الدارقطني من الوهم السابق فسلم حكم الدارقطني السابق من أي نقد وعلم أن الحديث لا يصح من مسند أبى أيوب من أي وجه كان
٢٧٠ - وأما حديث أبى سعيد الخدرى:
فرواه عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن أبى سعيد وأبو صالح السمان وعروة بن عياض.
* أما رواية أبى سلمة عنه:
ففي مسلم ١/ ٢٦٩ وأبى داود ١/ ١٤٨ وأحمد ٣/ ٢٩ وابن شاهين في الناسخ ص ٤١ والطحاوى في شرح المعانى ١/ ٥٤:
من طريق ابن شهاب عنه به ولفظه قال رسول الله - ﷺ -: "إنما الماء من الماء".
* وأما رواية عبد الرحمن بن أبى سعيد عنه:
ففي مسلم ١/ ٢٦٩ وأبى عوانة ١/ ٢٨٥ و٢٨٦ وأحمد ٣/ ٣٦ و٤٧ وأبى يعلى ٢/ ٢٣ و٧٩ وابن شاهين في الناسخ ص ٤١ وابن حبان ٢/ ٢٤٢ وابن خزيمة ١/ ١١٧:
من طريق شريك بن أبى نمر وسعيد بن عبد الرحمن بن أبى سعيد كلاهما عنه به ولفظه قال: "خرجت مع رسول الله - ﷺ -: يوم الإثنين إلى قباء حتى إذا كنا في بنى سالم
[ ١ / ٣٥٧ ]
وقف رسول الله - ﷺ - على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره فقال رسول الله - ﷺ -: "أعجلنا الرجل"، فقال: عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله - ﷺ -: "إنما الماء من الماء" والسياق لمسلم.
* وأما رواية أبى صالح عنه:
فعند مسلم ١/ ٢٧٠ والبخاري ١/ ٢٨٤ وابن ماجه ١/ ١٩٩ وأحمد ٣/ ٢١ و٢٦ و٩٣ وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٧٦ وعبد الرزاق ١/ ٢٥١ وابن أبى شيبة ١/ ١١٢ والطحاوى في شرح المعانى ١/ ٥٤ وابن شاهين في الناسخ ص ٤١ و٤٢:
من طريق شعبة عن الحكم به أن رسول الله - ﷺ - أرسل إلى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر فقال النبي - ﷺ -: "لعلنا أعجلناك" فقال: نعم، فقال رسول الله - ﷺ -: "إذا أعجلت أو أقحطت فعليك الوضوء" والسياق للبخاري.
* وأما رواية عروة بن عياض عنه:
ففي مسند على بن الجعد ص ٢٤٨ والطحاوى في شرح المعانى ١/ ٥٤ والدارقطني في العلل ١١/ ٢٩٠ وعبد الرزاق ١/ ٢٥٢:
من طريق عمرو بن دينار عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أعجل أو قحط فلا غسل عليه" والسياق للدارقطني وقد اختلف فيه على عمرو بن دينار فساقه عنه كما تقدم ابن عيينة خالفه ابن جريج كما عند عبد الرزاق فقال: عن عمرو عن عبد الله بن أبى عياض عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد موقوفًا فكانت المخالفة من ثلاثة أوجه في شيخ عمرو بن دينار وجعل الخبر من مسند زيد ووقفه وذكر الدارقطني رواية ابن جريج في علله كما عند عبد الرزاق إلا أنه جعل شيخ عمرو عبيد الله مصغرًا، خالفهما شعبة فقال: عن عمرو بن دينار عن عبيد الله بن الخيار وقال: زكريا بن إسحاق عن عمرو عن عبيد الله بن عياض.
واختلف في أرجح الروايات السابقة فقال الدارقطني: (والصحيح قول ابن عيينة عن عمرو عن عروة بن عياض وهو ابن عدى بن الخيار بن أخى عبيد الله بن عدى بن الخيار) وخالفه البخاري فقال ما نصه: "والصحيح عبيد الله". اهـ. يشير إلى أن الصواب قول زكريا بن إسحاق والصواب قول الدارقطني فإن أرفع الرواة عن عمرو، ابن عيينة، قال أحمد: كما في شرح علل المصنف لابن رجب ٢/ ٦٨٤: (أعلم الناس بعمرو بن دينار،
[ ١ / ٣٥٨ ]
ابن عيينة ما أعلم أحدًا أعلم به من ابن عيينة قيل له: كان ابن عيينة صغيرًا، قال: وإن كان صغيرًا فقد يكون صغيرًا كيسًا. اهـ. وقال في رواية أخرى: (أثبت الناس في عمرو بن دينار وأحسنهم حديثًا سفيان). اهـ. وقال: مثله أيضًا ابن معين وقدمه على شعبة والثورى وحماد بن زيد كما قدمه ابن المدينى أيضًا على حماد بن زيد وفى مسند عمر ليعقوب بن شيبة قصة ظريفة جرت بين ابن المدينى وبعض ولد حماد بن زيد في تقديم سفيان على حماد ص ٤٠ وقال أبو حاتم: (ابن عيينة أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة). اهـ. مختصرًا فإن علم ما تقدم فكيف يقدم من لم يقل فيه ما سبق على من قيل فيه ما تقدم.
لكن ما حكاه الدارقطني من قول ابن عيينة المتقدم ذكره وهو عند على بن الجعد في مسنده من طريق ابن عباد عن ابن عيينة فقد حكى البخ اري في التاريخ من طريق ابن المدينى عن ابن عيينة أنه قال: بخلاف ذلك إذ ذكر عنه في التاريخ ما نصه: "وقال على حدثنا سفيان قال: عمرو أخبرنى عروة عن عبد الله بن أبى عياض". اهـ.
فبان بهذا أن الرواية التى حكم عليها الدارقطني في العلل بالصحة والتقديم فيها أمران: التدليس والمخالفة ولا مرية أن ابن المدينى في ابن عيينة أوثق بكثير من ابن عباد إذا علم هذا فليعلم أن اختلاف البخاري والدارقطني في الترجيح للروايات المتقدمة لا يقال إنهما اختلفا إلا فيما لو حكيا اتحاد السند عن ابن عيينة أما والخلاف كائن على ابن عيينة فالاحتمال قائم أنه وقع عليه غلط من بعض الرواة عنه أن لم يرو الوجهين وقد تابع ابن عباد في السياق الإسنادى إبراهيم بن بشار فتقوى ما حكاه الدارقطني عن ابن عيينة إلا أن إبراهيم وقف المتن ولم يصوح برفعه خرج ذلك الطحاوى لكن يبقى على البخاري أنه قدم قول زكريا على قول ابن عيينة والأصل عكسه وعلى أي سواء كان عبيد الله الذى رجحه البخاري أو عروة الذى رجحه الدارقطني فكل ثقة وهو تردد بين ثقتين فالسند صحيح والله أعلم.