المجلس العلمي - إدارة تأليفية، فعلت في سن طفولتها، ما لو فعلته في عهد شبابها، لكفاها فخرًا وشرفًا.
رجل سعيد الحظ، ميمون الطلعة، طيب الأرومة، رحيب الصدر، من أهل سملك في - الكجرات - بالهند، أصبح إفريقيًا منذ برهة من الدهر، من مشاهير تجار أفريقيا الجنوبية.
التحق بدار العلوم في ديوبند - مركز الثقافة الدينية، والعلمية بالهند - وتخرج منها بعد سنوات، عالمًا فاضلًا.
في عهد تحصيله: ساعد طلبة العلم، أعان دار العلوم - مهد تربيته العلمية - بآلاف جنيه، وخدم أكبر شيوخه، إمام العصر المحدث، الشيخ محمد أنور الكشميري ثم الديوبندي، بما فيه أسوة لمن يأتي بعده.
فارق مهده العلمي! فخلّف صيتًا حسنًا، وذكرًا جميلًا، على الألسنة، وقدرًا في القلوب.
بأعماله الخالدة، أصبحت مدرسة تعليم الدين في - دابهيل - "من الكجرات" - جامعة إسلامية - ينثال إليها طلبة العلم من كل صوب وناحية. يتبرع إليها بعطية، تربو على ألف جنيه كل عام.
ثم فتح إدارة علمية لإحياء المآثر العلمية، غرامًا بإبقاء آثار العلم الخالدة، تحت إشراف إمام العصر السالف ذكره، ومحقق العصر الشيخ شبير أحمد العثماني الديوبندي - طال بقاءه - فوفق لأن يقدم لأهل العلم ما يربو على عشرين كتابًا: في علوم الحديث. والقرآن. والحقائق وغيرها، قبل أن يبلغ المجلس إلى ثماني حجج، من عمره الميمون.
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة سال النضار بها وقام الماء
وإليك ذكر شيء من مآثره:
[ ١ / ٢ ]
فمن القرآن: -
١ - مشكلات القرآن - لإمام العصر، محمد أنور الكشميري ﵀.
٢ - تحية الإسلام. في حياة عيسى ﵇ - أيضًا له.
٣ - خاتم النبيين - أيضًا له.
ومن الحديث: -
١ - نصب الراية - لأحاديث الهداية تأليف الإمام الحافظ العلامة. جمال الدين الزيلعي، في - أربعة أجزاء كبيرة -.
٢ - نيل الفرقدين، في مسألة رفع اليدين - لإمام العصر.
٣ - كشف الستر. في مسألة الوتر - أيضًا له.
ومن الحقائق: -
١ - البدور البازغة - للإمام الشاه، ولي الله الدهلوي، صاحب حجة الله البالغة
٢ - الخير الكثير - أيضًا له.
٣ - التفهيمات الإلهية في جزءين - أيضًا له.
٤ - المعارف اللدنيّة - للإمام الرباني - المجدد للألف الثاني - الشيخ أحمد السرهندي.
٥ - مرقاة الطارم - لحدوث العالم - لإمام العصر.
فهذه وأمثالها مآثر ناصعة للمجلس العلمي ألا وإن بانيه المشار إليه، هو الحاج محمد ابن موسى السِّملكي، ثم الإفريقي. أسسه على عماد التقوى والإخلاص! نجاره شرف الخلق، وشعاره سيما العلم، ودثاره رحابة الصدر.
بَيْدَ أني ألاقى منه متضايق الصدر عند التنويه بشأن من شؤونه، غيابًا، أو شفاهًا!
[ ١ / ٣ ]
اكتب هذه السطور، وأنا في القاهرة، وهو في إفريقيا الجنوبية، والقلب يستشعر بخوف الكدر على قلبه مني، مع صفاء. ولولا هذه الخطرة لبثثت طرفًا من مفاخره التي هو يطويها، ومناقبه التي هو يستنكف عن إفشائها، كأنها مثالب نقص، وصمات عار، وحاشاه عن ذلك. وأصدق ما يحكي حاله وحالي، ما قال أبو الطيب: -
أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه تأتي الندى، ويذاع عنك فتكره
لكن أبى المسك إلا أن تتم به نفحاته. وأبت الشمس إلا أن تلمع في الأنحاء سطعاتها المتشعشعة الحمراء.
أرجو عن سماحة شيمته، ورحابة صدره، أن لا يؤاخذني بهذه الكلمات، حيث جذبها القلم من جذر القلب. وحاشاها أن يشوبها نغص من الإطراء، وكدر من الرياء، وكأنها تناثرت من سنىّ القلم، من غير أن يتجشمها إرادة! ومن شيمة الكرماء حسن الظن، وقبول المعاذير.
وقصارى القول: إن المجلس قام في طفولته بأعباء، لو قام بها في فتوّته لكفاه براعة، وصاحب المجلس انتهض لمهمة دينية في ريعان شبيبته، لو انتهض لها في أوان شيبته لكفاه فضلًا ونباهة في الدنيا، وذخرًا في الآخرة، ووجاهة عند الله جل ذكره، وعظم برهانه، وأرجو له التوفيق من الله سبحانه بما تقرّ به عينه، وعيون آهل العلم في أنحاء الأرض، إنه سميع مجيب.
ثم أرى لزامًا عليَّ أن أشكر حُسن قيام صديقنا الفاضل الأستاذ السيد أحمد رضا بن السيد شبير علي البجنوري، بأعباء خدمة هذا المجلس العلمي من كل جهة بحنكة، وبصيرة، وصدق وإخلاص، وهو الذي أصبح هذا المجلس بحسن شؤونه الإدارية، ودأب جهده البالغ في تنميته وترشيحه، يرتقي معارج كماله، بما تطمئن به القلوب، وتثلج به الصدور.
أدعو الله سبحانه أن لا يزال موفقًا لما فيه سكينة لقلبه في الدارين، وراحة لقلوب أهل المجلس، وما ذلك على الله بعزيز.
[ ١ / ٤ ]