كتاب الطَّلَاقِ
قَوْلُهُ: رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يَزِيدُوا فِي الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، قُلْت: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ ﵇ لِابْنِ عُمَرَ: "إنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا، فَتُطَلِّقَهَا لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً"، قُلْت: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ" ١ مِنْ حَدِيثِ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ رُزَيْقٍ ٢ أَنَّ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ حَدَّثَهُمْ عَنْ الْحَسَنِ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتْبَعَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ عند القرءَين، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا ابْنَ عُمَرَ مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ، قَدْ أَخْطَأْت السُّنَّةَ، وَالسُّنَّةُ أن تستقبل الطهر، قتطلق لِكُلِّ قُرْءٍ"، فَأَمَرَنِي فَرَاجَعْتهَا، فَقَالَ: إذَا هِيَ طَهُرَتْ فَطَلِّقْ عِنْدَ ذَلِكَ، أَوْ أَمْسِكْ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا أَكَانَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا؟ فَقَالَ: " لَا، كَانَتْ تَبِينُ مِنْك، وَتَكُونُ مَعْصِيَةً"، انْتَهَى. وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ" مِنْ جِهَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَعَلَّهُ بِمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: رَمَاهُ أَحْمَدُ بِالْكَذِبِ، انْتَهَى. قُلْت: لَمْ يُعِلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" إلَّا بِعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَالَ: إنَّهُ أَتَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِزِيَادَاتٍ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، لَا يُقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ، انْتَهَى. قُلْت: قَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ ثَنَا أَبِي ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ رُزَيْقٍ بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَقَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": عَطَاءٌ
_________________
(١) ١ أخرجه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٣٣٦ - ج ٤، وعند الدارقطني: ص ٤٣١ في "النكاح". ٢ شعيب بن رزيق هو الشامي.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ صَالِحًا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ، كَثِيرَ الْوَهْمِ، فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَسَنُ بِسَمَاعِهِ مِنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ صَالِحٍ: الْحَسَنُ سَمِعَ مِنْ ابْن عُمَرَ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَقِيلَ لِأَبِي زُرْعَةَ: الْحَسَنُ لَقِيَ ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَالَ ﵇ لِعُمَرَ: "مُرْ ابْنَك فَلْيُرَاجِعْهَا"، وَكَانَ قَدْ طَلَّقَهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ١ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ، فَتَطْهُرُ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ"، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ حَائِضٌ، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: قَالَ: طَلَّقْت امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ﷿"، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، فَحُسِبَتْ ٢ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّه، كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الطَّلَاقِ - وَفِي التَّفْسِيرِ - وَفِي الْأَحْكَامِ"، والباقون في "الطلاق".
فصل
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَالَ ﵇: " كُلُّ طَلَاقٍ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ"، قُلْت: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَأَعَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي "الْحَجْرِ" بِلَفْظِ: المعتوه، عوض: المجنون، وأخرجه التِّرْمِذِيُّ ٣ عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ"، انْتَهَى. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند البخاري في "أوائل الطلاق" ص ٧٩٠ - ج ٢، وص ٨٠٣ - ج ٢ في "باب مراجعة الحائض" وفي "كتاب الأحكام - باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان" ص ١٠٦٠ - ج ٢، وفي تفسير "سورة الطلاق" ص ٧٢٩ - ج ٢، وعند مسلم "باب تحريم طلاق الحائض" ص ٤٧٦ - ج ١. ٢ وفي "السنن" للبيهقي: ص ٣٢٦ - ج ٧، وفي رواية شعبة عن أنس بن سيرين، قال: فقال عمر ﵁: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم"، واسم امرأة عبد الله بن عمر آمنة بنت غفار، قاله ابن باطيش، انتهى. كذا في "التلخيص الحبير" ص ٣١٦. ٣ عند الترمذي "باب ما جاء في طلاق المعتوه" ص ١٥٤ - ج ١، وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوهًا يفيق الأحيان، فيطلق في حال إفاقته، انتهى.
[ ٣ / ٢٢١ ]
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الصَّبِيِّ، انْتَهَى. وَرُوِيَ أَيْضًا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَابِسِ١ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"٢ فَقَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ: فَذَكَرَهُ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَا يَجُوزُ عَلَى الْغُلَامِ طَلَاقٌ حَتَّى يَحْتَلِمَ، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ: لِأَصْحَابِنَا فِي وُقُوعِهِ حَدِيثٌ، رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي "كِتَابِهِ"٣ أَخْبَرَنَا مَسْعَدَةُ بْنُ سَعْدٍ ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ثَنَا الْغَازِيُّ بْنُ جَبَلَةَ الْجُبْلَانِيُّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ غَزْوَانَ الطَّائِيِّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ نَائِمًا فَقَامَتْ امْرَأَتُهُ، فَأَخَذَتْ سِكِّينًا، فَجَلَسَتْ عَلَى صَدْرِهِ، فَوَضَعَتْ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ، فَقَالَتْ: لَتُطَلِّقَنِّي ثَلَاثًا، أَوْ لَأَذْبَحَنَّكَ، فَنَاشَدَهَا اللَّهَ، فَأَبَتْ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ ذلك، وقال: " لَا قَيْلُولَةَ فِي الطَّلَاقِ"، انْتَهَى. قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ الْغَازِيِّ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ صَفْوَانَ الْأَصَمِّ الطَّائِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ نَائِمًا مَعَ امْرَأَتِهِ، الْحَدِيثُ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ أَحْسَنُ إسْنَادًا مِنْ الْمُسْنَدِ، فَإِنَّهُ سَالِمٌ مِنْ بَقِيَّةَ، وَمِنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، وَفِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَهُوَ يُرْوَى عَنْ شَامِيٍّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْغَازِيِّ بْنِ جَبَلَةَ، وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ، وَلَا يَدْرِي مِمَّنْ الْجِنَايَةُ فِيهِ، أَمِنْهُ أَمْ مِنْ صَفْوَانَ الْأَصَمِّ؟، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ - يَعْنِي الْغَازِيَّ بْنَ جَبَلَةَ - وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ فِي "طَلَاقِ الْمُكْرَهِ"، وَقَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": قَالَ الْبُخَارِيُّ: لِصَفْوَانَ الْأَصَمِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي "طَلَاقِ الْمُكْرَهِ" حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
الْآثَارُ: أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" ٤ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَجَازَ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ،
_________________
(١) ١ عابس بن ربيعة النخعي الكوفي روى عن عمر، وعلي، وحذيفة، وعائشة، وعنه أولاده، وإبراهيم بن يزيد النخعي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: أبو نعيم في الصحابة، كذا في "التهذيب" ص ٣٨ - ج ٥. ٢ في "باب الطلاق في الأغلاق والكره" ص ١٩٤. ٣ أخرجه ابن حزم في "المحلى - في الطلاق" ص ٢٠٣ - ج ١٠، وقال: الغازي بن جبلة مغموز، وفي "اللسان" ص ٤١٢ - ج ٤، قال ابن عدي: ليس له إلا هذا الحديث الواحد، انتهى. ٤ ذكر صاحب "الجوهر النقي في الرد على البيهقي" ص ٣٥٨ - ج ٧، وفي "الاستذكار" كان الشعبي، والنخعي، والزهري، وابن المسيب، وأبو قلابة، وشريح في رواية يرون طلاق المكره جائزًا، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وكذا ذكرهم ابن المنذر في "الأشراف" إلا أنه ذكر بدل شريح قتادة، ودليل هذا =
[ ٣ / ٢٢٢ ]
وَأَخْرَجَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ، وَأَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ قَوْلُ الْحَسَنِ: لَيْسَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ إنَّمَا كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يُكْرِهُونَ الرَّجُلَ عَلَى الْكُفْرِ وَالطَّلَاقِ، فَذَلِكَ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا مَا صَنَعَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمْ فَهُوَ جَائِزٌ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَشُرَيْحٍ.
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ: وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" الشافعي، وَأَحْمَدُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ ١ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ سَمِعْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إغْلَاقٍ"، انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: أَظُنُّهُ الْغَضَبُ - يَعْنِي الْإِغْلَاقَ - قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": وَقَدْ فَسَّرَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِالْغَضَبِ، قَالَ شَيْخُنَا: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ الْإِكْرَاهَ، وَالْغَضَبَ، وَالْجُنُونَ، وَكُلَّ أَمْرٍ انْغَلَقَ عَلَى صَاحِبِهِ عِلْمُهُ وَقَصْدُهُ، مَأْخُوذٌ مِنْ غَلَقَ الْبَابَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي "الصَّلَاةِ" بِجَمِيعِ طُرُقِهِ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْآثَارُ: رَوَى مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّإِ" ٢ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ثَابِتٍ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَدَعَانِي ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا بِسِيَاطٍ مَوْضُوعَةٍ،
_________________
(١) = المذهب ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: "ثلاث جدّهن جد وهزلهن جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة"، صحح الحاكم إسناده، وقال الترمذي: حسن غريب، والعمل عليه عند أهل العلم، والصحابة، وغيرهم، واحتج الطحاوي: ص ٥٦٠ - ج ٢ بقوله ﵇ لحذيفة وأبيه حين حلفهما المشركون: نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم، قال: وكما ثبت حكم الوطء في الاكراه، فيحرم به على الواطىء ابنة المرأة، وأمها، فكذا لا يمنع الاكراه وقوع ما حلف عليه، انتهى. وأخرج ابن حزم: ص ٢٣ - ج ١٠ أن امرأة سلت سيفًا فوضعته على بطن زوجها، وقالت: والله لأنفذنك، أو لتطلقني، فطلقها ثلاثًا، فرفع ذلك إلى عمر، فأمضى طلاقها، انتهى. وفي "فتح القدير" ص ٤٠ - ج ٣ عن عمر ﵁ أنه قال: أربع مبهمات مقفلات ليس فيهن رد: النكاح، والطلاق، والعتاق، والصدقة، انتهى. ١ عند أبي داود في "الطلاق في غيظ" ص ٢٩٨ - ج ١، وعند ابن ماجه "باب طلاق المكره والناسي" ص ١٤٨، وفي "المستدرك - باب لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" ص ١٩٨ - ج ٢، إلا أن في سند ابن ماجه عن ثور عن عبيد بن أبي صالح، وفي إسناد أبي داود، والحاكم عن ثور بن يزيد عن محمد بن عبيد بن أبي صالح، وقال الذهبي: قلت: ومحمد بن عبيد لم يحتج به، وقال أبو حاتم: ضعيف. ٢ عند مالك في "الموطأ - باب جامع الطلاق" ص ٢١٥، واختصره المخرج.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
وَقَيْدَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ، وَعَبْدَيْنِ قَدْ أَجْلَسَهُمَا، وَقَالَ لِي: تَزَوَّجْت أُمَّ وَلَدِ أَبِي بِغَيْرِ رِضَائِي، فَأَنَا لَا أَزَالَ أَضْرِبُك حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ قَالَ: طَلِّقْهَا وَإِلَّا فَعَلْت، فَقُلْت: هِيَ طَالِقٌ أَلْفًا، فَلَمَّا خَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ أَتَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِطَلَاقٍ، ارْجِعْ إلَى أَهْلِك، فَأَتَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، انْتَهَى.
أَثَرٌ آخَرُ: أخرجه الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" ١ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْجُمَحِيِّ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا تَدَلَّى بِحَبْلٍ فَوَقَفَتْ امْرَأَتُهُ عَلَى رَأْسِ الْحَبْلِ، وَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّهُ، أَوْ لِتُطَلِّقْنِي ثَلَاثًا، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ، فَأَبَتْ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمَّا ظَهَرَ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إلَى أَهْلِك، فَلَيْسَ هَذَا بِطَلَاقٍ، انْتَهَى. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَخْطَأَ أَبُو عُبَيْدٍ، فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِهِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ فِيهَا: فَرَفَعَ إلَى عُمَرَ فَأَبَانَهَا مِنْهُ، وَقَدْ تَنَبَّهَ لَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بِخِلَافِهِ وَالْخَبَرُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ مُنْقَطِعٌ، انْتَهَى. قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": قُدَامَةُ الْجُمَحِيُّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَيْسَ لِمُكْرَهٍ طَلَاقٌ، وَكَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْأَحَادِيثُ فِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" أَنَّ عُمَرَ أَجَازَ طَلَاقَ السَّكْرَانِ بِشَهَادَةِ نِسْوَةٍ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَنْ عَطَاءٍ٢، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، قَالُوا: يجوز طلاقه، أخرج عَنْ الْحَكَمِ قَالَ: مَنْ طَلَّقَ فِي سُكْرٍ مِنْ اللَّهِ، فَلَيْسَ طَلَاقُهُ بِشَيْءٍ، وَمَنْ طَلَّقَ فِي سُكْرٍ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَطَلَاقُهُ جَائِزٌ، وَأَخْرَجَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ السَّكْرَانِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُجِيزُهُ حتى أَبَانُ بِذَلِكَ، وَأَخْرَجَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَطَاوُسٍ كَانُوا لَا يُجِيزُونَهُ، وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّإِ" عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ سُئِلَا عن طلاق السكران، فقالا: إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ جَازَ طَلَاقُهُ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ، قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند البيهقي في "السنن - باب ما جاء في طلاق المكره" ص ٣٥٧ - ج ٧، ولفظه. أن رجلًا تدلى يشتار عسلًا، في زمن عمر بن الخطاب، انتهى. ٢ وفي "المحلى" ص ٢٠٨ - ج ١، وجوزه ميمون بن مهران، وحميد بن عبد الرحمن، وقتادة، وجابر بن زيد، والثوري، والحسن بن حي، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك طلاق السكران ونكاحه وجميع أفعاله جائزة، إلا الردة، وزاد ابن قدامة في "المغني" ص ٢٥٤ - ج ٨، والأوزاعي، وابن شبرمة، وأحمد في رواية: وسليمان بن حرب، انتهى.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ ﵇: "الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ". قُلْت: غريب مرفوعًا، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" ١ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: الطَّلَاقُ، إلَى آخِرِهِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ": وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ، قَالَ: وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" مَوْقُوفًا عَلَى عُثْمَانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" ٢ أَنْبَأَ ابن جريج، كَتَبَ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أُمِّ سلمة أن غلامًا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ، فَاسْتَفْتَتْ أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: " حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ"، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ".
أَثَرٌ: رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّإِ" ٣ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، حُرَّةً كَانَتْ، أَوْ أَمَةً، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ، انْتَهَى.
أَثَرٌ آخَرُ: وَفِي "الْمُوَطَّإِ" أَيْضًا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ نُفَيْعًا - مُكَاتَبًا كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ عَبْدًا - كَانَ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ، فَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَأَمَرَهُ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَقِيَهُ عِنْدَ الدَّرَجِ آخِذًا بِيَدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُمَا، فَابْتَدَرَاهُ جَمِيعًا، فَقَالَا: حَرُمَتْ عَلَيْك، حَرُمَتْ عَلَيْك، انْتَهَى. وَعَنْ مَالِكٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ.
_________________
(١) ١ وأخرج البيهقي الآثار كلها: ص ٣٧٠ - ج ٧، وفي رواية عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵁: السنة بالنساء في الطلاق العدة، انتهى. وفي "المحلى" ص ٢٣٠ - ج ١٠ عن علي ابن أبي طالب أنه قال: السنة بالنساء - يعني الطلاق والعدة - وفي "الجوهر النقي" ص ٣٧٠ - ج ٧، وفي "الاستذكار"، قال الكوفيون: أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والحسن بن حي: الطلاق والعدة بالنساء، وهو قول علي، وابن مسعود، وابن عباس في روايته، وبه قال إبراهيم، والحسن بن سيرين، ومجاهد، انتهى. ٢ وعند ابن حزم في "المحلى" ص ٢٣٤ - ج ١٠. ٣ عند مالك في "الموطأ - باب ما جاء في طلاق العبد" ص ٢٠٩، وقال ابن الهمام في "الفتح" ص ٤٢ - ج ٣: ونقل أن الشافعي لما قال عيسى بن أبان له: أيها الفقيه إذا ملك الحر على امرأته الأمة ثلاثًا، كيف يطلقها للسنة؟ قال: يوقع عليها واحدة، فإذا حاضت وطهرت، أوقع أخرى، فلما أراد أن يقول: فإذا حاضت وطهرت، قال له: حسبك، قد انقضت عدتها، فلما تحير رجع، فقال: ليس في الجمع بدعة، ولا في التفريق سنة، انتهى.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ ﵇: "طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ"، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
فَحَدِيثُ عَائِشَةَ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ ١ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ"، انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيثٌ مَجْهُولٌ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا، إلَّا مِنْ حَدِيثِ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمُظَاهِرُ بْنُ أَسْلَمَ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الْعِلْمِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، انْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ" قَدْ أَخْرَجَ لَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" حَدِيثًا آخَرَ، رَوَاهُ مُظَاهِرٌ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، مِنْ آخَرِ - آلِ عِمْرَانَ - انْتَهَى. قُلْت: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ الوسط"، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي "كِتَابِهِ"، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَنَقَلَ ابْنُ عَدِيٍّ تَضْعِيفَ مُظَاهِرٍ هَذَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ فَقَطْ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِحَدِيثِ: طَلَاقُ الْأَمَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ حَدِيثًا آخَرَ، وَمَا أَظُنُّ لَهُ غَيْرَهُمَا، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ حَدِيثَ: طَلَاقُ الْأَمَةِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" - أَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ - بِسَنَدِ السُّنَنِ وَمَتْنِهِ، وَصَحَّحَهُ، ذَكَرَهُ فِي "كِتَابِ الطَّلَاقِ"، وَنَقَلَ شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ فِي "مِيزَانِهِ" تَضْعِيفَ مُظَاهِرٍ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَالْبُخَارِيِّ، وَنُقِلَ تَوْثِيقُهُ عَنْ ابْنِ حِبَّانَ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ فِي "كِتَابِهِ": مُظَاهِرُ بْنُ أَسْلَمَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَلَهُ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ، وَلَا يُعْرَفَانِ إلَّا عَنْهُ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنَيْهِمَا"٢، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ": وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ مُظَاهِرٍ هَذَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ - يَعْنِي الدَّارَقُطْنِيّ - بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: سُئِلَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عِدَّةِ الْأَمَةِ، فَقَالَ: النَّاسُ يَقُولُونَ: حَيْضَتَانِ، وَإِنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَقَدْ رواه صغدي بْنُ سِنَانٍ عَنْ مُظَاهِرٍ، فَقَالَ فِيهِ: طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، إنْ ثَبَتَ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَبْدًا، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند أبي داود "باب سنة طلاق العبد" ص ٢٦٨، وعند الترمذي "باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان" ص ١٥٣، وعند الحاكم: ص ٢٥ - ج ٢، وصححه الذهبي، وقال الحاكم: مظاهر بن أسلم شيخ من أهل البصرة لم يذكره أحد من متقدمي مشائخنا بجرح، فإذًا الحديث صحيح، انتهى. ٢ عند البيهقي في "السنن - باب ما جاء في طلاق العبد" ص ٣٧٠ - ج ٧.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ"١ عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبِيبٍ الْمُسْلِيِّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، نَحْوَهُ سَوَاءً، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"، والدارقطني فِي "سُنَنِهِ" قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ الْمُسْلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ نَافِعٌ، وَسَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَأَيْضًا فَعَطِيَّةُ ضَعِيفٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" ٢ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمَ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِسَنَدِهِ: قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: فَذَكَرْته لِمُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقُلْت: حَدِّثْنِي كَمَا حَدَّثْت ابْنَ جُرَيْجٍ، فَحَدَّثَنِي مُظَاهِرٌ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: "طلاق الأمة ثنتان، وقرءها حَيْضَتَانِ" قَالَ: وَمُظَاهِرُ بْنُ أَسْلَمَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ من متقدمي مشائخنا بِجَرْحٍ، فَإِذًا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ يُعَارِضُ هَذَا، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ مُعَتِّبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ اسْتَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فِي مملوك كان تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ أُعْتِقَا بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. وَسَكَتَ عَنْهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي "الطَّلَاقِ" عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهِ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ٣ عَنْ سَلْمِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: "إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الرَّجُلِ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ"، انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَسَلْمُ بْنُ سَالِمٍ، كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يُكَذِّبُهُ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ السَّعْدِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، انْتَهَى.
أَثَرٌ: عَنْ عُمَرَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ٤ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ، وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ بِحَيْضَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ فَشَهْرَيْنِ، أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا، انْتَهَى. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ"، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ".
_________________
(١) ١ عند ابن ماجه "باب في طلاق الأمة وعدتها" ص ١٥١ - ج ١، والدارقطني: ص ٤٤١ في "النكاح". ٢ في "المستدرك - باب طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان" ص ٢٠٥، وعند أبي داود "باب في سنة طلاق العبد" ص ٢٩٧ - ج ١، وعند النسائي "باب طلاق العبد" ص ١٠٣، وفي سنده عن عمر بن معتب عن الحسن مولى بني نوفل، والصواب عن أبي الحسن، كما في الرواية السابقة عليها. ٣ عند الدارقطني قبل "باب المفقود" ص ٤٢٠. ٤ عند البيهقي في "السنن - باب عدة الأمة" ص ٤٢٥ - ج ٧.
[ ٣ / ٢٢٧ ]