الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَدَنِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﵇ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ، انْتَهَى. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"، والدارقطني فِي "سُنَنِهِ" ٢ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ مِسْكِينٍ أَبِي غَزِيَّةَ الْمَدِينِيِّ الْقَاضِي حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ بِهِ، وَلَفْظُهُمَا: اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ، وَرَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ بِسَنَدِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَعَلَّهُ بِأَبِي غَزِيَّةَ، قَالَ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا ضَعْفٌ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": وَإِنَّمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ لِلِاخْتِلَافِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَدَنِيُّ، أَجْهَدْت نَفْسِي فِي مَعْرِفَتِهِ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا ذَكَرَهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الطبراني "معجمه الوسط" حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ السِّمْسَارُ الْوَاسِطِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرَوِيْهِ الْهَرَوِيُّ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ ثَنَا خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ إذَا خَرَجَ إلَى مَكَّةَ اغْتَسَلَ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٣ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، انْتَهَى. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ - يَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ - مِمَّنْ جَمَعَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ حَدِيثَهُ، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" ٤ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: نَفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ الترمذي في "باب الاغتسال عند الاحرام: "ص ١٠٢ - ج ١. ٢ الدارقطني في "الحج" ص ٢٥٦ - ج ٢. ٣ في "باب إن من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم" ص ٤٤٧ - ج ١. ٤ في "باب صحة إحرام النفساء" ص ٣٨٥ - ج ١.
[ ٣ / ١٧ ]
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَيْضًا ١ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ٢ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ نَفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ أبي شبية فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ"، والدارقطني فِي " سُنَنِهِ". ٣ وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ اتَّزَرَ، وَارْتَدَى عِنْدَ إحْرَامِهِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" ٤ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﵇ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ، إلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وقلد بدنه، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، الحديث.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٥ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا ٦: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى وبيض الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مفرق رسول الله صلى عليه وسلم وَهُوَ يُلَبِّي، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا ٧: قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ، ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَا ٨ عَنْ
_________________
(١) ١ رواه مسلم في "باب حجة النبي ﷺ" ص ٣٩٤ - ج ١. ٢ في "باب صحة إحرام النفساء". ٣ الدارقطني في "باب الاغتسال للإحرام ولدخول مكة" ص ٢٥٦ - ج ٢، والحاكم في "باب أن من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم" ص ٤٤٧ - ج ١. ٤ في "باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر" ص ٢٠٩ - ج ١. ٥ البخاري في "باب من تطيب، ثم اغتسل، وبقى أثر الطيب" ص ٤١ - ج ١. ٦ جميع طرق مسلم مروية في "في باب استحباب الطيب قبل الإحرام" ص ٣٧٨ - ج ١، إلا أن لفظ: كنت أطيب رسول الله ﷺ عن الأسود عن عائشة، بل عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، كما في "باب الطيب عند الاحرام للبخاري" ص ٢٠٨، ومسلم في "بابه". ٧ البخاري في "باب الطيب في الرأس واللحية" ص ٨٧٧ - ج ١. ٨ مسلم في "باب استحباب الطيب قبل الاحرام" ص ٣٧٨، والبخاري في "باب من تطيب، ثم اغتسل وبقي أثر الطيب" ص ٤١ - ج ١.
[ ٣ / ١٨ ]
مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، قَالَ: سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ يَتَطَيَّبُ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَحُ طِيبًا، لَأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إلَيَّ مَنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ، وَأَخْبَرْتهَا بِقَوْلِهِ، فَقَالَتْ: أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَطَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا ١: قَالَتْ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا، يَنْضَحُ طِيبًا، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهَا، قَالَتْ: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﵇، فَلَا يَنْهَانَا، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﵇ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵇: "أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك"، زَادَ الْبُخَارِيُّ ٣ فِي لَفْظٍ مُعَلَّقٍ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا ٤ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ لَهُ: اغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الْخَلُوقِ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: اغْسِلْ عَنْك الصُّفْرَةَ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ٥: اغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الْخَلُوقِ، وَأَثَرَ الصُّفْرَةِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ" بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ أَبِي دَاوُد الْمُتَقَدِّمَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِطِيبٍ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَضُرُّهُ بَقَاؤُهُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَهُ بِقَوْلِهِ ﵇: "اغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الْخَلُوقِ"، وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ زَعْفَرَانٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، وَقَدْ نَهَى الرَّجُلَ عَنْ التَّزَعْفُرِ، وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ ﵇، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ رُئِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ ٦ مُحْرِمًا وَعَلَى رَأْسِهِ مِثْلُ الرُّبِّ مِنْ الْغَالِيَةِ، وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِنْ الطِّيبِ مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَعَدَّ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ، انْتَهَى. قُلْت: رِوَايَةُ الزَّعْفَرَانِ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي "مُسْنَدِهِ" ٧ رَوَى حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ دَعَاهُ ﵇،
_________________
(١) ١ مسلم في "باب استحباب الطيب" ص ٣٧٩ - ج ١، والبخاري: ص ٤١ - ج ١ في "باب إذا جامع، ثم عاد" الخ. ٢ البخاري في "باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب" ص ٢٠٨ - ج ١، ومسلم في "باب ما يباح للمحرم بحجة أو عمرة" ص ٣٧٣ - ج ١. ٣ البخاري: ص ٢٠٨. ٤ البخاري: ص ٢٠٨. ٥ البخاري في "باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج" ص ٢٤١. ٦ رواه الشافعي في "الأم" ص ١٢٩ - ج ٢ في "باب الطيب للاحرام" والبيهقي أيضًا من طريق الشافعي. ٧ أحمد في "مسنده" ص ٢٢٤ - ج ٤.
[ ٣ / ١٩ ]
فَقَالَ لَهُ: "اخْلَعْ عَنْك هَذِهِ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْك هَذَا الزَّعْفَرَانَ، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِك كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك"، الْحَدِيثَ.
حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ التَّزَعْفُرِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ فِي "اللِّبَاسِ" عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أن النبي ﵇ نَهَى عَنْ التَّزَعْفُرِ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" ٢ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ ثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، انْتَهَى. وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ"، وَقَالَ: عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ ثِقَةٌ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ أَبُو سُفْيَانَ الرُّوَاسِيُّ أَيْضًا ثِقَةٌ، انْتَهَى. وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي "كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ": وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ ٣ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا، عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ اغْتَسَلَ، ثُمَّ رَدَّهُ الْحَازِمِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ أَصَابَهُنَّ، وَكَانَ ﵇ كَثِيرًا مَا يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ إصَابَةٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ عائشة: قلَّ يوم وإلا رسول اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنَا، فَيُقَبِّلُ وَيَلْمِسُ دُونَ الْوِقَاعِ، فَإِذَا جَاءَ إلَى الَّتِي هِيَ يَوْمُهَا يَبِيتُ عِنْدَهَا، قَالَ: وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ اغْتَسَلَ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، أَوْ يَقُولُ: إنَّهَا طَيَّبَتْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ الْغُسْلِ، لِأَنَّ وَبِيصَ الشَّيْءِ بَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَمْرُ النَّبِيِّ ﵇ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الطِّيبِ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي عَامِ الْجِعْرَانَةِ، وَهُوَ سَنَةُ ثَمَانٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ: أَنَّهَا طَيَّبَتْ النَّبِيَّ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ هُوَ نَاسِخُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ، قَالَ الْحَازِمِيُّ: وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ٤ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ارْجِعْ فَاغْسِلْهُ، فَإِنَّ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَرَجَعَ إلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ هَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَزَادَ: فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْحَاجُّ: الشَّعِثُ التَّفِلُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَلَّى بِذِي حليفة بِرَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إحْرَامِهِ،
_________________
(١) ١ البخاري: ص ٨٦٩ - ج ٢، ومسلم: ص ١٩٨ - ج ١. ٢ رواه في "باب في خضاب الصفرة" ص ٢٢٦ - ج ٢. ٣ ذكره الطحاوي في "باب التطيب عند الاحرام" ص ٣٦٧ - ج ١. ٤ رواه مالك في "باب ما جاء في الطيب في الحج" ص ١٢٧.
[ ٣ / ٢٠ ]
قُلْت: غَرِيبٌ عَنْ جَابِرٍ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، وَلَكِنْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ ١ فِي "بَابِ التَّلْبِيَةِ" عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد ٢ فِي "بَابِ وَقْتِ الْإِحْرَامِ" عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ خَصِيفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا، فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، مُخْتَصَرٌ. وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٣ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، انْتَهَى. وَابْنُ إسْحَاقَ، وَخُصَيْفٌ فِيهِمَا مَقَالٌ: وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، انْتَهَى. وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ".
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَبَّى فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ - يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ -.
قُلْت: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ ٤ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ثَنَا خَصِيفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عليه سلام أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، انتهى. وقال: حديث حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه غير عبد السلام بن حرب، انتهى. قال فِي "الْإِمَامِ": وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ أَخْرَجَ لَهُ الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا"، وَخُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَزَرِيُّ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَلَوْ لَبَّى بَعْدَ مَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ جَازَ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ لِمَا رَوَيْنَا، قُلْت: يُشِيرُ إلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنَّ أَحَادِيثَ: أَنَّهُ لَبَّى بَعْدَ مَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَاضِحٌ، فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٥ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا ٦ عَنْ سَالِمٍ عَنْهُ: قَالَ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ - يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ - مُخْتَصَرٌ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمْ أَرَ
_________________
(١) ١ مسلم: ص ٣٧٦. ٢ أبو داود: ص ٢٥٣. ٣ الحاكم في "باب كان لا ينزل منزلًا إلا ودعه بركعتين" ص ٤٤٧. ٤ الترمذي في "باب ما جاء متى أحرم النبي ﷺ" ص ١١٣ - ج ١، والنسائي في "باب العمل بالإهلال" ص ١٧ - ج ٢. ٥ البخاري في "باب من أهل حين استوت به راحلته" ص ٢١٠، ومسلم في "باب بيان أن الأفضل أن يحرم حين تنبعث به راحلته متوجهًا إلى مكة لا عقب الركعتين" ص ٣٧٧. ٦ البخاري في "باب الاهلال عند مسجد ذي الحليفة، ص ٢٠٨، ومسلم: ص ٣٧٦.
[ ٣ / ٢١ ]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ، مُخْتَصَرٌ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ١ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﵇ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ إهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ: ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، مُخْتَصَرٌ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ٢ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَحَدِيثُ: أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ أَخْرَجَهُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ خَصِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: عَجِبْت لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إهْلَالِهِ حِينَ أَوْجَبَ، فَقَالَ: إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، إنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةً وَاحِدَةً، فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجًّا، فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَ فِي مَجْلِسِهِ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ، فَحَفِظَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ رَكِبَ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أهل، وأدرك ذلك أَقْوَامٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا، فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ، فَقَالُوا: إنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى ﵇، فَلَمَّا عَلَا شَرَفَ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ، وَأَدْرَكَ ذَلِكَ أَقْوَامٌ، فَقَالُوا: إنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ، وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَأَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ، فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَهَلَّ فِي مُصَلَّاهُ إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٣، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَابْنُ إسْحَاقَ فِيهِ مَقَالٌ، وَكَذَلِكَ خَصِيفٌ٤، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ"٥: كَانَ فَقِيهًا صَالِحًا، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخْطِئُ كَثِيرًا، وَالْإِنْصَافُ فِيهِ قَبُولُ مَا وَافَقَ فِيهِ الْأَثْبَاتَ، وَتَرْكُ مَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي إدْخَالِهِ فِي الثِّقَاتِ، وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَتَرَكَهُ آخَرُونَ، انْتَهَى.
قوله: وهو إجابة الدعاء الْخَلِيلِ ﵇ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْقِصَّةِ - يَعْنِي فِي التَّلْبِيَةِ - قُلْت: فِيهِ آثَارٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" ٦ فِي فَضَائِلِ إبْرَاهِيمَ ﵇ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا بَنَى إبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ: فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: أَلَا إنَّ ربكم قد
_________________
(١) ١ البخاري في "باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح" ص ٢٠٩. ٢ ص ٢٤٦ - ج ١. ٣ ص ٤٥١ - ج ١. ٤ ليس في النسخة المطبوعة من "المستدرك" تضعيف "خصيف". ٥ ووثقه ابن سعيد، والنفيلي، والبخاري، كما في "تهذيب التهذيب". ٦ ص ٥٥٢ - ج ٢. (*) هنا تمت الحواشي لمولانا [عبد العزيز السهالوى]، وما بعده للعبد الأحقر [محمد يوسف الكاملفوري] عفا الله عنه
[ ٣ / ٢٢ ]
اتَّخَذَ بَيْتًا، وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُّوهُ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَا سَمِعَهُ من حجر، أو شجرة، أَوْ مَدَرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، انْتَهَى. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ، نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ضَعِيفٌ١ إلَّا مَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، إلَّا حَدِيثَيْنِ سَمِعَهُمَا شُعْبَةُ بِآخِرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ جَرِيرٍ عَنْ قَابُوسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ إبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ، قَالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْت، فَقَالَ: أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، قَالَ: رَبِّ! وَمَا يُبَلِّغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ، وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ، قَالَ: رَبِّ كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ، حَجُّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّهُمْ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ؟!، انْتَهَى. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
طَرِيقٌ آخَرُ: رَوَى إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ" أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قلت لا بن عَبَّاسٍ: أَتَدْرِي كَيْفَ كَانَتْ التَّلْبِيَةُ؟ إنَّ إبْرَاهِيمَ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ النَّاسَ بِالْحَجِّ، فَرُفِعَتْ لَهُ الْقُرَى، وَخَفَضَتْ الجبال رؤوسها، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَأَجَابُوهُ، مُخْتَصَرٌ. وَفِيهِ قِصَّةٌ.
آخَرُ: رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْرَقِيُّ فِي "تَارِيخِ مَكَّةَ" حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ عَنْ ابْنِ أبي إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: لَمَّا أُمِرَ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ قَامَ عَلَى الْمَقَامِ، فَارْتَفَعَ الْمَقَامُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى مَا تَحْتَهُ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَأَجَابَهُ النَّاسُ، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، انْتَهَى. وَرُوِيَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَامَ إبْرَاهِيمُ ﵇ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قَالَ: فَمَنْ حَجَّ الْيَوْمَ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إبْرَاهِيمَ يَوْمَئِذٍ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ، فَلَا يُنْقِصُ عَنْهُ، قُلْت: فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّلْبِيَةِ مَنْقُولًا بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ رَوَى حَدِيثَ التَّلْبِيَةِ عَائِشَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَلَيْسَ فِيهِ: وَالْمُلْكَ لَك، لَا شَرِيكَ لَك.
_________________
(١) ١ كذا في " تهذيب التهذيب - في ترجمة عطاء بن السائب".
[ ٣ / ٢٣ ]
فَحَدِيثُ عَائِشَةَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" ١ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك"، انْتَهَى. وَوَهَمَ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ فِي عَزْوِهِ لِلشَّيْخَيْنِ، فَإِنَّ مُسْلِمًا لَمْ يُخَرِّجْ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَصْلًا.
وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي "سُنَنِهِ" ٢ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن زيد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك"، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي "شَرْحِ الْآثَارِ" ٣ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ"، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ، انْتَهَى. وَمَوْجُودَةٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، خَلَا الزِّيَادَةَ.
قَوْلُهُ: رُوِيَ أَنَّ أَجِلَّاءَ الصَّحَابَةِ: كَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ زَادُوا عَلَى الْمَأْثُورِ - يَعْنِي فِي التَّلْبِيَةِ - قُلْت: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رسول الله ﷺ: "ليبك اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك"، قَالَ:٤ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِي تَلْبِيَتِهِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ٥ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ"، مُخْتَصَرٌ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، يُرِيدُ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَهِلَ مَنْ قَالَ: - يَعْنِي الْمَذْكُورَ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يُخَرِّجْ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَصْلًا، وَلَا خَرَّجَ فِي التَّلْبِيَةِ
_________________
(١) ١ في "باب التلبية" ص ٢١٠. ٢ في "باب كيف التلبية" ص ١٧ - ج ٢. ٣ ص ٣٦٣. ٤ القائل هو الطحاوي، كما تقدم آنفًا. ٥ ص ٣٧٦ - ج ١.
[ ٣ / ٢٤ ]
غَيْرَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا عَقِيبَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ" أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الْمِهْرَانِيِّ عَنْ عبد الرحمن بن زيد، قَالَ: حَجَجْنَا فِي إمَارَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ طُولٌ، وَفِي آخِرِهِ: وَزَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي تَلْبِيَتِهِ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ، وَمَا سَمِعْته قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا بَعْدَ، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ".
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَرِيبٌ عَنْهُ، لَكِنَّهُ رَوَى زِيَادَةً مَرْفُوعَةً فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﵇: لَبَّيْكَ إلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الثَّانِي عَشَرَ، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَهَلَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه سلم، فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ: قَالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، وَنَحْوَهُ مِنْ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ ﵇ يَسْمَعُ، فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَعْفَرٍ بِهِ، بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَلَمْ يصب الْمُنْذِرِيُّ، إذْ قَالَ عَقِيبَهُ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِالزِّيَادَةِ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ أَصْحَابَ "الْأَطْرَافِ"، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي "الطَّبَقَاتِ - فِي تَرْجَمَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ" ١ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ثَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَزِيدُ فِي التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الشَّافِعِيُّ ٢ ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٍ الْأَعْرَجُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵇ يُظْهِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شريك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، وَالْمُلْكَ لَك، لَا شَرِيكَ لَك"، قَالَ: حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ، كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُوَ فِيهِ، فَزَادَ فِيهَا: "لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ"، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَسِبْت أَنَّ ذَاكَ يَوْمُ عَرَفَةَ، انْتَهَى وَهُوَ مُرْسَلٌ مِنْ الْإِمَامِ.
_________________
(١) ١ لم أجد ترجمة الحسن بن علي في النسخة المطبوعة من "الطبقات" بليدن، والله أعلم. ٢ أخرجه الشافعي في كتاب "الأم" ص ١٣٣ - ج ٢.
[ ٣ / ٢٥ ]
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: رُوِيَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ أَصَابَ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ حَلَالٌ، وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ أَشَرْتُمْ، هَلْ دَلَلْتُمْ، هَلْ أَعَنْتُمْ"؟؟؟ فَقَالُوا: لَا، قَالَ: "إذًا فَكُلُوا"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ١ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لَهُمْ بَعْضُهُمْ مُحْرِمٌ، وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ، قَالَ: فَرَأَيْت حِمَارَ وَحْشٍ، فَرَكِبْت فَرَسِي، وَأَخَذْت الرُّمْحَ فَاسْتَعَنْتهمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَاخْتَلَسْت سَوْطًا مِنْ بَعْضِهِمْ، وَشَدَدْت عَلَى الْحِمَارِ، فَأَصَبْته، فَأَكَلُوا منه، فأشفقوا، قال: فسأل عَنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: "أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا"، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيُّ: هَلْ أَشَرْتُمْ، هَلْ أَعَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا، وَتُنْظَرُ بَقِيَّةُ الْأَرْبَعَةِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ نَهَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ - يَعْنِي الْقَمِيصَ، وَالسَّرَاوِيلَ، وَالْعِمَامَةَ، وَالْقَلَنْسُوَةَ، وَالْخُفَّيْنِ - إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ" ٢ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ، قَالَ: "لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْأَخْفَافَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا وَرْسٌ"، انْتَهَى. زَادُوا - إلَّا مُسْلِمًا، وَابْنَ مَاجَهْ -: " وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ"، قَالَ فِي "الْإِمَامِ": قَالَ الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: - وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ - مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَأُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِهِ، وَوَقْفِهِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا، وَهَذَا غَيْرُ قَادِحٍ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفْتِيَ الرَّاوِي بِمَا يَرْوِيه، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُنَا قَرِينَةٌ مُخَالِفَةٌ لِذَلِكَ
_________________
(١) ١ عند مسلم: ص ٣٨٠ - ج ١، وعند البخاري: ص ٢٤٥ - ج ١، وأبو داود: ص ٢٥٦ - ج ١، والنسائي ص ٢٥ - ج ٢، واللفظ له، والترمذي في "باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم" ص ١١٦ - ج ١، وابن ماجه في "باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له" ص ٢٣٠ - ج ١ تنبيه: قال الأثرم كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة مجاوزة الميقات بلا إحرام، ولا يدرون ما وجهه حتى رأيته مفسرًا في حديث عياض عن أبي سعيد، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فأحرمنا، فلما كان مكان كذا وكذا إذا نحن بأبي قتادة - كان النبي ﷺ بعثه في شيء قد سماه - فذكر حديث الحمار الوحشي، كذا في "التلخيص الحبير" ص ٢٢٥ - ج ١. ٢ عند البخاري: ص ٢٤٨ - ج ١ في "باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة" الخ، ومسلم: ص ٣٧٢، والنسائي في "باب النهي عن لبس البرانس في الاحرام" ص ٨ - ج ٢، وأبو داود في "باب ما يلبس المحرم" ص ٢٥٣، والترمذي في "باب ما جاء فيما لا يجوز للمحرم لبسه" ص ١١٥ - ج ١، وابن ماجه في "باب ما يلبس المحرم من الثياب" ص ٢١٦ - ج ١.
[ ٣ / ٢٦ ]
دَالَّةٌ عَلَى عَكْسِهِ، وَهِيَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَرَدَ إفْرَادُ النَّهْيِ عَنْ النِّقَابِ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، مُجَرَّدًا عَنْ الِاشْتِرَاكِ مَعَ غَيْرِهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ"، انْتَهَى. الثَّانِي: أَنَّهُ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ النِّقَابِ، وَالْقُفَّازَيْنِ مُبْدَأً بِهِمَا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا أَيْضًا يَمْنَعُ الْإِدْرَاجَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ، وَالنِّقَابِ، وَمِسَاسِ الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ مِنْ الثِّيَابِ، وَتَلْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا، أَوْ خَزًّا، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ قَمِيصًا، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ مَا خَلَا ابْنَ إسْحَاقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ١، انْتَهَى. وَسَنَدُهُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثَنَا يَعْقُوبُ ثَنَا أَبِي عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ، إلَى آخِرِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: قَالَ ﵇: "إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ" ٢، وَيُنْظَرُ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، انْتَهَى. وَالْمُصَنِّفُ احْتَجَّ بِهِ هُنَا لِلشَّافِعِيِّ، أَنَّ الْمُحْرِمَ لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ، وَأَعَادَهُ قُبَيْلَ الْقِرَانِ، أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَطِّي رَأْسَهَا.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ ٣ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فِي الْمُحْرِمِ يَمُوتُ، قَالَ: "خَمِّرُوهُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ"، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": وَعِلَّتُهُ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، كَانَ كَثِيرَ الْغَلَطِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ، قَالَ: لَكِنَّهُ جَاءَ بِأَعَمَّ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، وَأَصَحَّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ٤ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَالِحٍ الْأَزْدِيِّ ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَمِّرُوا وُجُوهَ مَوْتَاكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ"، انْتَهَى. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيُّ صَدُوقٌ، قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَبَقِيَّةُ الْإِسْنَادِ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ" لِأَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ٥ مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بْنِ حُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ حبير عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ فِي الَّذِي وُقِصَ: "خَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ"، قَالَ: وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى، وأبو حاتم. وأخرجه الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "الْعِلَلِ" عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ
_________________
(١) ١ قال ابن الهمام في "الفتح" ص ١٤٢، وأنت علمت أن ابن إسحاق حجة. ٢ عند البيهقي: ص ٤٧ - ج ٥، والدارقطني في "سننه" ص ٢٨٦ - ج ٢. ٣ الدارقطني: ص ٢٨٧ - ج ٢. ٤ ص ٢٨٧. ٥ في كتاب "الأم - في كتاب الجنائز" ص ٢٣٩ - ج ١.
[ ٣ / ٢٧ ]
عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يُخَمِّرُ وَجْهَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، انْتَهَى. قَالَ: وَالصَّوَابُ مَوْقُوفٌ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" ١ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْفُرَافِصَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ ٢ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ ﵁ بِالْعَرْجِ مُخَمِّرًا وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ فِي ثَوْبٍ صَائِفٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: قَالَ ﵇ فِي مُحْرِمٍ تُوُفِّيَ: "لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"، قُلْت: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ٣، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثوبيه، وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: الْوَجْهَ، قَالَ الْحَاكِمُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ "عُلُومِ الْحَدِيثِ": وَذِكْرُ الْوَجْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْحِيفٌ مِنْ الرُّوَاةِ، لِإِجْمَاعِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَلَى رِوَايَتِهِ: وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ، انْتَهَى. وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى مُسْلِمٍ لَا إلَى الْحَاكِمِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ كَثِيرُ الْأَوْهَامِ، وَأَيْضًا فَالتَّصْحِيفُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحُرُوفِ الْمُتَشَابِهَةِ، وَأَيُّ مُشَابَهَةٍ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فِي الْحُرُوفِ؟ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَذْكُرَ فِي الْحَدِيثِ غَيْرَ الْوَجْهِ، فَكَيْفَ! وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا - أَعْنِي الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ - وَالرِّوَايَتَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَفِي لَفْظٍ: اقْتَصَرَ عَلَى الْوَجْهِ، فَقَالَ: وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَفِي لَفْظٍ: جَمَعَ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، فَقَالَ: وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وجهه، وفي لفط: اقْتَصَرَ عَلَى الرَّأْسِ، وَفِي لَفْظٍ: قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُغَسِّلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ، حَسِبْته قَالَ: وَرَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ، وَهُوَ يُهِلُّ، انْتَهَى. وَمِثْلُ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ التَّصْحِيفِ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ: قَالَ ﵇: "الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، ٤ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ التَّفِلُ". وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ"، قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
_________________
(١) ١ عند مالك في "الموطأ - في باب تخمير المحرم وجهه" ص ١٢٦. ٢ البيهقي في: ص ٥٤ - ج ٥، وابن حزم في "المحلى" ص ٩١ - ج ٧. ٣ عند مسلم في "باب ما يفعل بالمحرم إذا مات" ص ٣٨٤، والنسائي في "باب تخمير المحرم وجهه ورأسه" ص ١٢ - ج ٢. ٤ عند ابن ماجه في "باب ما يوجب الحج" ص ٢١٤ - ج ١، والترمذي في "تفسير سورة آل عمران" ص ١٢٩ - ج ٢.
[ ٣ / ٢٨ ]
الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَالَ ﵇: " لَا يَلْبَسْ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا وَرْسٌ"، قُلْت: تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ: "لَا تَلْبَسْ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ، فَيَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا وَرْسٌ "، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي "شَرْحِ الْآثَارِ" ١ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ثَنَا أبو معاوية "ح" وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا" - يَعْنِي فِي الْإِحْرَامِ - قَالَ ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ: وَرَأَيْت يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَهُوَ يَتَعَجَّبُ مِنْ الْحِمَّانِيُّ أَنْ يُحَدِّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا عِنْدِي، ثُمَّ وَثَبَ مِنْ فَوْرِهِ فَجَاءَ بِأَصْلِهِ، فَخَرَّجَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، كَمَا ذَكَرَهُ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، فَكَتَبَهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَطَاوُسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، قَالُوا فِي الثَّوْبِ يَكُونُ فِيهِ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ فَغُسِلَ: إنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا أَنْ يُحْرِمَ فِيهِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنْ عَطَاءٍ نَحْوَهُ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ: مِنْهَا حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ٢ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﵇ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ يُلْبَسُ، إلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الرَّدْعِ، وَهُوَ الْبَلُّ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الرَّدْعُ: مَا يَبُلُّ الْقَدَمَ مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ الْغَسْلُ مِنْ ذَلِكَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ٣، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَزَّارُ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مَسَانِيدِهِمْ" حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "لَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ مَصْبُوغٍ بِزَعْفَرَانٍ قَدْ غُسِلَ، فَلَيْسَ لَهُ نَفْضٌ، وَلَا رَدْعٌ"، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند الطحاوي في "باب لبس الثوب الذي قد مسه ورس أو زعفران في الاحرام" ص ٣٦٩. ٢ عند البخاري في "باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر" ص ٢٠٩ - ج ١. ٣ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٢١٩ - ج ٣: رواه أبو يعلى، والبزار، وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله، وهو ضعيف.
[ ٣ / ٢٩ ]
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ "فِي الْمُعَصْفَرِ": رَوَى أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثَنَا يَعْقُوبُ ثَنَا أَبِي عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ، وَالزَّعْفَرَانُ مِنْ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مُعَصْفَرًا، أَوْ خَزًّا، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ خُفًّا، انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، إلَى قَوْلِهِ: وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، انْتَهَى. وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ" كَذَلِكَ بِحَدِيثِ كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﵇ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فلم ينه شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ، فلبس المزعفرة التي يردع عَلَى الْجِلْدِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" ١ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَاتِ، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْأَصْحَابِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" ٢ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هَذَا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَةُ؟! فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا هو مدر، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي النَّاسُ بِكُمْ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا رَأَى هَذَا الثَّوْبَ لَقَالَ: إنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُصَبَّغَةَ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قُلْت: رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ" ٣ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ٤، وَهُوَ يَصْبُبُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَاءً: اُصْبُبْ عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ يَعْلَى: أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَهَا بِي، إنْ أَمَرْتنِي صَبَبْت، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اُصْبُبْ عَلَيَّ، فَلَنْ يَزِيدَهُ الْمَاءُ إلَّا شَعَثًا، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" ٥ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي
_________________
(١) ١ "عند مالك" ص ١٢٦، ولفظه: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تلبس المعصفرات المشبعات، وهي محرمة، ليس فيها زعفران. ٢ عند مالك في "باب لبس الثياب المصبغة في الإحرام" ص ١٢٦. ٣ عند مالك في "باب غسل المحرم" ص ١٢٥. ٤ يعلى بن أمية، ومثله في "فتح القدير" ولكن في "الموطأين" و"الدراية" يعلى بن منية، وحرره في هوامش "الموطأ" للإمام محمد، أن منية أمه، واسم أبيه: أمية بن عبيدة بن همام، وهو صحابي مات سنة بضع وأربعين، قاله الزرقاني. ٥ أخرجه البيهقي من طريق الشافعي: ص ٦٣ - ج ٥.
[ ٣ / ٣٠ ]
عَطَاءُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى أَخْبَرَهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَغْتَسِلُ إلَى بَعِيرٍ، وَأَنَا أَسْتُرُ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، إذْ قَالَ عُمَرُ: يَا يَعْلَى اُصْبُبْ عَلَى رَأْسِي؟ فَقُلْت: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ مَا يَزِيدُ الْمَاءُ الشَّعْرَ إلَّا شَعَثًا، فَسَمَّى اللَّهَ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"، وَالشَّافِعِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: تَعَالَ أُنَافِسْك فِي الْمَاءِ، أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا فِيهِ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ عبيد اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ، فَأَرْسَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ مُسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ، قَالَ: فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْت: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُك كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يصب عَلَيْهِ: اُصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ أَبُو أَيُّوبَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْته ﷺ يَفْعَلُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: حَدِيثُ "الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ" نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ٢ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ لَا يُقَرَّبَ طِيبًا، انْتَهَى.
الْآثَارُ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"٣ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِأَوْسَاخِنَا شَيْئًا، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنَيْهِمَا"٤ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ بِهِ، قَالَ: الْمُحْرِمُ يَشُمُّ الرَّيْحَانَ، وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ، قَالَ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ": قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، انْتَهَى. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا ٥ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الْمُحْرِمُ، وَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ، انْتَهَى. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، نَحْوَهُ.
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب الاغتسال للمحرم" ص ٢٤٨ - ج ١، ومسلم في "باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه" ص ٣٨٣ - ج ١. ٢ ذكره البيهقي في "السنن الكبرى" ص ٧٠ - ج ٥، والشافعي في "كتاب الأم - في كتاب الجنائز - في باب ما يفعل بالمحرم إذا مات" ص ٢٣٩ - ج ١. ٣ أخرجه البيهقي: ص ٦٣ - ج ٥. ٤ عند الدارقطني: ص ٢٦١، والبيهقي: ص ٦٣ - ج ٥. ٥ حديث ابن عمر، وجابر كلاهما عند البيهقي: ص ٦٤ - ج ٥.
[ ٣ / ٣١ ]
قَوْلُهُ: رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُضْرَبُ لَهُ فُسْطَاطٌ فِي إحْرَامِهِ، قُلْت: غَرِيبٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا الصَّلْتُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ، قَالَ: رَأَيْت عُثْمَانَ بِالْأَبْطَحِ، وَأَنَّ فُسْطَاطَه مَضْرُوبٌ، وَسَيْفَهُ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ، انْتَهَى. ذَكَرَهُ فِي "بَابِ الْمُحْرِمِ يَحْمِلُ السِّلَاحَ"، وَالْمُصَنِّفُ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْأَثَرِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِالْبَيْتِ، وَالْفُسْطَاطِ، وَالْمَحْمِلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَوَافَقَ هُنَا الشَّافِعِيَّ فِي ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ أَحْمَدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ"، وَاسْتَدَلَّ لِمَذْهَبِنَا بِحَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ١ قَالَتْ: حَجَجْت مَعَ النَّبِيِّ ﵇ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْت أُسَامَةَ، وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﵇، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْته يَقُولُ: "إنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ، - حَسِبْتهَا قَالَتْ: أَسْوَدُ - يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا"، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ: رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ الشَّمْسِ، الْحَدِيثَ. ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ: فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا رَفَعَ الثَّوْبَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمْسِ، لَا أَنَّهُ رَفَعَهُ عَلَى رأسنه وَظَلَّلَهُ بِهِ، قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ، فإن التظليل على رأسه ﷺ، إنَّمَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَالشَّمْسُ فِي الصَّيْفِ عَلَى الرؤوس، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ التَّظْلِيلُ عَلَى رَأْسِهِ ﷺ، وَكَأَنَّهُ ذَهَلَ عَنْ لَفْظِ مُسْلِمٍ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﵇ يُظِلُّهُ مِنْ الشَّمْسِ، وَرَأَيْته فِي غَيْرِ كِتَابِ "التَّنْقِيحِ"، نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ ﵀، قَالَ: لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّمْيُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَقَعَ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، أَمَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ، فَيَكُونُ حينثذ قَدْ حَلَّ ﵇ مِنْ إحْرَامِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ أَلْفَاظُهُ، فَإِنْ وَرَدَ: حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، صَحَّ الِاحْتِجَاجُ، لَكِنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّظْلِيلِ مِنْ الْحَرِّ أَوْ الشَّمْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ" كَذَلِكَ بِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، ٢ فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، الْحَدِيثَ، وَنَمِرَةُ: - بِفَتْحِ النُّونِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ - مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" ٣ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ يَحْيَى
_________________
(١) ١ عند مسلم: ص ٤١٩. ٢ عند مسلم: ص ٣٩٤ في حديث جابر. ٣ عند البيهقي: ص ٧٠ - ج ٥.
[ ٣ / ٣٢ ]
بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، ١ قَالَ: خَرَجْت مَعَ عُمَرَ، فَكَانَ يَطْرَحُ النِّطَعَ عَلَى الشَّجَرَةِ فَيَسْتَظِلُّ بِهِ - يَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ - انْتَهَى.
قَوْله: وَيُكْثِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، وَكُلَّمَا عَلَا شَرَفًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ لَقِيَ رَكْبًا، وَبِالْأَسْحَارِ، لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُلَبُّونَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، قُلْت: غَرِيبٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" ٢ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ، قَالَ: كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا هَبَطُوا وَادِيًا، أَوْ عَلَوْهُ، وَعِنْدَ الْتِقَاءِ الرِّفَاقِ، انْتَهَى. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ سِتٍّ: دُبُرَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا اسْتَقْبَلَتْ بِالرَّجُلِ رَاحِلَتُهُ، وَإِذَا صَعِدَ شَرَفًا، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، انْتَهَى. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: تُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فِي مَوَاطِنَ: فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَحِينَ يَصْعَدُ شَرَفًا، وَحِينَ يَهْبِطُ وَادِيًا، وَكُلَّمَا اسْتَوَى بِك بَعِيرُك قَائِمًا، وكلما لَقِيت رُفْقَةً، انْتَهَى. وَعُزِيَ إلَى ابْنِ نَاجِيَةَ فِي "فَوَائِدِهِ" عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ إذَا لَقِيَ رَكْبًا، أَوْ صَعِدَ أَكَمَةً، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الْمَكْتُوبَةِ، وَآخِرِ اللَّيْلِ، انْتَهَى. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ" وَلَمْ يَعْزُهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﵇: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ" فَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: إرَاقَةُ الدَّمِ، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵃.
فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ٣، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ، قَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﵇، فَقَالَ: مَنْ الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ التَّفِلُ"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَا السَّبِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ الْمَكِّيِّ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، انْتَهَى. وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِيهِ: قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي بِالْعَجِّ: التَّلْبِيَةَ، وَالثَّجِّ: نَحْرَ الْبُدْنِ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
_________________
(١) ١ هكذا في نسخة - الدار - أيضًا، وفي نسخة أخرى "عبد الله بن عياش بن ربيعة" [البجنوري] . ٢ قال الحافظ ابن حجر في "الدراية" ص ١٨٨: إسناده صحيح، وابن سابط تابعي، فمراده بالسلف الصحابة، ومن هو أكبر منه من التابعين، اهـ والرواية الثانية من خيثمة، وهو من التابعين، ولم يذكر السادسة. ٣ عند الترمذي في "تفسير سورة آل عمران" ص ١٢٩ - ج ٢ وابن ماجه: ص ٢١٤ - ج ١.
[ ٣ / ٣٣ ]
فِي "تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ"، وَابْنُ مَاجَهْ فِي "الْحَجِّ - فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ"، وَقَالَ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ": وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ: فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ١ فِي "بَابِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ التَّلْبِيَةِ"، وَابْنُ مَاجَهْ فِي "بَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ" قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ بْنِ كَاسِبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ سُئِلَ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" ٢ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِيهِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَرَوَى ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عم الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇. وَأَخْطَأَ فِيهِ ضِرَارٌ، قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ أَخْطَأَ، قَالَ: وَسَمِعْت مُحَمَّدًا يَقُولُ - وَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ ضِرَارِ بْنِ صُرَدَ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ - فَقَالَ: هُوَ خَطَأٌ، فَقُلْت: قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ أَيْضًا مِثْلَ رِوَايَتِهِ، فَقَالَ: لَا شَيْءَ، إنَّمَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرَأَيْته يُضَعِّفُ ضِرَارَ بْنَ صُرَدَ، انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي خَطَّأَهَا أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ هِيَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُسْنَدِهِ" فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ ثَنَا رَبِيعَةُ عَنْ عُثْمَانَ، وَالضَّحَّاكِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، الْحَدِيثَ. وَذَكَرَ شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ فِي "مِيزَانِهِ" عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعٍ، فَقَالَ: مَا رَوَى عَنْهُ سِوَى ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَهَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّ الْبَزَّارَ قَالَ فِي "مُسْنَدِهِ" عَقِيبَ ذِكْرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ قَدِيمٌ٣، حَدَّثَ عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَغَيْرُهُمَا، وَأَظُنُّ أَنَّ الَّذِي
_________________
(١) ١ عند الترمذي في "باب ما جاء في فضل التلبية والنحر" ص ١١٤ - ج ١، وابن ماجه في "باب رفع الصوت بالتلبية" ص ٢١٥ - ج ١. ٢ عند الحاكم في: ص ٤٥١ - ج ١. ٣ أي أدرك الجاهلية، كما في "تهذيب التهذيب - في ترجمة عبد الرحمن بن يربوع".
[ ٣ / ٣٤ ]
أَوْقَعَ الذَّهَبِيَّ فِي ذَلِكَ كَوْنُ الْمِزِّيِّ فِي "كِتَابِهِ" لَمْ يَذْكُرْ رَاوِيًا عَنْهُ غَيْرَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَكَثِيرًا مَا وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "كِتَابِ الْعِلَلِ": هَذَا حَدِيثٌ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَاخْتَلَفَ عَنْهُ، فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، وَالضَّحَّاكِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا: عَنْ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَقَالَ أَهْلُ النَّسَبِ١: إنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَمَنْ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَدْ وَهَمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انتهى.
وأما حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدَيْهِمَا"، قَالَ الْأَوَّلُ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "أَفْضَلُ الْحَجِّ، الْعَجُّ وَالثَّجُّ، وَالْعَجُّ: الْعَجِيجُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَالثَّجُّ: نُحُورُ الدِّمَاءِ"، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الثَّانِي بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ سَوَاءً.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: فَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي "كِتَابِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ" مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَإِسْحَاقُ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى تَضْعِيفِهِ أَيْضًا، فَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَيَّاشٍ عَنْ الْحِجَازِيِّينَ، وَإِسْحَاقُ مَدَنِيٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: أَخْرَجَ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ٢ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي، وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ، أَوْ قَالَ: بِالتَّلْبِيَةِ"، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ٣ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ قال ابن سعد في "طبقاته" ص ١١١ - ج ٥: عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم ويكنى عبد الرحمن أبا محمد، توفي في سنة تسع ومائة، وهو ابن ثمانين سنة، وكان ثقة في الحديث، انتهى مختصرًا. ٢ بل أخرجه أصحاب الكتب الأربعة كما في "الدراية". ٣ عند البخاري: ص ٢١٠ - ج ١.
[ ٣ / ٣٥ ]
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ ابْتَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، قُلْت: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، مُخْتَصَرٌ، وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵇ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ ثُمَّ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْجِهَادِ"، وَمُسْلِمٌ فِي "الصَّلَاةِ"، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﵇ مَكَّةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ، فَقَالَ: "وَاِتَّخِذُوا" الْحَدِيثَ. وَرَوَى أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي "تَارِيخِ مَكَّةَ" ٢ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ لَمْ يَلْوِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَمْ يُعَرِّجْ، وَلَا بَلَغَنَا أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتًا، وَلَا لَوَّى بِشَيْءٍ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَبَدَأَ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ، وَهَذَا أَجْمَعُ فِي حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ كُلِّهَا، انْتَهَى. وَاسْتَشْهَدَ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ٣ رَأَيْت النَّبِيَّ ﵇ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ.
هَذَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَقْصُودٌ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَفْظُهُ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ السَّبْعِ، انْتَهَى. أَخْرَجَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَاسْتَشْهَدَ هَذَا الْجَاهِلُ بِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، الْحَدِيثَ، وَالْآخَرُ لَيْسَ فِيهِ مَقْصُودٌ، أَوْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْ الْمَقْصُودِ.
قَوْلُهُ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا لَقِيَ الْبَيْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْت: غَرِيبٌ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ ٤ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمُحَمَّدٌ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَصْلِ لِمَشَاهِدِ الْحَجِّ شَيْئًا مِنْ الدَّعَوَاتِ، لِأَنَّ التَّوْقِيتَ يُذْهِبُ بِالرِّقَّةِ، وَإِنْ تَبَرَّكَ بِالْمَنْقُولِ مِنْهَا فَحَسَنٌ، قَالَ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ": رَأَيْت فِي "كتاب ابن المغلس" قَالَ: وَذَكَرَ هُشَيْمِ عَنْ يحيى عن بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عن أبيه عن عُمَرَ كَانَ إذَا نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، انْتَهَى. قَالَ: وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة" الخ، ص ٢١٩ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤٠٥. ٢ وكذا البيهقي في "السنن الكبرى" ص ٧٧ - ج ٥. ٣ عند مسلم: ص ٤١١، والبخاري: ص ٢١٨. ٤ عند البيهقي: ص ٧٩ - ج ٥.
[ ٣ / ٣٦ ]
أَبُو الْأَحْوَصِ أن يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، إلَى آخِرِهِ، فَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ سَعِيدٍ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ ١ عَنْ الْحَكَمِ بِسَنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ يَعْقُوبَ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: سَمِعْت مِنْ عُمَرَ كَلِمَةً، مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ سَمِعَهَا غَيْرِي، سَمِعْته يَقُولُ إذَا رَأَى الْبَيْتَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ شَاهِدٌ لِسَمَاعِ سَعِيدٍ مِنْ عُمَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ، أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَبِرًّا"، وَهَذَا مُعْضِلٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَسْت أَكْرَهُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ، وَلَا أَسْتَحِبُّهُ، وَلَكِنَّهُ عِنْدِي حَسَنٌ، انْتَهَى. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ فِي "كِتَابِ الْمَغَازِي" حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ نَهَارًا مِنْ كُدًى، فَلَمَّا رَأَى الْبَيْتَ، قَالَ: " اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ، أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَبِرًّا"، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا انْتَهَى إلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَهُ، وَهُوَ مُضْطَبِعٌ بِرِدَائِهِ، وَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، إيمَانًا بِاَللَّهِ، وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ"، وَحَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ٢ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالْأَسْوَدِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَابْتَدَأَ بِالْحَجَرِ، فَاسْتَقْبَلَهُ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ، قُلْت: أَمَّا ابْتِدَاؤُهُ ﵇ بِالْحَجَرِ فَهُوَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ٣ أَيْضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ بَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، انْتَهَى. وَأَمَّا التكبير والتهليل، فلم أجده، لَكِنَّ التَّكْبِيرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ٤
_________________
(١) ١ عند البيهقي: ص ٧٣ - ج ٥: وفيه قال العباس: قلت ليحيى: من إبراهيم بن طريف هذا؟ قال: يمامي، قلت: فمن حميد بن يعقوب هذا؟ قال: روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري. ٢ أخرجه الحاكم: ص ٤٥٥ - ج ١، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ٣ عند مسلم: ص ٤٠٠. ٤ عند البخاري في "باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه" ص ٢١٩.
[ ٣ / ٣٧ ]
فِي حَدِيثِ الْبَعِيرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵇ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَهِلَ مَنْ عَزَاهُ لِمُسْلِمٍ، فَإِنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ التَّكْبِيرُ، وَلَفْظُهُ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ١، قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﵇ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، انْتَهَى. وَأَمَّا التَّهْلِيلُ فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ ٢ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ لَهُ: "يَا عُمَرُ إنَّك رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ، فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ، إنْ وَجَدْت خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: قَالَ ﵊ " لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ" وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا اسْتِلَامَ الْحَجَرِ، قُلْت: تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِيهِ اسْتِلَامُ الْحَجَرِ.
الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" ٣ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﵇ الْحَجَرَ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ، فَبَكَى طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: "يَا عمر ههنا تُسْكَبُ الْعُيُونُ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ الذَّهَبِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ" وَلَكِنَّهُ فِي "مِيزَانِهِ" أَعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ، وَنَقَلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي "كِتَابَيْهِمَا"٤ وَأَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ تَضْعِيفَ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ": هُوَ قَلِيلُ الرِّوَايَةِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ إلَّا إذَا وَافَقَ الثِّقَاتِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي "الْإِمَامِ": وَمُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ هَذَا هُوَ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ، وَالرَّازِيِّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ النَّسَائِيّ، وَالْأَزْدِيُّ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ"٥ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الشَّفَتَيْنِ، أَخْرَجُوهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: "إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ١ عند مسلم: ص ٤١٣، والبخاري في "باب استلام الركن بالمحجن" ص ٢١٨. ٢ عند البيهقي: ص ٨٠ - ج ٥، وعند أحمد في "مسنده" ص ٢٨ - ج ١. ٣ عند ابن ماجه في "باب استلام الحجر" ص ٢١٧ - ج ١. ٤ راجع "تهذيب التهذيب" ص ٣٨٤ - ج ٩، وص ٣٨٥ - ج ٩. ٥ مسلم: ص ٤١٢ - ج ١، والبخاري في "باب الرمل في الحج والعمرة" ص ٢١٨.
[ ٣ / ٣٨ ]
يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" ١ بِزِيَادَةٍ فِيهِ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، وَاسْمُهُ: عُمَارَةُ بْنُ جُوَيْنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوَّلَ حَجَّةٍ حَجَّهَا مِنْ إمَارَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَتَى الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ، وَاسْتَلَمَهُ، وَقَالَ: "إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك"، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ لَيَضُرُّ وَيَنْفَعُ، وَلَوْ عَلِمْت تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَعَلِمْت أَنَّهُ كَمَا أَقُول، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فَلَمَّا أَقَرُّوا أَنَّهُ الرَّبُّ ﷿، وَأَنَّهُمْ الْعَبِيدُ كَتَبَ مِيثَاقَهُمْ فِي رَقٍّ، ثُمَّ أَلْقَمَهُ فِي هَذَا الْحَجَرِ، وَأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانَانِ وَشَفَتَانِ، يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ بِالْمُوَافَاةِ، فَهُوَ أَمِينُ اللَّهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا أَبْقَانِي اللَّهُ بِأَرْضٍ لَسْت فِيهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ، انْتَهَى. وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَحْتَجَّا بِأَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، انْتَهَى. قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ": وَأَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ سَاقِطٌ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"٢ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْته ﵇ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُسْنَدِهِ" فِي آخِرِ مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عِنْدَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: "إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، ثُمَّ قَبَّلَهُ"، قَالَ: ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَوَقَفَ عِنْدَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك، انْتَهَى. وَهَذَا مَتْنٌ غَرِيبٌ، وَتُرَاجَعُ بَقِيَّةُ إسْنَادِهِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ لِعُمَرَ: " إنَّك رَجُلٌ أَيِّدٌ تُؤْذِي الضَّعِيفَ، فَلَا تُزَاحِمْ النَّاسَ عَلَى الْحَجَرِ، وَلَكِنْ إنْ وَجَدْت فُرْجَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ"، قُلْت: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيِّ ٣ وَاسْمُهُ: وَقْدَانُ، قَالَ: سَمِعْت شَيْخَنَا بِمَكَّةَ فِي إمَارَةِ الْحَجَّاجِ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ لَهُ: إنَّك رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ النَّاسَ عَلَى الْحَجَرِ، فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ، إنْ وَجَدْت خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ
_________________
(١) ١ عند الحاكم في "المستدرك" ص ٤٥٧ بمعناه. ٢ عند البخاري في "باب تقبيل الحجر". ٣ أبو يعفور العبدي الكوفي الكبير، ويقال: اسمه واقد، ولقبه: وقدان، ثقة، وقال ابن معين، وعلي ابن المديني ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، كذا في "تهذيب التهذيب" ص ١٢٣ - ج ١١.
[ ٣ / ٣٩ ]
فِي "مُصَنَّفِهِ" أَخْبَرَنَا السُّفْيَانَانِ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "كِتَابِ الْعِلَلِ": قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الشَّيْخَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ طَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَاسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ بِمِحْجَنِهِ، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَمِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ، ومن حديث أم عمارة.
فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ١ - إلَّا التِّرْمِذِيَّ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يستلم الركن بمحجن، انْتَهَى. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ٢ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﵇ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لَأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، أَوْ لِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ٣ عَنْ جَابِرٍ، فَذَكَرَهُ إلَى قَوْلِهِ: لَأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَيُرَاجَعُ.
وَحَدِيثُ أَبِي الطُّفَيْلِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ ٤ عَنْهُ، وَاسْمُهُ: عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﵇ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ، انْتَهَى.
وَحَدِيثُ صَفِيَّةَ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: لَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ طَافَ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ فِي يَدِهِ، قَالَتْ: وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ، انْتَهَى. وَصْفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ أَخْرَجَ لَهَا الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا فِي "صَحِيحِهِ"، وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِصَحَابِيَّةٍ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّسَائِيّ، وَالْبَرْقَانِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ السَّكَنِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الصَّحَابَةِ"، وَقِيلَ: لَهَا رُؤْيَةٌ، كَمَا فِي الحديث.
وحديث آخَرُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ٥ عَنْهَا أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﵇ يَخْطُبُ عَامَ الْفَتْحِ،
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب استلام الركن بالمحجن" ص ٢١٨، ومسلم: ص ٤١٣، وأبي داود في "باب الطواف الواجب" ص ٢٥٩ - ج ١، وابن ماجه في "باب من استلم الركن بمحجنه" ص ٢١٧، والنسائي في "باب استلام الركن بالمحجن" ص ٣٨ - ج ٢. ٢ عند مسلم: ص ٤١٣ - ج ١، وأبي داود في "باب الطواف الواجب" ص ٢٥٩، والنسائي في "باب الطواف بين الصفا والمروة على الراحلة" ص ٤١ - ج ٢. ٣ لم أجده في "كتاب الحج" من البخاري، والله أعلم. ٤ عند مسلم: ص ٤١٣، وعند أبي داود عن أبي الطفيل عن ابن عباس: ص ٢٥٩ - ج ١، وابن ماجه في "باب من استلم الركن بمحجنه" ص ٢١٧ - ج ١. ٥ عند ابن ماجه في "باب فضل مكة" ص ٢٣١.
[ ٣ / ٤٠ ]
غَيْرَ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِطَوَافِهِ ﵇ رَاكِبًا، فَقِيلَ: لَأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَخْرَجَا١ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَك يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قُلْت: مَا قَوْلُك: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْخُدُورِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ، مُخْتَصَرٌ، وَقِيلَ: كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ، وَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ، انْتَهَى. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَيْسَ بِنَاجِحٍ، لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ فِي "عَنْهُ" إلَى الرُّكْنِ، انْتَهَى. قِيلَ: إنَّهُ كَانَ بِهِ شِكَايَةٌ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" ٢ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَضَعَّفَ ابْنَ أَبِي زِيَادٍ، وَقَالَ: إنَّهُ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ يَشْتَكِي لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهَا، انْتَهَى. قُلْت: رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ فِي كِتَابِ "الْآثَارِ" أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عن حماد بن أبي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَعَ عِكْرِمَةَ، فَجَعَلَ حَمَّادٌ يَصْعَدُ الصَّفَا، وَعِكْرِمَةُ لَا يَصْعَدُهُ، وَيَصْعَدُ حَمَّادٌ الْمَرْوَةَ، وَعِكْرِمَةُ لَا يَصْعَدُهُ، فَقَالَ لَهُ حَمَّادٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَا تَصْعَدُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ؟ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ طَوَافُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ حَمَّادٌ: فَلَقِيت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّمَا طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ بِمِحْجَنٍ، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَصْعَدْ، انْتَهَى. وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" إلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ: "بَابُ الْمَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا"٣، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا اشْتَكَتْ، فَقَالَ لَهَا ﵇: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، قَالَتْ: فَطُفْت وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا،
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في "باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة" ص ٤١١. ٢ عند أبي داود في "باب الطواف الواجب" ص ٢٥٩، ورواه البيهقي في "باب الطواف راكبًا" ص ١٠٠ - ج ٥، وقال: وهذه زيادة تفرد بها، والله أعلم، وقد بين جابر بن عبد الله الأنصاري، وابن عباس في رواية أخرى عنه، وعائشة بنت الصديق معنى طوافه راكبًا، اهـ. ٣ عند البخاري في "باب المريض يطوف راكبًا" ص ٢٢١، والرواية الثانية في: ص ٢٢٠، وعند مسلم: ص ٤١٣ - ج ١.
[ ٣ / ٤١ ]
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ، فَقَالَ لَهَا ﵇: "إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لِلصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِك، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ"، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ: فَأَخْرَجَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيّ، وَابْنُ قَانِعٍ فِي "مُعْجَمَيْهِمَا"، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي "كِتَابِهِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُدَامَةَ الثَّقَفِيِّ ثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ حَوْلَ الْبَيْتِ، فَإِذَا ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى الْحَجَرِ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِحْجَنٍ بِيَدِهِ، انْتَهَى. قَالَ الْبَغَوِيّ: لَا أَعْلَمُ رَوَى هَذَا غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيِّ، وَأَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ اسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ. وَأَبُوهُ طَارِقُ بْنُ أَشْيَمَ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَحَادِيثَ، انْتَهَى. وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُدَامَةَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ": وَقَالَ شَيْخُنَا الْمُنْذِرِيُّ١: رِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، خَلَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُدَامَةَ الثَّقَفِيَّ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ، قال: إن فيه نظر، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ عُمَارَةَ: فَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي "كِتَابِ الْمَغَازِي" حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ، قَالَتْ: شَهِدْت عُمْرَةَ القضية مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنْت قَدْ شَهِدْت الْحُدَيْبِيَةَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْبَيْتِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِزِمَامِهَا، وَقَدْ صُفَّ لَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ مُضْطَبِعًا بِثَوْبِهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، مُخْتَصَرٌ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٢، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ يُقَبِّلُ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْته مُنْذُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ، فَطَافَ سبع أَشْوَاطٍ، قُلْت: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٣ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﵇ مَكَّةَ بَدَأَ بِالْحَجَرِ الأسود، فاستلمه، تم مَضَى عَلَى يَمِينِهِ،
_________________
(١) ١ سعد بن طارق، قال أحمد، وابن معين، والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ويكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم، كذا في "تهذيب التهذيب" ص ٤٧٣ - ج ٣، وقال الهيثمي: ولم أعرف محمد بن عبد الرحمن: ص ٢٤٤ - ج ٣. ٢ عند البخاري في "باب الرمل في الحج والعمرة" ص ٢١٨ - ج ١، ومسلم: ص ٤١٢. ٣ عند مسلم في "باب حجة النبي ﷺ" ص ٤٠٠ - ج ١.
[ ٣ / ٤٢ ]
فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، انْتَهَى. وَعِنْد الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بَدَأَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ.
الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالِاضْطِبَاعُ أَنْ يَجْعَلَ رِدَاءَهُ تَحْتَ إبْطِهِ الْأَيْمَنِ، وَيُلْقِيَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، وَهُوَ سُنَّةٌ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"١ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى، انْتَهَى. وَسَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَهُ، ثُمَّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"، وَزَادَ فِيهِ فَاضْطَبَعُوا وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ، الْحَدِيثَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ٢ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ، انْتَهَى. وَالتِّرْمِذِيُّ أَخْرَجَهُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ يَعْلَى بِهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انْتَهَى. وَبِالْإِسْنَادَيْنِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ".
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: قَالَ ﵇ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: فَإِنَّ الْحَطِيمَ مِنْ الْبَيْتِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٣، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، قَالَتْ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحِجْرِ، أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْت: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إنَّ قَوْمَك قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ"، قُلْت: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا، قَالَ: " فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُك لِيُدْخِلُوا مَنْ شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْت أَنْ أُدْخِلَ الْحِجْرَ بِالْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ"، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ ٤ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْت أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ وَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب الاضطباع في الطواف" ص ٢٥٩ - ج ١. ٢ عند أبي داود في "باب الاضطباع في الطواف" ص ٢٥٩ - ج ١، والترمذي في "باب ما جاء أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا" ص ١١٧، وابن ماجه في "باب الاضطباع" ص ٢١٨، لكن في رواية الترمذي، وابن ماجه بزيادة عبد الحميد ابن جبير بن شيبة بين ابن جريج، وابن يعلى. ٣ عند مسلم: ص ٤٣١. ٤ عند أبي داود في "باب الصلاة في الكعبة" ص ٢٧٧، وعند الترمذي في "باب ما جاء في الصلاة في الحجر" ص ١١٩، ولكن إسناده علقمة ابن أبي علقمة عن أبيه، بدل: عن أمه.
[ ٣ / ٤٣ ]
ﷺ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ: صَلِّي فِي الْحِجْرِ إذَا أَرَدْت دُخُولَ الْبَيْتِ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ، فَإِنَّ قَوْمَك اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْبَيْتِ، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انْتَهَى. وَعَلْقَمَةُ هَذَا هُوَ عَلْقَمَةُ بْنُ بِلَالٍ مَوْلَى عَائِشَةَ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ، احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأُمُّهُ - حَكَى الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ - أَنَّ اسْمَهَا مَرْجَانَةُ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "غَرَائِبِ" مَالِكٍ١، وَالْأَزْرَقِيُّ فِي "تَارِيخِ مَكَّةَ" مِنْ حَدِيثِ دَاوُد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا أُبَالِي فِي الْحِجْرِ صَلَّيْت، أَوْ فِي الْبَيْتِ"، انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَفْعُهُ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ وَقْفُهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" ٢ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ مِنْ وَرَائِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، انْتَهَى. وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَيَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ الْأَشْوَاطِ، وَيَمْشِي فِيمَا بَقِيَ عَلَى هِينَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، اتَّفَقَ رُوَاةُ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا ٤ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ لِي: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد ٥ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ وَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، الْحَدِيثَ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ٦، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا.
_________________
(١) ١ في "مجمع الزوائد" مثله عن عائشة موقوفًا، وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح: ص ٢٤٧ - ج ٣. ٢ عند الحاكم في "المستدرك" ص ٤٦٠ - ج ١. ٣ عند البخاري في "باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة" ص ٢٢٣ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤١٠. ٤ عند البخاري في "باب استلام الحجر" ص ٢١٨، وعند مسلم: ص ٤١١. ٥ عند أبي داود في "باب الدعاء في الطواف" ص ٢٦٠ - ج ١. ٦ عند مسلم: ص ٤١١ - ج ١.
[ ٣ / ٤٤ ]
قَوْلُهُ: وَكَانَ سَبَبُهُ إظْهَارَ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ، حِينَ قَالُوا: أَضْنَاهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، ثُمَّ بَقِيَ الْحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ السَّبَبِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَبَعْدَهُ، قُلْت: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قد وهنتهم؟! أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ٢ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ، قَالَ: مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ، مُخْتَصَرٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ٣ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَمَلَ بِالْبَيْتِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ ٤ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ: فِيمَ الرَّمَلَانِ وَكَشْفُ الْمَنَاكِبِ، وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ٥ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ اضْطَبَعَ فَاسْتَلَمَ وَكَبَّرَ وَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، كَانُوا إذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَتَغَيَّبُوا عَنْ قُرَيْشٍ مَشَوْا، ثُمَّ يَطْلُعُونَ عَلَيْهِمْ، فَيَرْمُلُونَ، تَقُولُ قُرَيْشٌ: كَأَنَّهُمْ الغزلان، قال: قلت لابن عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ سُنَّةً، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٦ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَزْعُمُ قَوْمُك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَمَلَ بِالْبَيْتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قُلْت: مَا صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟! قَالَ: صَدَقُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَمَلَ، وَكَذَبُوا لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إنَّهُ لَمَّا قَدِمَ ﵇ مَكَّةَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنْ الْهُزَالِ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ ﵇ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مُخْتَصَرٌ.
الحديث الثالث والعشرين: قال المنصف ﵀: وَالرَّمَلُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب كيف كان بدء الرمل" ص ٢١٨، ومسلم: ص ٤١٢. ٢ عند البخاري في "باب الرمل في الحج والعمرة" ص ٢١٨. ٣ عند مسلم: ص ٤١٢. ٤ عند أبي داود في "باب في الرمل" ص ٢٦٠، وابن ماجه في "باب الرمل حول البيت" ص ٢١٨. ٥ عند أبي داود في "باب في الرمل" ص ٢٦٠. ٦ عند مسلم: ص ٤١١.
[ ٣ / ٤٥ ]
هُوَ المنقول في زمن النَّبِيِّ ﵇، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ.
أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ١ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ ٢ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ٣ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ، سَوَاءً، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ مُسْلِمٌ، وَوَهَمَ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ مُقَلِّدًا لِغَيْرِهِ، فَعَزَاهُ لِلشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَعَبْدُ الْحَقِّ فِي "كِتَابَيْهِمَا" - الْجَمْعُ بَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ - وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "الْمُنْتَقَى": حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ خَلَفٌ فِي "أَطْرَافِهِ" مِنْ مُفْرَدَاتِ مُسْلِمٍ، وَعَزَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" لِمُسْلِمٍ فَقَطْ ٤ وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ" أَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ لَا حَدِيثَ جَابِرٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الطُّفَيْلِ: فَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" ٥ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْت أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ يَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ ثَلَاثًا مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ مُرْسَلٌ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ فِي "كِتَابِ الْآثَارِ" أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ ٦ - إلَّا التِّرْمِذِيَّ - عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ
_________________
(١) ١ عند مسلم: ص ٤١١، وأبو داود في "باب في الرمل" ص ٢٦٠، والنسائي في "باب كم يسعى" ص ٣٧ - ج ٢، وابن ماجه في "باب الرمل حول البيت" ص ٢١٧. ٢ عند مسلم: ص ٢١٧. ٣ عند مسلم: ص ٢١٧، والنسائي في "باب الرمل من الحجر إلى الحجر" ص ٣٨ - ج ٢، وابن ماجه: ص ٢١٧ والترمذي فيه: ص ١١٧، ومالك في "موطأه" ص ١٤٢. ٤ وكذا في "السنن الكبرى" حيث قال: رواه مسلم في "الصحيح" عن عبد الله بن عمر بن أبان. ٥ عند أحمد ص ٤٥٥ - ج ٥. ٦ عند البخاري في "باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين" ص ٢١٨، وعند مسلم: ص ٤١٢، والنسائي في "باب استلام الركنين في كل طواف" ص ٣٨، وابن ماجه: ص ٢١٧، وأبي داود في "باب استلام الأركان" ص ٢٥٨.
[ ٣ / ٤٦ ]
ﷺ يَمْسَحُ فِي الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ١ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" لِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اسْتِلَامَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِ غَيْرُ سُنَّةٍ، بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ عَنْ عَبْدِ الله بن بابيه عَنْ بَعْضِ بَنِي يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: كُنْت مَعَ عُمَرَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، قَالَ يَعْلَى: وَكُنْت مِمَّا يَلِي الْبَيْتَ، فَلَمَّا بَلَغْت الرُّكْنَ الْغَرْبِيَّ الَّذِي يَلِي الْأَسْوَدَ مَرَرْت ٢ بَيْنَ يَدَيْهِ لأسلم، فَقَالَ لِي: مَا شَأْنُك؟ قُلْت: أَلَا نَسْتَلِمُ هَذَيْنِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَطُفْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، قَالَ: أَرَأَيْته يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ - يَعْنِي الْغَرْبِيَّيْنِ -؟، قُلْت: لَا، قَالَ: أَفَلَيْسَ لَك فِيهِ أُسْوَةٌ؟ قُلْت: بَلَى، قَالَ: فَانْفُذْ عَنْك، انْتَهَى. قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ ﵇: "وَلْيُصَلِّ الطَّائِفُ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ"، قُلْت: غَرِيبٌ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٣ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا طَافَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعًا، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ٤ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، انْتَهَى. وَقَالَ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ٥: "بَابُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﵇ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ"، وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْت لِلزُّهْرِيِّ: إنَّ عَطَاءً يَقُولُ: تُجْزِئُهُ الْمَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفْ ﵇ أُسْبُوعًا قَطُّ إلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، انْتَهَى. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ"، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ثَنَا مُنْذِرٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يُصَلِّي لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، انْتَهَى. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ تَمَّامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ فِي "فَوَائِدِهِ" حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَرَجِ بْنِ مَهْدِيٍّ
_________________
(١) ١ عند مسلم: عن أبي الطفيل البكري عن ابن عباس: ص ٤١٢. ٢ كذا في - نسخة الدار - أيضًا، وفي نسخة أخرى "وحدرت". ٣ عند البخاري في "باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة" الخ ص ٢١٩ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤١٠. ٤ عند البخاري في "باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة" ص ٢٢٣. ٥ البخاري: ص ٢٢٠.
[ ٣ / ٤٧ ]
الْبَغْدَادِيُّ ثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَةَ الْقَاضِي ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الشَّامِيُّ ثَنَا عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، انْتَهَى. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَعَ كُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُجْزِئُ مِنْهُمَا تَطَوُّعٌ وَلَا فَرِيضَةٌ، انْتَهَى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، سَوَاءً. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنْ حَدِيثِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَدَلَّ بِهِ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَعِنْدَنَا هِيَ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا، إلَّا أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، بِمَعْنَى أَمَرَ وَأَوْجَبَ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمَّا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ عَادَ إلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، قُلْت: فِي "مُوَطَّأِ مَالِكٍ"١ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَضَى طَوَافَهُ وَرَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، انْتَهَى. هُوَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ٢، وَلْنَذْكُرْهُ بِرُمَّتِهِ، فَإِنَّهُ عُمْدَةٌ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَ عَنْ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إلَيَّ، فَقُلْت: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِك يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْت، فَسَأَلْته، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْت: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ بِيَدِهِ، فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ ﵇ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: " اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي"، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ
_________________
(١) ١ عند مالك في "باب الاستلام في الطواف" ص ١٤٢. ٢ عند مسلم: ص ٣٩٤، وعند أبي داود في "باب صفة حجة النبي ﷺ" ص ٢٦٢ - ج ١، والدارمي: ص ٢٣٤.
[ ٣ / ٤٨ ]
نَظَرْتُ إلَى مَدَى بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُ ذِكْرَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ، حَتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: "دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ"، وقدم علي من اليمين بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﵇ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْته أَنِّي أَنْكَرْت ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: " صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ " قَالَ: قُلْت: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُك، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ"، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قدم بِهِ عَلِيٌّ ﵁ من اليمين، وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﵇ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلَّا النَّبِيَّ ﵇، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
[ ٣ / ٤٩ ]
وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله، ولكم عليهن أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَلَّغْت، وَأَدَّيْت، وَنَصَحْت، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلَى السَّمَاءِ، وَيَنْكُتُهَا إلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-"، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ شَنَقَ١ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ٢، أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ، أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ، إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَصَرَفَ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ، يَنْظُرُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثم سلك طريق الْوُسْطَى الَّتِي تُخْرِجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا سَبْعَ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ،
_________________
(١) ١ قوله: شنق - بتخفيف النون، بعد الشين - أي ضم وضيق الزمام. ٢ الحبال هنا - بالحاء المهملة المكسورة - جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم - كذا في النووي -[البجنوري] .
[ ٣ / ٥٠ ]
رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: "انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْت مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهَا، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الثَّانِي، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبَزَّارُ، وَالدَّارِمِيُّ، فِي "مَسَانِيدِهِمْ" قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، فَنَحَرَ لِكُلِّ سَنَةٍ مِنْ سِنِيهِ بَدَنَةً، وَأَمَرَ عَلِيًّا بِالْبَاقِي، فَنَحَرَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ ﵇: "مَنْ أَتَى الْبَيْتَ فَلْيُحَيِّهِ بِالطَّوَافِ"، قُلْت: غَرِيبٌ جِدًّا١.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَعِدَ الصَّفَا حَتَّى إذَا نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ قَامَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو اللَّهَ، قُلْت: تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، فَبَدَأَ بالصفا، فرمى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: وَالرَّفْعُ سُنَّةُ الدُّعَاءِ، قُلْت: فِيهِ أَحَادِيثُ: فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ - فِي الدُّعَاءِ"٢ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَخِيهِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْك حَذْوَ مَنْكِبَيْك، وَنَحْوَهُمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ، وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْك جَمِيعًا، انْتَهَى. ثُمَّ أَخْرَجَهُ عن سفيان عن عباس بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ، انْتَهَى. وَهُوَ مَعْلُولٌ بِابْنِ لَهِيعَةَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةً الْقَعْنَبِيُّ ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ
_________________
(١) ١ قال الحافظ في "الدراية": لم أجده ص ١٩٢. ٢ جميع أحاديث أبي داود في هذه المسألة في "الدعاء" ص ٢٠٩ - ج ١.
[ ٣ / ٥١ ]
بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ"، قَالَ أَبُو دَاوُد: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ، وَهَذَا الطَّرِيقُ أَمْثَلُهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، انْتَهَى. قُلْت: رَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ" أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ سَوَاءً، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "الدُّعَاءِ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِهِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "الصَّلَاةِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ"، وَابْنُ مَاجَهْ ١ فِي "الدُّعَاءِ" عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ إلَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ"، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرْفَعْهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي "الدَّعَوَاتِ" عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى الْجُهَنِيِّ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يحطمها حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ": حَمَّادُ بْنُ عِيسَى الْجُهَنِيِّ يَرْوِي الْمَقْلُوبَاتِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا معمولة لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الْحَقِّ، قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ، فَلَيْسَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، بَلْ فِيهَا أَنَّهُ غَرِيبٌ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، ذَكَرْت مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ عِشْرِينَ حَدِيثًا فِي "شَرْحِ الْمُهَذَّبِ"، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَخْرُجُ إلَى الصَّفَا مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ، وإنما خَرَجَ النَّبِيُّ ﵇ مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ، وهو يسمى باب الصفاء، لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْأَبْوَابِ إلَى الصَّفَا، لَا أَنَّهُ سُنَّةٌ، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٢ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا،
_________________
(١) ١ عند أبي داود: ص ٢٠٩ - ج ١، والترمذي: ص ٢٠٠ - ج ٢، وابن ماجه في "باب رفع اليدين عند الدعاء" ص ٢٨٤. ٢ وعند مسلم في "باب ذكر خروج النبي ﷺ إلى الصفا من الباب الذي يخرج منه" ص ٤٠ - ج ٢.
[ ٣ / ٥٢ ]
ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّفَا مِنْ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سُنَّةٌ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ"١ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيّ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ زُنْبُورٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بن عمر عن نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ" حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ الْقَاضِي بِطَبَرِيَّةَ ثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ ثَنَا أَبِي ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا، فَارْتَقَى الصَّفَا، فَقَالَ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الْآيَةَ، انْتَهَى. وَقَالَ: لَمْ نَكْتُبْهُ إلَّا عَنْ الشَّيْخِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "غَرَائِبِ مَالِكٍ" ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَحْمُودٍ النَّيْسَابُورِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُتْبَةَ ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ محمد الطلحي ثنا سهل أَبُو عَمْرٍو ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا، وَهُوَ يَقُولُ: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"، انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كَذَا قَالَ، وَالصَّوَابُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا، وَلَيْسَ فِيهِ الْمَقْصُودُ.
حَدِيثٌ آخَرُ مُرْسَلٌ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ خَرَجَ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ فِي "تَارِيخِ مَكَّةَ" عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّلَاثُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ نَزَلَ مِنْ الصَّفَا وَجَعَلَ يَمْشِي نَحْوَ الْمَرْوَةِ، وَسَعَى فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى إذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، مَشَى حَتَّى صَعِدَ الْمَرْوَةَ، فَطَافَ بَيْنَهُمَا سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، قُلْت: تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ، حَتَّى إذَا صَعِدَ مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إذَا كَانَ آخِرُ
_________________
(١) ١ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٢٤٨ - ج ٣: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه عبد الرحمن بن عبد الله أبو القاسم العمري، قال أحمد: كان كذابًا.
[ ٣ / ٥٣ ]
الطَّوَافِ عَلَى الْمَرْوَةِ، الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ"١ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَالْحَدِيثَانِ لَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرُ الْأَشْوَاطِ، وَهِيَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﵇ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَا عَنْ عَائِشَةَ ٣ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ: قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، مُخْتَصَرٌ. وَرَوَى أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي "تَارِيخِ مَكَّةَ" حَدَّثَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ صَالِحٍ مولى التوءَمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: السُّنَّةُ فِي الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ الصَّفَا، ثُمَّ يَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ بَطْنَ الْمَسِيلِ، فَإِذَا جَاءَهُ سَعَى حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُ، ثُمَّ يَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇: "ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"، قُلْت: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَهِيَ: أَبْدَأُ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، أَوْ: نَبْدَأُ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَمَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ"٤، وَالثَّانِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ٥، فَهِيَ ابْدَءُوا، وَهَذَا هُوَ حَدِيثُ الْكِتَابِ، وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ، والدارقطني، ثُمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنِهِمَا" وَإِنَّمَا ذَكَرْت ذَلِكَ لِأَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ عَزَا لَفْظَ الْأَمْرِ لِمُسْلِمٍ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ هَذَا مِنْ الْمُحَدِّثِ لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ إنَّمَا يَنْظُرُ فِي الْإِسْنَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ مِنْ الْفَقِيهِ، لِأَنَّ وَظِيفَتَهُ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَلْفَاظِ، فَالْمُحَدِّثُ إذَا قَالَ: أَخْرَجَهُ فُلَانٌ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَصْلَ الْحَدِيثِ لَا بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ بِعَيْنِهَا، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ عَلَى ذِكْرِ طَرَفِ الْحَدِيثِ، فَعَلَى الْفَقِيهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْتَجَّ بِحَدِيثٍ، عَلَى حُكْمٍ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ اللَّفْظَةُ الَّتِي تُعْطِيهِ مَوْجُودَةً فِيهِ، حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ احْتَجَّ بِهَذِهِ
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة" ص ٢١٩، وعند مسلم: ص ٤١٠. ٢ عند مسلم: ص ٤٠٥، وعند البخاري في "باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة" ص ٢٢٣ - ج ١. ٣ عند البخاري في "باب وجوب الصفا والمروة" ص ٢٢٢، وعند مسلم: ص ٤١٤. ٤ عند الترمذي في "باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا" ص ١١٧، وعند أبي داود في حديث جابر: ص ٢٦٢، وعند ابن ماجه في "باب حجة رسول الله ﷺ" ص ٢٢٨، و"موطأ مالك - في باب البدء بالصفا في السعي" ص ١٤٥. ٥ عند النسائي في "باب القول بعد ركعتي الطواف" في حديث جابر: ص ٣٩ - ج ٢، والبيهقي: ص ٩٤ - ج ٥، وعند الدارقطني: ص ٢٧٠.
[ ٣ / ٥٤ ]
اللَّفْظَةِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ، وَقَدْ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي "شَرْحِ الْإِلْمَامِ"، وَلَمْ يُحْسِنْ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ ﵀ إذْ أَهْمَلَ ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، مُعْتَمِدًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، فَإِنَّهُ خِلَافُهُ، وَلَكِنَّهُ قَلَّدَ غَيْرَهُ، فَأَهْمَلَاهُ، وَقَالَ فِي "الْإِمَامِ": الْحَدِيثُ وَاحِدٌ، وَمَخْرَجُهُ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّهُ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، وَقَدْ يُؤْخَذُ الْوُجُوبُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ أَيْضًا مَعَ ضَمِيمَةِ قَوْلِهِ ﵇: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ لَنَا: " خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنَى لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا"، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ تَمْلِكَ الْعَبْدَرِيَّةِ، وَمِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ.
فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"١ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النظر الْأَزْدِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّمَلِ، فَقَالَ: "إنَّ اللَّهَ ﷿ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا"، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ: فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ٢، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" وَسَكَتَ عَنْهُ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" بِابْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَأَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَوَافَقَهُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ، الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنَيْهِمَا"، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المؤمل العائذي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ ٣ - إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا
_________________
(١) ١ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد - في باب ما جاء في السعي" ص ٢٤٨ - ج ٣: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه المفضل بن صدقة، وهو متروك. ٢ عند أحمد: ص ٤٢١ - ج ٦، والدارقطني من طريق الشافعي: ص ٢٧٠، والبيهقي من طريق الشافعي: ص ٩٨ - ج ٥، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٢٤٧ - ج ٣: رواه أحمد، والطبراني في "الكبير" وفيه عبد الله بن المؤمل، وثقة ابن حبان، وقال: يخطئ، وضعفه غيره. ٣ قوله: تجزأة، قال في القاموس - في مادة: ج ز -: وحبيبة بنت أبي تجزأة - بضم التاء، وسكون الجيم - صحابية، اهـ. فما وقع في بعض النسخ من رسمها: شجرأة - بالشين، قبل الجيم، وبالراء المهملة، بعدها - تحريف لا يعول عليه، كذا في هوامش "فتح القدير" ص ١٥٧ - ج ٢.
[ ٣ / ٥٥ ]
وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى، حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ"، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" أَيْضًا فِي "الْفَضَائِلِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُبَيْهٍ عَنْ جَدَّتِهِ صَفِيَّةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ بِنَحْوِهِ، وَسَكَتَ عَنْهُ أَيْضًا، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ، فَذَكَرَهُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَخْطَأَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَوْ شَيْخُهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَلَ مَوْضِعَ ابْنِ مُحَيْصِنٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حُسَيْنٍ، وَالْآخَرُ: أَنَّهُ أَسْقَطَ صَفِيَّةَ بِنْتَ شَيْبَةَ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": وَعِنْدِي أَنَّ الْوَهْمَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، فَإِنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ إمَامٌ كَبِيرٌ، وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ثِقَةٌ، وابن المؤمل سيء الْحِفْظِ: وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا١، فَأَسْقَطَ عَطَاءً مَرَّةً، وَابْنَ مُحَيْصِنٍ أُخْرَى، وَصْفِيَّةَ بِنْتَ شَيْبَةَ أُخْرَى، وَأَبْدَلَ ابْنَ مُحَيْصِنٍ، بِابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ أُخْرَى، وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ عَبْدَرِيَّةً تَارَةً، وَيَمَنِيَّةً أُخْرَى، وَفِي الطَّوَافِ تَارَةً، وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أُخْرَى، وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى سُوءِ حِفْظِهِ، وَقِلَّةِ ضَبْطِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٢ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنِي مَعْرُوفُ بْنُ مُشْكَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ، قَالَتْ: أَخْبَرَنِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ اللَّاتِي أَدْرَكْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قُلْنَ: دَخَلْنَا دَارَ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، فَرَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ، إلَى آخِرِهِ، قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمَعْرُوفُ بْنُ مُشْكَانَ بَانِي كَعْبَةِ الرَّحْمَنِ، صَدُوقٌ لَا نَعْلَمُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ، وَمَنْصُورٌ هَذَا ثِقَةٌ، مُخْرَجٌ لَهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ تَمْلِكَ الْعَبْدَرِيَّةِ: فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ" وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"٣ عَنْ مِهْرَانَ بْنِ أَبِي عُمَرَ ثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ تَمْلِكَ الْعَبْدَرِيَّةِ، قَالَتْ: نَظَرْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا فِي غُرْفَةٍ لِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ يَقُولُ:
_________________
(١) ١ وقال ابن الهمام في "الفتح" ص ٧٥١ - ج ٢، مجيبًا عما قال ابن القطان، وهذا لا يضر بمتّن الحديث، إذ بعد تجويز المتقنين له لا يضره تخليط بعض الرواة، وقد ثبت من طرق عديدة: منها طريق الدارقطني عن ابن المبارك: أخبرني معروف بن مشكان، أخبرني منصور بن عبد الرحمن عن أخته صفية، قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله ﷺ، قلن: دخلنا دار ابن أبي حسين فرأينا رسول الله ﷺ يطوف، الخ، قال: صاحب "التنقيح": إسناده صحيح، وراجع بقية ما قال ابن الهمام. ٢ عند الدارقطني. ص ٢٧٠. ٣ عند البيهقي في: ص ٩٨ - ج ٥، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ١٤٨ - ج ٣: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه المثنى بن الصباح، وقد وثقه ابن معين في رواية، وضعفه جماعة.
[ ٣ / ٥٦ ]
"أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا"، انْتَهَى. تَفَرَّدَ بِهِ مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"١ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدٍ الْحَضْرَمِيِّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْأَوْدِيُّ ثَنَا حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ"، انْتَهَى. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "عِلَلِهِ" فِي هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَيْصِنٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ، وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي "كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ"، الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇، وَهُوَ مُقَارِنٌ فِعْلَهُ، وَالْآخَرُ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ لَا غَيْرُ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ، نَحْوُ مَا رَوَتْهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ أبي تجزأة، قَالَتْ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ يَسْعَى، وَهُوَ يَقُولُ: "اسْعَوْا فَإِنَّ، اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ"، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ: الْحَجُّ عَرَفَةَ، لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلٍ، وَالْأَوَّلُ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَفِيهِ أَيْضًا إخْبَارُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا، فَكَانَ أَوْلَى، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ ٢ فِي "كِتَابِ الْمَغَازِي" حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ بَرَّةَ بنت أبي تجزأة، قَالَتْ: لَمَّا انْتَهَى النَّبِيُّ ﵇ إلَى السَّعْيِ، قالت: "أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ، فَاسْعَوْا". قَالَتْ: فَسَعَى حَتَّى رَأَيْت إزَارَهُ انْكَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇: " الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ"، قُلْت: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ، مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، مِنْ حَدِيثِ فُضَيْلٍ بْنِ عِيَاضٍ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" ٣ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ، فَمَنْ نَطَقَ فِيهِ فَلَا يَنْطِقْ إلَّا بِخَيْرٍ"، انْتَهَى. وَسَكَتَ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ ٤ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ بِهِ، بِلَفْظِ الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ، مِثْلُ الصَّلَاةِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، وَغَيْرُهُ عَنْ طَاوُسٍ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا
_________________
(١) ١ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ١٤٨ - ج ٣: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه المثنى بن الصباح، وفيه كلام، كما مر. ٢ عند البيهقي من طريق الواقدي: ص ٩٨ - ج ٥، وفيه منصور بن صفية عن أمه عن عزيزة بنت أبي تجزأة، وفي الهامش بسرة، أو برة، كما في "الاصابة". ٣ عند الحاكم في "المستدرك - في باب أن الطواف مثل الصلاة" ص ٤٥٩ - ج ١. ٤ عند الترمذي في "باب قبيل كتاب الجنائز" ص ١٢٨.
[ ٣ / ٥٧ ]
مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، انْتَهَى. وَعَنْ الْحَاكِمِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ"١ بِسَنَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَفَعَهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي "الْإِمَامِ": هَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، أَمَّا الْمَرْفُوعُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ٢: أَحَدُهَا: رِوَايَةُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، رَوَاهَا عَنْهُ جَرِيرٌ، وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، وَسُفْيَانُ، أَخْرَجَهَا كُلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ. الْوَجْهُ الثَّانِي: رِوَايَةُ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ٣، رَوَاهَا عَنْهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ". الْوَجْهُ الثَّالِثُ: رِوَايَةُ الْبَاغَنْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، فَأَمَّا طَرِيقُ عَطَاءٍ، فَإِنَّ عَطَاءً مِنْ الثِّقَاتِ، لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ بِآخِرِهِ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَجَمِيعُ مَنْ رَوَى عَنْهُ رَوَى عَنْهُ فِي الِاخْتِلَاطِ، إلَّا شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، وَمَا سَمِعَ مِنْهُ جَرِيرٌ وَغَيْرُهُ، فَلَيْسَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ، وَأَمَّا طَرِيقُ لَيْثٍ فَلَيْثٌ رَجُلٌ صَالِحٌ صَدُوقٌ يُسْتَضْعَفُ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ، مِثْلُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَعَلَّ اجْتِمَاعَهُ مَعَ عَطَاءٍ يُقَوِّي رَفْعَ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا طَرِيقُ الْبَاغَنْدِيِّ، فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ لَمَّا ذَكَرَهَا قَالَ: وَلَمْ يَصْنَعْ الْبَاغَنْدِيُّ شَيْئًا في رفعه بهذه الرِّوَايَةِ، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ مَوْقُوفًا، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الطبراني في "معجمه الوسط" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، لَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "الطَّوَافُ صَلَاةٌ، فَأَقِلُّوا فِيهِ الْكَلَامَ"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا طَلَعَتْ الشَّمْسُ رَاحَ إلَى مِنًى، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ رَاحَ إلَى عَرَفَاتٍ، قُلْت: تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى بِمِنًى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، إلَى أَنْ قَالَ: فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ٤ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا
_________________
(١) ١ وكذلك عند البيهقي في "السنن" من طريق الحاكم: ص ٧٨ - ج ٥. ٢ كلها مذكورة في "السنن" للبيهقي: ص ٨٧ - ج ٥. ٣ عند البيهقي في "السنن" ص ٨٧ - ج ٥. ٤ عند الترمذي في "باب ما جاء في الخروج إلى منى، والمقام بها" ص ١١٩، وابن ماجه في "باب الخروج إلى منى" ٢٢٢ - ج ١.
[ ٣ / ٥٨ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا إلَى عَرَفَاتٍ، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ تَكَلَّمُوا فِيهِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ١ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: قُلْت لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ عَقَلْته عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى، قُلْت: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ: وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ يُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَيَبْدَأُ فَيَخْطُبُ خُطْبَةً - يَعْنِي قَبْلَ الصَّلَاةِ - ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قُلْت: تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ ﵇ خَطَبَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَفْظُهُ: فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إذا زاغت الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا"، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فصلى العصر، ولم يصلي بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ رَافِعًا يَدَيْهِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، الْحَدِيثَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٢ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالصُّبْحَ بِمِنًى، ثُمَّ يَغْدُوَ إلَى عَرَفَةَ حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، ثُمَّ يُفِيضَ فَيُصَلِّيَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَوْ حَيْثُ قَضَى اللَّهُ، ثُمَّ يَقِفَ بِجَمْعٍ، حَتَّى إذَا أَسْفَرَ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ، إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، حَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ، انْتَهَى. وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: "يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ": أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"٣ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ
_________________
(١) ١ عند مسلم في: ص ٤٢٢. ٢ ص ٤٦١. ٣ عند أبي داود في "باب الخروج إلى عرفة" مختصرًا ص ٢٦٥ - ج ١، وقال الحافظ في "الدراية" ص ١٩٣: وابن إسحاق لم يحتج بما ينفرد به من الأحكام، فضلًا عما إذا خالفه من هو أثبت منه، والله أعلم.
[ ٣ / ٥٩ ]
رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ، انْتَهَى. قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ": وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵇ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَالْمُسْلِمُونَ، وَأَعَلَّهُ هُوَ، وَابْنُ الْقَطَّانِ بَعْدَهُ بِابْنِ إسْحَاقَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا خَرَجَ وَاسْتَوَى عَلَى نَاقَتِهِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْت: غَرِيبٌ جِدًّا.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَقَدْ وَرَدَ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ بالجمع بين الصلاتين - بين الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ - قَالَ: وَفِيمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ ﵇ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، قُلْت: تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَذَّنَ، فَأَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قام، فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ رَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ، قُلْت: هُوَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، وَأَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ حتى أَتَى الْمَوْقِفَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا لِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عرفة، وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ وَادِي مُحَسِّرٍ"، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃.
فَحَدِيثُ جَابِرٍ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ"١ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عرفة، وكل مزدلفة مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ إلَّا مَا وَرَاءَ الْعَقَبَةِ"، انْتَهَى. وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ مَتْرُوكٌ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ": كَانَ أَحْمَدُ يَرْمِيهِ بِالْكَذِبِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند ابن ماجه في "باب الموقف بعرفات" ص ٢٢٢.
[ ٣ / ٦٠ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: فَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"١ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ، وَكُلُّ فِجَاجِ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ"، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى الْأَشْدَقَ لَمْ يُدْرِكْ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، انْتَهَى. قُلْت: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ وَالْأَرْبَعِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَذَكَرَهُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ بِهِ، بِلَفْظِ أَحْمَدَ سَوَاءً، قَالَ الْبَزَّارُ: وَرَوَاهُ سُوَيْد بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ فِيهِ: عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، وهو رَجُلٌ لَيْسَ بِالْحَافِظِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ إذَا انْفَرَدَ بِحَدِيثٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ هُوَ الصَّوَابُ، مَعَ أَنَّ ابْنَ أَبِي حُسَيْنٍ لَمْ يَلْقَ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّا لَا نَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ، إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَذَلِكَ ذَكَرْنَاهُ، وَبَيَّنَّا الْعِلَّةَ فِيهِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"٢ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الرَّقِّيِّ ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ عباد الرواسي ثَنَا سُوَيْد بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ بِنَحْوِهِ، لَيْسَ فِيهِ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا فِي "كِتَابِ مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ" عَنْ حَفْصِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا كَذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ الْأَصْبَهَانِيُّ حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ ثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُلَيْكِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بطن عرفة، وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَيُرَاجَعُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِلَفْظِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا يَرْوِيه بِهَذَا الْإِسْنَادِ
_________________
(١) ١ عند أحمد: ص ٨٢ - ج ٤ عن أبي المغيرة، وأبي اليمان عن سعيد بن عبد العزيز. ٢ قال الهيثمي ص ٢٥١ - ج ٣: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في "الكبير" إلا أنه قال: وكل فجاج مكة منحر، ورجاله موثقون.
[ ٣ / ٦١ ]
إلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، ثُمَّ أَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَوَافَقَهُمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ أَيْضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ دَاوُد بْنِ فَرَاهِيجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، نحوه سواء، وأعله يزيد بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَالَ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَنُقِلَ عَنْ النَّسَائِيّ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ وَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ، قُلْت: تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، كُلَّمَا أَتَى حَبَلًا من الحبال أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي "الصَّوْمِ" عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﵇ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ وَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، قُلْت: هُوَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: قَالَ ﵇: " خَيْرُ الْمَوَاقِفِ مَا اسْتَقْبَلْت بِهِ الْقِبْلَةَ"، قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ في "المستدرك - كِتَابِ الْأَدَبِ" عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ ١ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفًا، وَإِنَّ شَرَفَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ، وَإِنَّمَا الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ، وَلَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَلَا الْمُتَحَدِّثِ، وَاقْتُلُوا الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ بِالثِّيَابِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَأَنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ نَزَلَ
_________________
(١) ١ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٥٩ - ج ٨ في حديث ابن عباس. رواه الطبراني، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو متروك.
[ ٣ / ٦٢ ]
وَحْدَهُ، وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَجَلَدَ عَبْدَهُ، قَالَ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ يَبْغُضُ النَّاسَ، أَوْ يَبْغُضُونَهُ، قَالَ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: مَنْ لَمْ يُقِلْ عَثْرَةً، وَلَمْ يَقْبَلْ مَعْذِرَةً، وَلَمْ يَغْفِرْ ذَنْبًا، قَالَ: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ، إنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇، قَامَ فِي قَوْمِهِ، فَقَالَ: "يَا بَنِي إسْرَائِيلَ لَا تَتَكَلَّمُوا بِالْحِكْمَةِ عِنْدَ الْجَاهِلِ فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ، وَلَا تَظْلِمُوا، وَلَا تُكَافِئُوا ظَالِمًا بِظُلْمٍ، فَيَبْطُلُ فَضْلُكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، يَا بَنِي إسْرَائِيلَ الْأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكِلُوهُ إلَى عَالِمِهِ"، انْتَهَى. وَسَكَتَ الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ"، فَقَالَ: وَهِشَامُ بْنُ زِيَادٍ مَتْرُوكٌ، انْتَهَى. وَعَنْ الْحَاكِمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهِشَامُ بْنُ زِيَادٍ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِسَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ ثَنَا أَبِي حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الضَّبِّيُّ عن قاسم بْنِ عُرْوَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ ﵇، فَذَكَرَ بِنَحْوِهِ، بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي "كِتَابَيْهِمَا"، وَأَعَلَّاهُ بِهِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، وَأَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ تَضْعِيفَهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدَ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَوَافَقَهُمْ، وَقَالَ: إنَّ الضَّعْفَ عَلَى رِوَايَاتِهِ بَيِّنٌ، انْتَهَى. قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ طَرِيقٌ يَثْبُتُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: هِشَامُ بْنُ زِيَادٍ مِمَّنْ أُجْمِعَ عَلَى ضَعْفِهِ، وَتَرْكِ حَدِيثِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَصَالِحٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُ سَرَقَهُ مِنْ هِشَامٍ، فَإِنَّهُ بِهِ أَشْهَرُ، وَبِهِ يُعْرَفُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ أَيْضًا عَنْ تَمَّامِ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِهِ، وَضَعَّفَ تَمَّامًا عَنْ جَمَاعَةٍ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِهِ، وَأَسْنَدَ عَنْ الْبُخَارِيِّ: قَالَ فِي عِيسَى هَذَا: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" وَالطَّبَرَانِيُّ في "معجمه الوسط" مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ ١ بْنِ أبي حمزة النصيبيني عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَكْرَمُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ"، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وأعله بحمزة النصيبيني، وَقَالَ: إنَّهُ يَضَعُ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي "تَارِيخِ أَصْبَهَانَ - فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ"
_________________
(١) ١ قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه حمزة بن أبي حمزة، وهو متروك.
[ ٣ / ٦٣ ]
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مرفوعًا: خبر الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو يَوْمَ عَرَفَةَ مَادًّا يَدَيْهِ، كَالْمُسْتَطْعِمِ الْمِسْكِينِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ"١ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَيْته ﵇ يَدْعُو بِعَرَفَةَ يَدَاهُ إلَى صَدْرِهِ، كَالْمُسْتَطْعِمِ الْمِسْكِينِ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ حَدَّثَنَا عُبَادَةَ ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، مَادًّا يَدَيْهِ، كَالْمُسْتَطْعِمِ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا عَنْ الْفَضْلِ إلَّا هَذَا الطَّرِيقَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" وَأَعَلَّهُ بِحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ مديني، يكنى أبا عبيد اللَّهِ، يَرْوِي عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْهُ ابْنُ إسْحَاقَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُهُمَا، ثُمَّ قَالَ: هو مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، فَإِنِّي لَمْ أَجِدْ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا جَاوَزَ الْمِقْدَارَ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَإِنْ وَرَدَ الْآثَارُ بِبَعْضِ الدَّعَوَاتِ، قُلْت:٢.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ لِأُمَّتِهِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، إلَّا فِي الدِّمَاءِ، وَالْمَظَالِمِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ"٣ عَنْ عَبْدِ الْقَاهِرِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ عَنْ أَبِيهِ كنانة عن أبي عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَأُجِيبَ: إنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُمْ، مَا خَلَا الْمَظَالِمَ، فَإِنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ، قَالَ: " رَبِّ إنْ شِئْت أَعْطَيْت الْمَظْلُومَ الْجَنَّةَ، وَغَفَرْت لِلظَّالِمِ"، فَلَمْ يُجِبْهُ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَوْ قَالَ: فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْت تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَك، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّك؟ قَالَ: "إنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْت مِنْ جَزَعِهِ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" وَعَبْدُ اللَّهِ ٤ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي "مُسْنَدِ أَبِيهِ"، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ
_________________
(١) ١ عند البيهقي: ص ٧١١ - ج ٥. ٢ لم توجد العبارة ههنا في الأصول. ٣ عند ابن ماجه في "باب الدعاء بعرفة" ص ٢٢٢ - ج ١. ٤ عند أحمد في: ص ١٤ - ج ٤، بمعناه.
[ ٣ / ٦٤ ]
فِي "مُسْنَدِهِ"، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ في "الكامل"، وأعله بكنانة، وَأَسْنَدَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كِنَانَةُ رَوَى عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ": كِنَانَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَسْلَمِيٌّ يَرْوِي عن أبيه، وروى عن ابْنُهُ، مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا، فَلَا أَدْرِي التَّخْلِيطَ فِي حَدِيثِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَبِيهِ، وَمِنْ أَيِّهِمَا كَانَ، فَهُوَ سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ بِمَا رَوَى، وَذَلِكَ لِعِظَمِ مَا أَتَى مِنْ الْمَنَاكِيرِ عَنْ الْمَشَاهِيرِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ ١ فِي "الْمَوْضُوعَاتِ" مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ ثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدبري حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ قَتَادَةَ يَقُولُ: ثَنَا خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَغَفَرَ لَكُمْ، إلَّا التَّبَعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ، فَادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ، وَإِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ عَلَى جِبَالِ عَرَفَاتٍ يَنْظُرُونَ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِهِمْ، فَإِذَا نَزَلَتْ الْمَغْفِرَةُ دَعَا هُوَ وَجُنُودُهُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ"، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، وَالرَّاوِي عَنْ قَتَادَةَ مَجْهُولٌ، وَخِلَاسٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ أَيُّوبُ: لَا تَرْوُوا عَنْهُ، فَإِنَّهُ صَحَفِيٌّ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ"٢ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، انْتَهَى. وَزَادَ فِيهِ ابْنُ مَاجَهْ، فَلَمَّا رَمَاهَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قُلْت: فِيهِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ٣ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ: هَذِهِ عرفة، وعرفة كُلُّهَا مَوْقِفٌ، ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِينَتِهِ، وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ، الْحَدِيثَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ عَنْ عَلِيٍّ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ قال الحافظ في "الدراية" ص ١٩٤: قلت: وفي الباب عن ابن عمر في "تفسير الطبري". ٢ عند مسلم ص ٤١٥ - ج ١، والبخاري في "باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي جمرة العقبة" ص ٢٢٨ - ج ١، وابن ماجه في "متى يقطع الحاج التلبية" ص ٢٢٤ - ج ١. ٣ عند أبي داود في "باب الدفعة من عرفة" ص ٢٦٦ - ج ١، وابن ماجه في "باب الموقف بعرفات" ص ٢٢٢، والترمذي في "باب ما جاء أن عرفة كلها موقف" ص ١٢٠ - ج ١.
[ ٣ / ٦٥ ]
حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، إلَى أَنْ قَالَ: وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ، الْحَدِيثَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" ١ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ثَنَا أَبِي عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: كُنْت رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا وَقَعَتْ الشَّمْسُ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": هَذَا إسْنَادٌ حسن، وانفرد بِهِ أَبُو دَاوُد، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ عَلَى رُءُوسِهَا، وَإِنَّمَا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مُنْبَسِطَةً، انْتَهَى. وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، قَالَ: فَقَدْ صَحَّ بِهَذَا سَمَاعُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا كَمَا يَتَوَهَّمُهُ رَعَاعُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لَهُ رُؤْيَةً بِلَا سَمَاعٍ، وَذَكَرَ أَحَادِيثَ أُخْرَى فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ٢، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ جِهَتِهِ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "إنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى تَكُونَ الشَّمْسُ، كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَمِنْ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَكُونَ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ، نَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، هَدْيُنَا مُخَالِفٌ لِهَدْيِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ"، انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ": وَهُوَ مُرْسَلٌ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ تَابِعِيٌّ سَمِعَ عَائِشَةَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَظُنُّ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ عَنْهُ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا، فَإِنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ رَوَى عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، وَذَكَرَ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي "الْمُهَذَّبِ" عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، انْتَهَى. قُلْت: لَيْسَ مَا قَالَهُ أَبُو إسْحَاقَ سَهْوًا، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَعَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ" ٣ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب الدفعة من عرفة" ص ٢٦٦ - ج ١. ٢ وسند الحديث في النسخة المطبوعة من السنن هكذا: ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن محمد بن قيس ابن مخرمة، الخ. وليس في سنده الشافعي، ولا شيخه مسلم بن خالد. ٣ سنده: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا عبد الرحمن بن المبارك العنسي ثنا عبد الوارث، الخ. ولم أجد في "المستدرك" هذا الحديث في مظانه، وفي "مجمع الزوائد" ص ٣٥٥ - ج ٣ عن المسور بن مخرمة، الخ. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٦٦ ]
وَقَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" فَقَالَ: يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أُخْبِرْت عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ خَطَبَ بِعَرَفَةَ، فَذَكَرَهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"١ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَزِيزٍ الْمَوْصِلِيُّ ثَنَا غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ حَتَّى تُعَمِّمَ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَتَصِيرَ فِي رُءُوسِهَا كَعَمَائِمِ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُفِيضُ حَتَّى تَغْرُبَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى يَقُولُونَ: أَشْرَقَ ثَبِيرٌ، فَلَا يُفِيضُونَ حَتَّى تصير الشمس على رُءُوسِ الْجِبَالِ كَعَمَائِمِ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَأَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كان لا يُفِيضُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَمْشِي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي الطَّرِيقِ - يَعْنِي طَرِيقَ الْمُزْدَلِفَةِ - عَلَى هِينَتِهِ، قُلْت: تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى رَأْسَهَا لِيُصِيبَ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ"، كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنْ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا ٢ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأُسَامَةُ رِدْفَهُ، قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ حَتَّى أَتَى جَمْعًا، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ٣ - وَكَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﵇ - أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: " عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ"، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وَهُوَ مِنْ مِنًى، قَالَ: " عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي تُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ"، وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ، انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ لِأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ: " هَذِهِ عَرَفَةُ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ"، ثُمَّ أَفَاضَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِينَتِهِ، وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: "أيها الناس، عليكم بالسكينة"، الْحَدِيثَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
_________________
(١) ١ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٢٥٥ - ج ٣: قلت: في "الصحيح" بعضه رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه جعفر بن ميسرة الأشجعي، وهو ضعيف. ٢ عند مسلم: ص ٤١٧. ٣ عند مسلم في "باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر" ص ٤١٥ - ج ١.
[ ٣ / ٦٧ ]
قَوْله: رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ دَعَتْ بِشَرَابٍ بَعْدَ إفَاضَةِ الْإِمَامِ فَأَفْطَرَتْ، ثُمَّ أَفَاضَتْ، قُلْت: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"١ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ، ثُمَّ تُفِيضُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا الْجَبَلِ - يَعْنِي قُزَحَ - وَكَذَا عُمَرُ، قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ٢، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ، وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ: " هَذِهِ عَرَفَةُ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ"، ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِينَتِهِ، وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: " أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ السكنية"، ثُمَّ أَتَى جَمْعًا، فَصَلَّى بِهِمْ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، الْحَدِيثَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" ٣ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ حِينَ وَقَفَ، مُخْتَصَرٌ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" أَخْبَرَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْهِلَالِيُّ ثَنَا يُونُسُ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ بِجَمْعٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى قُزَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْمَوْقِفُ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ، ثُمَّ دَفَعَ حِينَ أَسْفَرَ، انْتَهَى.
وَحَدِيثُ عُمَرَ غَرِيبٌ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ - يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ -، قُلْت: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، انْتَهَى. وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، فَإِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا٤
_________________
(١) ١ قال الحافظ في "الدراية" ص ٥٠٢: وإسناده صحيح. ٢ عند أبي داود في "باب الدفعة من عرفة" ص ٢٦٦، وعند الترمذي في "باب ما جاء أن عرفة كلها موقف" ص ١٢٠ - ج ١. ٣ هذا حديث ملفق من حديث عطاء عن جابر، وابن عباس: ص ٤٧٤ - ج ١، والله أعلم. ٤ وعند البخاري في "باب من جمع بينهما، ولم يتطوع" ص ٢٢٧ - ج ١.
[ ٣ / ٦٨ ]
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ، جَمَعَ النَّبِيُّ ﵇ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُخَالِفَانِ لِلْأَوَّلِ، وَلِمَا يَأْتِي بَعْدُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ، قُلْت لَهُ: الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَك"، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الله بن زيد عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُزْدَلِفَةِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ" أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا قَيْسٌ ٢ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَامِعٍ، صَوَابُهُ: حَازِمٌ، عَنْ عَدِيٍّ بِهِ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَدِيٍّ بِهِ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ فُضَيْلٍ الرُّؤَاسِيِّ ثنا محمد بن سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي دَاوُد حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ٣ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، انْتَهَى. وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْإِقَامَةِ، أَخْرَجَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيَّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﵇ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، زَادَ الْبُخَارِيُّ: جَمِيعًا، خَرَّجَهُ فِي "الْمَغَازِي".
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٤ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا بَلَغْنَا جَمْعًا صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ، انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ": وَجَعَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَكَانَ ابْنِ عُمَرَ، ابْنَ عَبَّاسٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا أَسْنَدَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ وَكِيعٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ،
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة" ص ٢٢٧، وعند مسلم: ص ٤١٦. ٢ وعند الطحاوي أيضًا عن قيس عن غيلان بن جامع: ص ٤١٠ - ج ١. ٣ عند البخاري في "باب من جمع بينهما ولم يتطوع" ص ٢٢٧، وبزيادة جميعًا في "حجة الوداع" ص ٦٣٣، وعند مسلم: ص ٤١٧. ٤ عند مسلم: ص ٤١٧.
[ ٣ / ٦٩ ]
وَحَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ ذِكْرُ الْأَذَانِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ١ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقْبَلْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ عَرَفَاتٍ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يَفْتُرُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، حَتَّى أَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، أَوْ أَمَرَ إنْسَانًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيْنَا، فَقَالَ: الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِنَا الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عِلَاجُ بْنُ عَمْرٍو بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْخَمْسُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ تَعَشَّى، ثُمَّ أَفْرَدَ الْإِقَامَةَ لِلْعِشَاءِ، قُلْت: غَرِيبٌ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ ٢ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَأَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ حِينَ الْأَذَانِ بِالْعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ - أَرَى - فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، قَالَ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إلَّا مِنْ زُهَيْرٍ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ، قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ في هَذَا الْيَوْمِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا، صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأْتِي النَّاسُ الْمُزْدَلِفَةَ، وَالْفَجْرُ حِينَ بَزَغَ ٣ الْفَجْرُ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ، انْتَهَى. وَأَعَادَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ إلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ، كُلُّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعْ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ: المغرب، فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلَاةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ"، ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الْآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ، فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ"، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"، وَلَفْظُهُ قَالَ: فَلَمَّا أَتَى جَمْعًا أَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَعَشَّى، ثُمَّ أَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَنْ عُمَرَ ٤ نَحْوَهُ، وَلَمْ يُحْسِنْ
_________________
(١) ١ في "باب الصلاة بجمع" ص ٢٦٧. ٢ عند البخاري في "باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما" ص ٢٢٧ - ج ١،وفي "باب متى يصلى الفجر بجمع"ص ٢٢٨- ج ١. ٣ كذا في - نسخة الدار - أيضًا، وفي نسخة أخرى "يبزغ" [البجنوري] . ٤ وأخرجه الطحاوي: ص ٤٠٩ - ج ١ عن إبراهيم عن الأسود أنه صلى مع عمر بن الخطاب صلاتين مرتين، بجمع كل صلاة بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم قال الطحاوي: ما كان من فعل عمر وتأذينه للثانية، لكون الناس تفرقوا لعشائهم، فأذن ليجمعهم، وكذلك نحن نقول، فإذا تفرق الناس عن الإمام لأجل عشاء أو غيره، وكذلك معنى ما روي عن ابن عباس.
[ ٣ / ٧٠ ]
شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ إذْ اسْتَشْهَدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا، وَلَيْسَ فِيهِ الْمَقْصُودُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَزَاهُ لِمُسْلِمٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ قَلَّدَ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِأُسَامَةَ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ: الصَّلَاةُ أَمَامَك، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: دَفَعَ ﵇ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ، فَقُلْت لَهُ: الصَّلَاةَ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَك فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المزدلفة نزل وتوضأ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ بِغَلَسٍ، قُلْت: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: مَا رَأَيْت رسول الله ﷺ صلى الصلاة إلَّا لِمِيقَاتِهَا، إلَّا صَلَاتَيْنِ، صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا.
قَوْلُهُ: قَبْلَ مِيقَاتِهَا، أَيْ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الْمُعْتَادِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، لَا أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَكِنْ غَلَّسَ بِهَا كَثِيرًا، بَيَّنَهُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَالْفَجْرَ حِينَ بَزَغَ الْفَجْرُ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: قَبْلَ مِيقَاتِهَا بِغَلَسٍ، وَأَخْرَجَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ صَلَّى بِجَمْعٍ الصَّلَاتَيْنِ جمعًا، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا المكان: المغرب، فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلَاةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ"، ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، مُخْتَصَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا بِتَمَامِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇، وَقَفَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - يَعْنِي الْمُزْدَلِفَةَ - يَدْعُو حَتَّى رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاسْتُجِيبَ لَهُ دُعَاؤُهُ لِأُمَّتِهِ، حَتَّى الدِّمَاءُ وَالْمَظَالِمُ. قُلْت: تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، فَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، الْحَدِيثَ.
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة" ص ٢٢٧، وعند مسلم: ص ٤١٦. ٢ عند البخاري في "باب متى يصلى الفجر بجمع" ص ٢٢٨، وعند مسلم: ص ٤١٢ واللفظ له، وفي رواية جرير عن الأعمش: أول وقتها بغلس.
[ ٣ / ٧١ ]
وَقَوْلُهُ: حَتَّى رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، هَذَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا رُوِيَ هَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَاعْتَذَرَ هَذَا الْجَاهِلُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا أَرَادَ بِابْنِ عَبَّاسٍ كِنَانَةَ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إذَا أُطْلِقَ فَلَا يُرَادُ بِهِ إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، فَلَوْ أَرَادَ كِنَانَةَ لَقَيَّدَهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَذْكُرَ التَّابِعِيَّ دُونَ الصَّحَابِيِّ، عِنْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً بطيئة ثبطة، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، فَأَذِنَ لَهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَيْتَنِي كُنْت اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تُفِيضُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا ٣ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا ٤ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا رَمَتْ الْجَمْرَةَ، قُلْت لَهَا: إنَّا رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، قَالَتْ: إنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٥ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ بَعَثَ بِهَا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَلَسٍ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ ٦ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ
_________________
(١) ١ عند مسلم، واللفظ له: ص ٤١٨، والبخاري "باب من قدم ضعفة أهله بليل" ص ٢٢٨. ٢ عند البخاري في "باب من قدم ضعفة أهله بليل" إلخ: ص ٢٢٧ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤١٨. ٣ عند البخاري: ص ٢٢٧، وعند مسلم: ص ٤١٨. ٤ عند البخاري: ص ٢٢٧، وعند مسلم: ص ٤١٨ معناه، واللفظ لأبي داود: ص ٢٦٨. ٥ عند مسلم: ص ٤١٨ - ج ١. ٦ عند مسلم: ص ٤١٨، وعند أبي داود في "باب التعجيل من جمع" ص ٢٦٨، وعند النسائي في "باب تقديم النساء والصبيان إلى منازلهم" ص ٤٦ - ج ٢، وعند الترمذي في "باب ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل" ص ١٢١ - ج ١.
[ ٣ / ٧٢ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ لَا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ١ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﵇ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، الْيَوْمَ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي عِنْدَهَا، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٢ وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: قَالَ ﵇: "مَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ، وَكَانَ قَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ ٣ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الْحَادِيَ عَشَرَ، مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﵇ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ: " مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا هَذِهِ" إلَى آخِرِهِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٤، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الشَّعْبِيِّ، وَقَدْ وَجَدْنَا عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، قَالَ: جِئْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَوْقِفِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْت من جبل طيء، أَكَلَلْت مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْت نَفْسِي، وَاَللَّهِ مَا بَقِيَ جَبَلٌ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ حَتَّى وَقَفْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ - يَعْنِي صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا - فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ"، انْتَهَى. قَالَ: وَقَدْ تَابَعَ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَةِ: هَذِهِ السُّنَّةِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَعْمَرٍ الدُّؤَلِيُّ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَسَكَتَ عَنْهُ، وَتَعَقَّبَ الذَّهَبِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ" الطَّرِيقَ الثَّانِيَ، وَقَالَ: إنَّ يُوسُفَ بْنَ خَالِدٍ السَّمْتِيَّ لَيْسَ بِثِقَةٍ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ" ﵀: فِيهَا رَجُلٌ مَتْرُوكٌ، وَآخَرُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب التعجيل من جمع" ص ٢٦٨ - ج ١. ٢ أخرجه البيهقي في "باب من أجاز رميها بعد نصف الليل" ص ١٣٣ - ج ٥، ولكن لم أجد فيه قوله: إسناده صحيح لا غبار عليه. ٣ عند أبي داود في "باب من لم يدرك عرفة" ص ٢٦٩، والترمذي في "باب ما جاء من أدرك الامام بجمع فقد أدرك الحج" ص ١٢١ - ج ١، وعند النسائي في "باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة" ص ٤٧ - ج ٢، وابن ماجه في "باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة الجمع" ص ٢٢٣. ٤ عند الحاكم في: ص ٤٦٣ - ج ١، وقال: وقد تابع عروة بن المضرس في رواية: هذه السنة، من الصحابة عبد الرحمن بن يعمر الدؤلي.
[ ٣ / ٧٣ ]
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، قُلْت: فِيهِ أَحَادِيثُ: أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ ١ - إلَّا مُسْلِمًا - عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: شَهِدْت عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ، فَقَالَ: إنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرَقَ ثَبِيرٌ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ ٢: كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيرٍ.
حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، الْحَدِيثَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"٣ ثَنَا أَبُو دَاوُد ثَنَا زَمْعَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ بِجَمْعٍ، فَلَمَّا أَضَاءَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَفَاضَ، انْتَهَى. قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": وَزَمْعَةُ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: صُوَيْلِحُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوكٌ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّ حَدِيثَهُ صَالِحٌ لَا بَأْسَ بِهِ، انْتَهَى. وَبِهَذَا الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي "التَّحْقِيقِ" لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ الدَّفْعَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَاسْتَدَلَّ لِأَحْمَدَ فِي جَوَازِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ فِي الرَّابِعِ وَالْخَمْسِينَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الدَّفْعِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالِ الدَّفْعُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُفِيضُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ".
_________________
(١) ١ الراوية الأولى عند البخاري في "باب متى يدفع من جمع" ص ٢٢٨، وعند النسائي في "باب وقت الافاضة من جمع" ص ٤٧ - ج ٢، وعند الترمذي في "باب ما جاء أن الافاضة من جمع قبل طلوع الشمس" ص ١٢١ - ج ١، عند أبي داود: ص ٢٦٨، وابن ماجه في "باب الوقوف بجمع" ص ٢٢٣. ٢ عند البخاري في "باب أيام الجاهلية" ص ٥٤١ - ج ١. ٣ أقول: لم أجد حديث ابن عباس في "مسند أحمد" بهذا السند، بل إسناده هكذا: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان بن داود ثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، الحديث. كذا في: ص ٣٢٧ - ج ١.
[ ٣ / ٧٤ ]
حَدِيثٌ آخَرُ: وَأَخْرَجَ فِي "مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ" ١ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ٢ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَنْ أَبِيهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ، سَوَاءً.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ٣ - إلَّا التِّرْمِذِيَّ - عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ، فجعل يلطح ٤ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: " أَبَنِيَّ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"، انْتَهَى. وَالْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ، وَاسْتَشْهَدَ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَعْرُجْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، قُلْت: تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تُخْرِجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بسبع حصيات، الحديث.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: قَالَ ﵇: " عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ، لَا يُؤْذِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا"، قُلْت: رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِمَا" ٥ قَرِيبًا مِنْهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ رَاكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَرَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ، فَسَأَلْت عَنْ الرَّجُلِ، فَقَالُوا: الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَإِذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ٦، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو يَعْلَى فِي "مَسَانِيدِهِمْ".
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "معجمه الوسط"٧ عَنْ أَشْهَبَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ
_________________
(١) ١ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٢٥٥ - ج ٣: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه الواقدي ضعفه الجمهور. ٢ أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال: كانت في حجر عائشة، روى عنها عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، قال ابن سعد: روت عن عائشة في "تهذيب التهذيب" ص ٣٩٨ - ج ١٢. ٣ عند أبي داود في "باب التعجيل من جمع" ص ٢٦٨ - ج ١، وابن ماجه في "باب من تقدم من جمع لرمي الجمار" ص ٢٢٤ - ج ١، والنسائي في "باب من رمى جمرة العقبة قبل طلوع الشمس" ص ٤٩ - ج ٢. ٤ اللطح بالحاء المهملة: الضرب الخفيف. ٥ عند أبي داود في "باب رمي الجمار" ٢٧٠ عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه، وهي أم جندب الأزدية، وعند ابن ماجه في "باب من أين ترمى جمرة العقبة" ص ٢٢٤ - ج ١. ٦ عند أحمد: ص ٥٠٣ - ج ٣. ٧ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٢٥٧ - ج ٣: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه ابن لهيعة، وهو حسن الحديث.
[ ٣ / ٧٥ ]
أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ"، انْتَهَى. وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَيُّوبَ إلَّا ابْنُ لَهِيعَةَ، تَفَرَّدَ بِهِ أَشْهَبُ، وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ١ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ"، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ يَحْيَى غَيْرُ إسْمَاعِيلَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" ٢ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ - لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْعَبَّاسَ - وَقَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ" ﵀: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رُوِيَ فِي "مُسْنَدِهِ" ٣ حَدَّثَنَا ابْنُ جَعْفَرٍ ثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْنِ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ: " اُلْقُطْ لِي"، فَلَقَطْت لَهُ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: "نَعَمْ بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ"، انْتَهَى. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، قَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَوْفٍ بِهِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ التَّكْبِيرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قُلْت: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٤، هَكَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٥،
_________________
(١) ١ عند مسلم في "باب استحباب كون حصى الجمار بقدر حصى الخذف" ص ٤٢٠ - ج ١. ٢ عند أحمد: ص ٢١٩ - ج ١. ٣ عند أحمد: ص ٢١٥ - ج ١، وسنده: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنا عون، ولعل الصواب ما في التخريج، و"المستدرك" ص ٤٦٦ - ج ١ حدثنا ابن جعفر ثنا عوف بن أبي جميلة، الخ، وعند ابن ماجه في "باب قدر حصى الرمي" ص ٢٢٤ - ج ١، وعند النسائي في "باب التقاط الحصى" ص ٤٨ - ج ٢. ٤ عند مسلم: ص ٤١٨، واللفظ له، وعند البخاري في "باب رمي الجمار من بطن الوادي" ص ٢٣٥ - ج ١. ٥ مسلم: ص ٤١٩، والبخاري: ص ٢٣٥، في "باب يكبر مع كل حصاة" وعند أبي داود: ص ٢٧١، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه - سورة البقرة -.
[ ٣ / ٧٦ ]
عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْت الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا تَقُولُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَقُولُوا: السُّورَةَ التي يذكر فيها البقر، السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، قَالَ: فَلَقِيت إبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرْته بِقَوْلِهِ، فَسَبَّهُ، وَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، فَاسْتَعْرَضَهَا، فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، إلَى آخِرِهِ، سَوَاءً، وَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَفَعَهُ، وَيُنْظَرُ مِنْ غَيْرِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَأَخْرَجَهُ البخاري ١ عند الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْت سَالِمًا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ أَمَامَهَا فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ، وَيَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَاهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، انْتَهَى. وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلُ: حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، الْحَدِيثَ.
الْحَدِيثُ السِّتُّونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، قُلْت: تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَاهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، الْحَدِيثَ، وَلَهُ أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ ٢ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ، انْتَهَى. وَأَغْفَلَ هَذَا الْجَاهِلُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، وَأَخَذَ يَسْتَشْهِدُ بِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَاةِ الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: وَيَقْطَعُ التَّكْبِيرَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ، لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ، قُلْت: كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب الدعاء عند الجمرتين" ص ٢٣٦. ٢ عند البخاري في "باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل".
[ ٣ / ٧٧ ]
ذَهَلَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَنْ ابن مسعود، وإنما ذَكَرَ عَنْهُ: التَّكْبِيرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَفْهُومِهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مِنْ أَوَّلِ حَصَاةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ"١، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ مِنْ جِهَةِ مُسْلِمٍ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ، ثُمَّ كَانَ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرُوِيَ فِي "السُّنَنِ"٢ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: رَمَقْت النَّبِيَّ ﵇ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ ﵇ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَى بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، قُلْت: هُوَ مَفْهُومُ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، الْحَدِيثَ. وَتَقَدَّمَ صَرِيحًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ.
قَوْلُهُ: وَيَأْخُذُ الْحَصَى مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ، لَا مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ، لِأَنَّ مَا عِنْدَهَا مِنْ الْحَصَى مَرْدُودٌ، هَكَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ، فَيَتَشَاءَمُ بِهِ، قُلْت: فِيهَا أَحَادِيثُ: فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٣، والدارقطني فِي "سُنَنِهِ" عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ الْجِمَارُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا كُلَّ عَامٍ، فَتَحْسِبُ أَنَّهَا تَنْقُصُ، فَقَالَ: "إنَّهُ مَا يُقْبَلُ مِنْهَا رُفِعَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَيْتهَا أَمْثَالَ الْجِبَالِ"، انْتَهَى. قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ لَيْسَ بِالْمَتْرُوكِ، انْتَهَى. وَأَعَلَّهُ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ" بِيَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، وَقَالَ: فِيهِ مَقَالٌ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، فَإِنَّ أَبَا فَرْوَةَ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، والدارقطني، وَغَيْرُهُمَا، وَتَرَكَهُ النَّسَائِيّ،
_________________
(١) ١ وفي "السنن الكبرى - في باب التلبية حتى يرمي جمرة العقبة بأول حصاة، ثم يقطع" ص ١٣٧ - ج ٥، قال الشيخ: تكبيره مع كل حصاة، كالدلالة على قطعه التلبية بأول حصاة، كما روينا في حديث عبد الله بن مسعود. ٢ عند البيهقي في "السنن" ص ١٣٧، وهو في "الصحيحين" من حديث ابن عباس: أن أسامة بن يزيد كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل إلى منى، وكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وفي رواية حتى بلغ الجمرة، ولكن في رواية النسائي: فلم يزل يلبي حتى رمى، فلما رمى قطع التلبية، راجع "تلخيص الحبير" ص ٢١٨. ٣ عند الحاكم في "باب يرفع ما يقبل من أحجار الرمي" ص ٤٨٦ - ج ١، وعند الدارقطني: ص ٢٨٩ - ج ١، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ص ٢٦٠ - ج ٣: رواه في "الأوسط" وفيه يزيد بن سنان التميمي، وهو ضعيف، وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" ص ٢١٨ - ج ١: قال البيهقي: وروي عن أبي سعيد موقوفًا، وعن ابن عمر مرفوعًا من وجه ضعيف، ولا يصح مرفوعًا، وهو مشهور عن ابن عباس موقوفًا عليه: ما تقبل منها رفع، وما لم يتقبل ترك، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين، وأخرجه إسحاق بن راهويه.
[ ٣ / ٧٨ ]
وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى. قُلْت: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" مَوْقُوفًا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْقَيْسِيِّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: مَا يُقْبَلُ مِنْ حَصَى الْجِمَارِ رُفِعَ، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ".
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِرَاشٍ عَنْ الْعَوَّامِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا قُبِلَ حَجُّ امْرِئٍ إلَّا رُفِعَ حَصَاهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِرَاشٍ عَنْ وَاسِطِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ نَافِعٍ بِهِ، سَوَاءً، وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِوَاسِطَ، وَقَالَ: عَامَّةُ حَدِيثِهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، انْتَهَى. قُلْت: فَقَدْ تَابَعَهُ الْعَوَّامُ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
حَدِيثٌ آخَرُ مَوْقُوفٌ: رَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ" حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبَّاسٍ الْعَامِرِيِّ، قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَابَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي حَصَاةِ الْجِمَارِ: مَا يُقْبَلُ مِنْهُ رُفِعَ، وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ تُرِكَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ فِطْرٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ فِي "تَارِيخِ مَكَّةَ" حَدَّثَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: قَالَ ﵇: "إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا هَذَا أَنْ نَرْمِيَ، ثُمَّ نَذْبَحَ، ثُمَّ نَحْلِقَ أَوْ نُقَصِّرَ"، قُلْت: غَرِيبٌ، وَأَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ ١ - إلَّا ابْنَ مَاجَهْ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى فَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ، وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: قَالَ ﵇: "رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ"؟ قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب الحلق والتقصير" ص ٢٧٢ - ج ١، والترمذي في "باب ما جاء بأي جانب الرأس يبدأ في الحلق" ص ١٢٣، وعند مسلم ص ٤٢١، والحلاق معمر بن عبد الله بن نضلة، كما عند الطبراني، وقيل: خراش بن أمية بن ربيعة الكلبي، راجع ابن سعد" ١٠٢ - ج ٤. ٢ عند البخاري في "باب الحلق والتقصير عند الاحلال" ص ٢٣٣ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤٢٠.
[ ٣ / ٧٩ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ"، انْتَهَى. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ، قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ"، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ١ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً، انْتَهَى. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي "الْمَغَازِي" أَنَّهُ ﵇ قَالَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ، قَالَتْ: فَأَنَا أَنْظُرُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ حِينَ فَرَغَ مِنْ نَحْرِ الْبُدْنِ، فَدَخَلَ قُبَّةً لَهُ حَمْرَاءَ، فِيهَا الْحَلَّاقُ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، فَأَنْظُرُ إلَيْهِ قَدْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ قُبَّتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ"، انْتَهَى.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ نَافِعٍ أن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ٣ عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَصَّرْت عَنْ النَّبِيِّ ﵇ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُد لِحَجَّتِهِ، قَالَ: الْمُنْذِرِيُّ: أَيْ لِعُمْرَتِهِ، فَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: فِي عُمْرَةٍ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَالْعُمْرَةُ قَدْ تُسَمَّى حَجًّا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْقَصْدُ، وَقَدْ قَالَتْ: حَفْصَةُ لِلنَّبِيِّ ﵇: "مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا وَأَنْتَ لَمْ تَحْلِلْ مِنْ عُمْرَتِك"، مَعْنَاهُ مِنْ حَجَّتِك، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُكْتَفَى فِي الْحَلْقِ بِرُبُعِ الرَّأْسِ اعْتِبَارًا بِالْمَسْحِ، وَحَلْقُ الْكُلِّ أَوْلَى اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قُلْت: أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ ٤ - إلَّا ابْنَ مَاجَهْ - عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ، وَحَلَقَ، نَاوَلَ الْحَالِقَ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْآخَرَ، فَقَالَ: احْلِقْ فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ"، انْتَهَى. وَوَهَمَ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، فَرَوَاهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَمْ يُعَقِّبْهُ الذَّهَبِيُّ فِي ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ الرَّأْسِ، إذْ لَا يُقَالُ: حَلَقَ رَأْسَهُ لِمَنْ حَلَقَ بَعْضَهَا.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: قَالَ ﵇: فِيمَنْ رَمَى، ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ:
_________________
(١) ١ عند مسلم: ص ٤٢١. ٢ عند البخاري: ص ٢٣٣، وعند مسلم: ص ٤٢١. ٣ عند البخاري: ص ٢٣٣. ٤ قلت: لم أجد هذا الحديث في البخاري، مع كثرة الاستقراء في مظانه، بل الحديث عند مسلم، كما قال العيني في "العمدة" ص ٦٢ - ج ١٠، فالعجب من الحافظ، وابن الهمام كيف خفي عليهما، والله أعلم، وعند الحاكم: ص ٤٧٤ - ج ١.
[ ٣ / ٨٠ ]
"حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عن الحجاج بْنِ أَرْطَاةَ ١ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ"، انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ لَمْ يَرَ الزُّهْرِيَّ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَهُ سَوَاءً، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ" مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إذَا رَمَيْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ، وَذَبَحْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ"، انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ٢ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ! وَالطِّيبُ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ هُوَ أَمْ لَا؟، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"٣، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ ثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ أُمِّهِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ عَشِيَّةَ يَوْمِ النَّحْرِ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ، إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ عَنْهُ إلَّا النِّسَاءَ، مُخْتَصَرٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" كَذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: قَالَتْ: كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي يَصِيرُ إلَيَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسَاءَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَصَارَ إلَيَّ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهْبُ بْنُ زَمْعَةَ، وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي أُمَيَّةَ مُتَقَمِّصِينَ، فَقَالَ ﵇ لِوَهْبٍ: "هَلْ أَفَضْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ"؟، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "انْزِعْ عَنْك الْقَمِيصَ"؟ فَنَزَعَهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَنَزَعَ صَاحِبُهُ قَمِيصَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا - يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إلَّا النِّسَاءَ - فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا، كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ، حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ"، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ: أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى حَلَّ لَهُ كُلُّ
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب رمي الجمار" ص ٢٧١، وعند الدارقطني: ص ٢٧٩، وقوله: قال الدارقطني، لم يروه غير الحجاج بن أرطاة، ليس في النسخة المطبوعة. ٢ عند النسائي في "باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار" ص ٥١ - ج ٢، وعند ابن ماجه في "باب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة" ص ٢٢٥ - ج ١، واللفظ له. ٣ عند أحمد: ص ٢٩٥ - ج ٦، وص ٣٠٣ - ج ٦، وعند الحاكم: ص ٤٨٩ - ج ١.
[ ٣ / ٨١ ]
شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ، إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، حَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ، مُخْتَصَرٌ. وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَتَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ، وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ" لِمَالِكٍ أَيْضًا فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ بِمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مَا حَرُمَ، إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبَيْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٢ عَنْ عَمْرَةَ عَنْهَا، قَالَتْ: طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا حَلَقَ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ عَادَ إلَى مِنًى وَصَلَّى الظُّهْرَ، قُلْت: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٣ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵇ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، انْتَهَى، وَوَهَمَ الْحَاكِمُ، فَرَوَاهُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٤، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، الْحَدِيثَ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَحَدُ الْخَبَرَيْنِ وَهْمٌ، إلَّا أَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ لِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعَادَهَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ فِي "سِيرَتِهِ": وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ إلَى مِنًى، فَصَلَّى الظُّهْرَ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ، وَجَابِرٌ: بَلْ صَلَّى الظُّهْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِمَكَّةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ وَهْمٌ، وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا هُوَ، لِصِحَّةِ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" ٥ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَعَزَاهُ لِمُسْلِمٍ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ، حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى، قَالَ: وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ
_________________
(١) ١ عند البخاري: ص ٢٣٦ - ج ١ في "باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الافاضة" وعند مسلم: ص ٣٧٨. ٢ وسند الحديث عند مسلم: ص ٣٧٨: حدثنا محمد بن رافع حدثنا ابن أبي فديك أخبرنا الضحاك عن أبي الرجال، قلت: أبو الرجال الأنصاري المدني عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، قال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، وقال البخاري: هو ثبت، راجع "التهذيب" ص ٢٩٦ - ج ٩. ٣ عند مسلم في: ص ٤٢٢. ٤ وقال الحاكم: هذا في حديث القاسم عن عائشة، ولم أجد حديث نافع عن ابن عمر في "المستدرك" والله أعلم. ٥ وكذا قال في "السنن" ص ١٤٤ - ج ٥، وقال ابن الهمام ص ١٨٠ - ج ٢: وإذا تعارضا، ولا بد من صلاة الظهر في أحد المكانين، ففي مكة بالمسجد الحرام أولى، لثبوت مضاعفة الفرائض فيه، الخ.
[ ٣ / ٨٢ ]
أَصَحُّ إسْنَادًا مِنْ هَذَا، انْتَهَى. وَحَدِيثُ ابْنِ إسْحَاقَ هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"١، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ": هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ فِي "الْإِمَامِ" عَلَى فَرْضِيَّةِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بعدما أَفَاضَتْ، فَقَالَ ﵇: " أَحَابِسَتُنَا هِيَ"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ ﵇: "فلتنفر إذًا"، انْتَهَى. وَالْمُصَنِّفُ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الْحَلْقِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَهُ ذِكْرٌ إلَّا بِالْمَفْهُومِ، وَلَا وَجَدْته فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَأَوَّلُ وَقْتِهِ - يَعْنِي طَوَافَ الزِّيَارَةِ - بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ النَّحْرِ، وَأَفْضَلُ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَوَّلُهَا، كَمَا فِي التَّضْحِيَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: أَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا، قُلْت: غَرِيبٌ جِدًّا، وَأَعَادَهُ فِي "الْأُضْحِيَّةِ".
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ رَجَعَ إلَى مِنًى، قُلْت: تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ، فَيَبْدَأُ بِاَلَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَرْمِي الَّتِي تَلِيهَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ كَذَلِكَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، هَكَذَا رَوَى جَابِرٌ، فِيمَا نَقَلَ مِنْ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُفَسَّرًا، قُلْت: غَرِيبٌ عَنْ جَابِرٍ، وَاَلَّذِي فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ أَنَّهُ ﵇ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ لَا غَيْرُ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ ٣ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا فَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا فَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ذَاتَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، انْتَهَى. وَوَهَمَ الْحَاكِمُ٤، فَرَوَاهُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب رمي الجمار" ص ٢٧١. ٢ عند البخاري: ص ٢٣٧ - ج ١ وعند مسلم: ص ٤٢٧، واللفظ لمسلم. ٣ عند البخاري في "باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة" ص ٢٣٦ - ج ١. ٤ قاله في "المستدرك" بعد ذكر الحديث: ص ٤٧٨ - ج ١.
[ ٣ / ٨٣ ]
الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، انْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ": حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ١، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، انْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ": يُرِيدُ جَابِرٌ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ لَا رَمْيَ فِيهِ غَيْرُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، انْتَهَى. وَرَوَى مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ"٢ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا نَرْمِي الْجِمَارَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّبْعُونَ: قَالَ ﵇: "لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ"، وَذَكَرَ مِنْهَا الْجَمْرَتَيْنِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَالْمُرَادُ رَفْعُ الْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ، قُلْت: تَقَدَّمَ حَدِيثُ السَّبْعِ مَوَاطِنَ فِي "بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ"، وَفِيهِ الجمرتان.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ الْجَمْرَةَ ذَاتَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْته ﵇ يَفْعَلُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: قَالَ ﵇: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٣ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ، وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ"، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند مسلم: ص ٤٢٠، وعند أبي داود في "باب رمي الجمار" ص ٢٧١، واللفظ له، والترمذي: ص ١٢١، والنسائي في "باب وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر" ص ٤٩ - ج ٢. ٢ عند مالك: ص ١٥٨. ٣ قلت: في النسخة المطبوعة من "المستدرك" ص ٤٤١ - ج ١ بالسندين، وليس في السند الثاني: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج".
[ ٣ / ٨٤ ]
وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر، قَالَ: سَمِعْت سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ فِيهِ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهَذَا اخْتِلَافُ نُسْخَةٍ، وَبِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ"١، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وَقَالَ: قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ: مَا أَظُنُّ شَرِيكًا إلَّا ذَهَبَ وَهْمُهُ إلَى حَدِيثِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ"، إلَى آخِرِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" عَنْ شَرِيكٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: يُغْفَرُ لِلْحَاجِّ، وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ، بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وَصَفَرَ، وَعَشْرًا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، انْتَهَى. وَيُرَاجَعُ، فَإِنِّي وَجَدْته، رَوَاهُ الثَّعْلَبِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، فَذَكَرَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ صَبَرَ حَتَّى رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، قُلْت: تَقَدَّمَ لأبي داود عن إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، الْحَدِيثُ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ - فِي تَقْدِيمِ الرَّمْيِ عَلَى الزَّوَالِ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، قُلْت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ: إذَا انْتَفَخَ النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ النَّفْرِ فَقَدْ حَلَّ الرَّمْيُ وَالصَّدَرُ، انْتَهَى. فِي "مُسْنَدِ" طَلْحَةَ بْنِ عُمَرَ، وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ: وَالِانْتِفَاخُ: الِارْتِفَاعُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ومن حديث عمر، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"٢ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا خَالِدٌ
_________________
(١) ١ قال الهيثمي في "الزوائد" ص ٢١١ - ج ٣: رواه الطبراني في "الصغير" وفيه شريك بن عبد الله النخعي، وهو ثقة، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. ٢ قال الهيثمي في "الزوائد" ص ٢٦٠ - ج ٣: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك.
[ ٣ / ٨٥ ]
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُسْنَدِهِ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، إلَى آخِرِهِ، وَفِيهِ: أَنْ يَرْمُوا الْجِمَارَ، رَوَاهُ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، مُرْسَلًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرٍو: فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"١ عَنْ بَكْرِ بْنِ بَكَّارَ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ، وَأَيَّةِ سَاعَةٍ شَاءُوا مِنْ النَّهَارِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ هَذَا إنْ كَانَ هُوَ الْخُوزِيَّ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟، وَبَكْرُ بْنُ بَكَّارَ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَدُونَ بَكْرِ بْنِ بَكَّارَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ، لَا خَالِدٌ، قَالَ: وَرَوَى الْبَزَّارُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بإسناد أحسن من هذا.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ"٢ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيِّ، ضَعَّفَهُ قَوْمٌ، وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَأَبُو حَاتِمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: قَالَ ﵇: " لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ إلَّا مُصْبِحِينَ"، قَالَ: وَيُرْوَى: حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قُلْت: الْأَوَّلُ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي "شَرْحِ الْآثَارِ"٣ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ ثَنَا فُضَيْلٍ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَا كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ، وَثَقَلَهُ صَبِيحَةَ جَمْعٍ أَنْ يُفِيضُوا مَعَ أَوَّلِ الْفَجْرِ بِسَوَادٍ، وَلَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ إلَّا مُصْبِحِينَ، انْتَهَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ثَنَا حَمَّادٌ ثَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ فِي الثَّقَلِ، وَقَالَ: " لَا تَرْمُوا الْجِمَارَ حَتَّى تُصْبِحُوا"، انْتَهَى. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، فَتَقَدَّمَ لِأَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، انْتَهَى. وَرَوَوْا - إلَّا التِّرْمِذِيَّ -
_________________
(١) ١ عند الدارقطني: ص ٢٧٩، وسنده: ثنا أبو الأسود عبيد الله بن موسى بن إسحاق الأنصاري ثنا جعفر بن محمد الشيرازي، الخ. ٢ قال الهيثمي في "الزوائد" ص ٢٦٠ - ج ٣: رواه البزار، وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف، وقد وثق. ٣ عند الطحاوي في "باب وقت رمي جمرة العقبة للضعفاء" ص ٤١٢ - ج ١.
[ ٣ / ٨٦ ]
عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ أُغَيْلِمَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ المطلب، على جمرات، فجعل يلطح أفخازنا، وَيَقُولُ: "يَا بَنِيَّ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَالْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْئًا، انْتَهَى. وَرَوَى الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أمر ضعفة بين هَاشِمٍ أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، وَيَقُولُ: "أَبَنِيَّ، لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇، قَالَ: " إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الرَّمْيُ، إلَى آخِرِهِ"، قُلْت: تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَالسِّتِّينَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ بَاتَ بِمِنًى لَيَالِيَ الرَّمْيِ، قُلْت: تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ التَّاسِعِ وَالسِّتِّينَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو داود عن إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"١، قَالَ: "بَابُ يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى" حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ ثَنَا يَحْيَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي حَرِيزٌ، أَوْ أَبُو حَرِيزٍ - الشَّكُّ مِنْ يَحْيَى - أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ فَرُّوخَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: إنَّنَا نَتَبَايَعُ بِأَمْوَالِ النَّاسِ، فَيَأْتِي أَحَدُنَا مَكَّةَ فَيَبِيتُ عَلَى الْمَالِ، فَقَالَ: أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَاتَ بِمِنًى وَظَلَّ، انْتَهَى. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ الله ﷺ أن يبيت مكة لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، انْتَهَى. هَذَا أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ - إلَّا التِّرْمِذِيَّ - وَبِهِ احْتَجَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" لِلشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَوَجْهُ الْحُجَّةِ الْمَبِيتُ بِمِنًى، لَوْلَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إذْنٍ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَعُمَرُ كَانَ يُؤَدِّبُ عَلَى تَرْكِ الْمَقَامِ بِهَا، قُلْت: غَرِيبٌ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مِنًى، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ"، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا حَدَّثَنَا ابْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ
_________________
(١) ١ عند أبي داود: ص ٢٧٠ - ج ١.
[ ٣ / ٨٧ ]
وَرَاءِ الْعَقَبَةِ لَيْلًا بِمِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، انْتَهَى. ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَنَامَ أَحَدٌ أَيَّامَ مِنًى بِمَكَّةَ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُقَدِّمَ الرَّجُلُ ثَقَلَهُ إلَى مَكَّةَ، وَيُقِيمَ بِمِنًى حَتَّى يَرْمِيَ، قُلْت: غَرِيبٌ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ تَقَدَّمَ ثَقَلُهُ مِنْ مِنًى لَيْلَةَ نَفْرٍ فَلَا حَجَّ لَهُ، انْتَهَى. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: مَنْ قَدَّمَ ثَقَلَهُ قَبْلَ النَّفْرِ فَلَا حَجَّ لَهُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ نَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ، قُلْت: فِيهِ أَحَادِيثُ: فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ١ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ"، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا، وَبَنِي كِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي بِذَلِكَ - الْمُحَصَّبَ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٢ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ أَيْضًا: كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْمُحَصَّبِ، قَالَ نَافِعٌ: قَدْ حَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، انْتَهَى. وَالْمُحَصَّبُ - بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ - مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهُوَ إلَى مِنًى أَقْرَبُ٣، وَهُوَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، قَالَهُ فِي "الْإِمَامِ" عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ"٤ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إنَّمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُحَصَّبِ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ إنَّمَا هُوَ
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب نزول النبي ﷺ مكة" ص ٢١٦ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤٢٣ - ج ١، وحديث قتادة عن أنس، عند البخاري في "باب طواف الوداع" ص ٢٣٦ - ج ١. ٢ عند مسلم في: ص ٤٢٢. ٣ قلت: المحصب قطعة من منى، كما قال الشافعي: يا راكبًا قف بالمحصب من منى واهتف لقاطن خيفها والناهض سمعه من لسان إمام المحدثين، وخاتم المفسرين الشيخ مولانا "محمد أنور الكشميري" قدس سره. ٤ عند البخاري في "باب المحصب" ص ٢٣٧، وعند مسلم: ص ٤٢٢، وحديث عطاء عن ابن عباس، عند البخاري فيه: ص ٢٣٧، وحديث أبي رافع، عند مسلم: ص ٤٢٣.
[ ٣ / ٨٨ ]
مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى، وَلَكِنْ جِئْت فَضَرَبْت قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﵇، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إنَّا نَازِلُونَ غَدًا بِالْخَيْفِ - خَيْفِ بَنِي كنانة - حيث تقاسم المشركين فِيهِ عَلَى شِرْكِهِمْ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ ١ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ فِي حَجَّتِهِ، قَالَ: "هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا"؟ ثُمَّ قَالَ: "نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ" - يَعْنِي الْمُحَصَّبَ - وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُؤْوُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ"، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا، وَبَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: قَالَ ﵇: "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ"، وَرَخَّصَ لِلنِّسَاءِ الْحُيَّضِ، قُلْت: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٢ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ"، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ٣ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، إلَّا الْحُيَّضَ، وَرَخَّصَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ"٤، وَزَادَ فِيهِ: فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: أَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَسَأَلْته عَنْ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ تَحِيضُ، قَالَ: لِيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهَا
_________________
(١) ١ عند البخاري في "باب إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون، فهي لهم" ص ٤٣٠ - ج ١، وعند مسلم في "باب نزول الحاج بمكة وتوريث دورها" ص ٤٣٦. ٢ عند البخاري في "باب طواف الوداع" ص ٢٣٦، وعند مسلم فيه: ص ٤٢٧. ٣ عند الترمذي في "باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الافاضة" ص ١٢٦ - ج ١، وعند الحاكم: ص ٤٧٦ - ج ١. ٤ وعند البيهقي في "السنن" ص ١٦٢ - ج ٥.
[ ٣ / ٨٩ ]
بِالْبَيْتِ، فَقَالَ الْحَارِثُ: كَذَلِكَ أَفْتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَرِبْت عَنْ يَدَيْك١ سَأَلْتنِي عَنْ شَيْءٍ سَأَلْت عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِكَيْ مَا أُخَالِفَ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد٢، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَارِثِ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ الْحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﵇ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، أَوْ اعْتَمَرَ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ"، فقال له عمر: حزرت مِنْ يَدَيْك، سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ تُخْبِرْنَا بِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَقَدْ خُولِفَ الْحَجَّاجُ فِي بَعْضِ هَذَا الْإِسْنَادِ، انْتَهَى. وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "حَوَاشِيهِ": سَنَدُ أَبِي داود به حَسَنٌ، وَسَنَدُ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ: غَرِيبٌ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: ورخص للنساء الحّيض، وهو مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ.
الْحَدِيثُ الثَّمَانُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ اسْتَقَى دَلْوًا بِنَفْسِهِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَفْرَغَ بَاقِيَ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ، قُلْت: رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي "الطَّبَقَاتِ"٣ فِي "بَابِ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ"، فَقَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَفَاضَ نَزَعَ لِنَفْسِهِ بِالدَّلْوِ - يَعْنِي مِنْ زَمْزَمَ - لَمْ يَنْزِعْ مَعَهُ أَحَدٌ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَفْرَغَ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّلْوِ ٤ فِي الْبِئْرِ، وَقَالَ: " لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَمْ يَنْزِعْ مِنْهَا أَحَدٌ غَيْرِي"، قَالَ: فَنَزَعَ هُوَ بِنَفْسِهِ الدَّلْوَ الَّتِي شَرِبَ مِنْهَا، لَمْ يُعِنْهُ عَلَى نَزْعِهَا أَحَدٌ، انْتَهَى. وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﵇ إلَى زَمْزَمَ، فَنَزَعْنَا لَهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ، ثُمَّ مَجَّ فِيهَا، ثُمَّ أَفْرَغْنَاهَا فِي زَمْزَمَ، ثُمَّ قَالَ: " لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا لَنَزَعْت بِيَدَيَّ"، انْتَهَى. وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي "تَارِيخِ مَكَّةَ" حَدَّثَنِي جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفَاضَ فِي نِسَائِهِ لَيْلًا، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، وَيُقَبِّلُ طَرَفَ الْمِحْجَنِ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: "انْزِعُوا، فَلَوْلَا أَنْ يُغْلَبُوا عَلَيْهَا لَنَزَعْت"، أَمَرَ بِدَلْوٍ فَنُزِعَ لَهُ مِنْهَا، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَمَضْمَضَ، ثُمَّ مَجَّ فِي الدَّلْوِ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُهْرِيقَ فِي زَمْزَمَ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
_________________
(١) ١ أربت عن يديك، قال في النهاية: أي سقطت آرابك من اليدين خاصة. ٢ عند أبي داود في "باب الحائض تخرج بعد الافاضة" ص ٢٧٤، عند الترمذي في "باب ما جاء: من الحج أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت" ص ١٢٦، وعند أحمد: ص ٤١٦ - ج ٣، وص ٤١٧ - ج ٣. ٣ عند ابن سعد: ص ١٣١، من: ص ٢ - ج ١. ٤ كذا في - نسخة الدار - أيضًا، وفي نسخة "الطبقات" المطبوعة "ما بقي من الدلو" [البجنوري] .
[ ٣ / ٩٠ ]
يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: " انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ المطلب، فلولا أن يغلبوا النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْت مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَهَذَا آخِرُهُ.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ وَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ بِالْمُلْتَزَمِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" ١ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ شُعَيْبٍ، قَالَ: طُفْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا جِئْنَا دُبُرَ الْكَعْبَةِ، قُلْت: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ: نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، وَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا، وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ، انْتَهَى. وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: طُفْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، الْحَدِيثَ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فَيَكُونُ شُعَيْبٌ، وَأَبُوهُ مُحَمَّدٌ طَافَا جَمِيعًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ"، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ"، والدارقطني، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنَيْهِمَا"، وَلَفْظُهُمَا فِيهِ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يُلْزِقُ وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ بِالْمُلْتَزَمِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: طَافَ جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَعَ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ سَابِعَهَا، قَالَ مُحَمَّدٌ لِعَبْدِ اللَّهِ: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟، إلَى آخِرِهِ، وَهَذَا أَصْلَحُ إسْنَادًا مِنْ الْأَوَّلِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الْإِيمَانِ" عَنْ الْحَاكِمِ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ:"مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ مُلْتَزَمٌ"، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَوَقَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ"، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هَذَا الْمُلْتَزَمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، انْتَهَى. وَهُوَ فِي "الْمُوَطَّأِ" بَلَاغًا، قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ الْمُلْتَزَمُ، انْتَهَى.
فَصْلٌ
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، قُلْت: تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب الملتزم" ص ٢٦١ - ج ١، وعند ابن ماجه فيه: ٢١٩، والدارقطني: ص ٢٨٤ - ج ١.
[ ٣ / ٩١ ]
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ"، قُلْت: أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ ١ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ أَيَّامُ مِنًى ثلاثة، ﴿تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الْحَادِيَ عَشَرَ، مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي "مَسَانِيدِهِمْ"، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْمُرَ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "حَوَاشِيهِ": بَلْ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ النَّهْيِ ٢ عَنْ الْمُزَفَّتِ، وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي "الصَّحَابَةِ"، وَأَنَّ لَهُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ رَحْمَةَ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ، وَنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ"، انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَحْمَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ضَعِيفٌ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُهُ، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وَأَعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَضَعَّفَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ تَوْثِيقٍ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٣، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الصُّبْحِ تَمَّ حَجُّهُ، وَمَنْ فَاتَهُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ"، انْتَهَى. وَوَجَدْته فِي "الْحِلْيَةِ" لِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ عَطَاءٍ بِهِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ، ذَكَرَهُ فِي "تَرْجَمَةِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ".
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب من لم يدرك عرفة" ص ٢٦٩ - ج ١، والترمذي في "باب ما جاء من أدرك الامام بجمع فقد أدرك الحج" ص ١٢٠، وعند النسائي في "باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح بمزدلفة" ص ٤٧ - ج ٢، وعند أحمد: ص ٣٣٥ - ج ٤، وعند أبي داود الطيالسي: ص ١٨٥، وعند الدارقطني: ٢٦٤. ٢ في - نسخة الدار - "حديثًا في النهي" [البجنوري] . ٣ عند البيهقي: ص ١٧٤ - ج ٥، وقال الهيثمي في "الزوائد" ص ٢٥٥ - ج ٣: حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر" الخ، رواه الطبراني في "الكبير - والأوسط" وفيه عمر بن قيس المكي، وهو ضعيف متروك.
[ ٣ / ٩٢ ]
حَدِيثٌ آخَرُ مُرْسَلٌ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ بِلَيْلٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ"، انْتَهَى. وَهَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَمْ يُثْبِتْهُ ابْنُ عَدِيٍّ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ ﵇: "الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ"، قُلْت: فِيهِ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الْمُضَرِّسِ: مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ - فَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا - فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يعمر. تقدم.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ ﵇: " إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ" مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا"، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي "الْإِحْرَامِ".
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنَيْهِمَا"١ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبِي الْجَمَلِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ إحْرَامٌ إلَّا فِي وَجْهِهَا"، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "عِلَلِهِ": أَيُّوبُ هَذَا ضَعِيفٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ جَمَاعَةٌ: كَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ، وَغَيْرِهِمْ، فَرَوَوْهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَبُو الْجَمَلِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَالْمَحْفُوظُ مَوْقُوفٌ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو الْجَمَلِ مُخْتَلَفٌ، فَقَالَ: أَبُو زُرْعَةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ، لَا بَأْسَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَدِيثَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي "ضُعَفَائِهِ"، وَأَعَلَّاهُ بِأَبِي الْجَمَلِ، وَقَالَ: لَا يُتَابَعُ عَلَى رَفْعِهِ، إنَّمَا يُرْوَى مَوْقُوفًا، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا شَيْئًا، وَجَافَتْهُ عَنْهُ جَازَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ ٢ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ،
_________________
(١) ١ عند الدارقطني: ص ٢٨٦ - ج ١، والبيهقي: ص ٤٧ - ج ٥. ٢ عند أبي داود في "باب المحرمة تغطي وجهها" ص ٢٥٤ - ج ١، وعند ابن ماجه في "المحرمة تسدل الثوب على وجهها" ص ٢١٦.
[ ٣ / ٩٣ ]
قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ هُشَيْمِ عَنْ يَزِيدَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ محمد بن فضيل، وعن عبد اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ عَنْهُ، قَالَ فِي "الْإِمَامِ" وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ، فَقَالَ: عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَمَعَ ذلك فيزيد فِيهِ ضَعْفٌ، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ، انْتَهَى. قُلْت: حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي "سُنَنِهِ"١، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَخَالَفَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَقَالَ: عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَ كَذَلِكَ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، نَحْوَ الدَّارَقُطْنِيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ سَمَاعَ مُجَاهِدٍ مِنْ عَائِشَةَ ﵂ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَنْكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَشُعْبَةُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُجَاهِدٌ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ، فَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ سَمَاعُهُ مِنْهَا، وَأَخْرَجَا لَهُ ٢ عَنْ عَائِشَةَ أَحَادِيثَ فِي بَعْضِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهَا، نَحْوُ مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْت أَنَا، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: يَا أَبَا عبد الرحمن اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: أَرْبَعُ عُمَرَ: إحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ، وَنَرُدَّ عَلَيْهِ، وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَلَا تَسْمَعِينَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إلَى مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرَ: إحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "الْحَجِّ"، وَالْبُخَارِيُّ فِي "الْمَغَازِي - فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ - فِي بَابِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ"، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَذَلِكَ لَمَا أَخْرَجَهُ، لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ اللِّقَاءَ، وَسَمَاعَ الرَّاوِي مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَصَاعِدًا، وَلَا خِلَافَ فِي إدْرَاكِ مُجَاهِدٍ لِعَائِشَةَ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا ٣ عَنْ ابن أبي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: حِضْت بِسَرِفَ، فَطَهُرْت بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُجْزِئُ عَنْك طَوَافُك بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجَّتِك"، انْتَهَى. وَمُسْلِمٌ إنَّمَا يَعْتَبِرُ التَّعَاصُرَ، وَإِمْكَانَ السَّمَاعِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ لَا خِلَافَ فِي اتِّصَالِهِ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ فِي "سُنَنِهِ" ٤ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، قَالَ: أُتِيَ مُجَاهِدٌ بِقَدَحٍ
_________________
(١) ١ عند الدارقطني: ص ٢٨٦، وحديث سفيان عن مجاهد عن أم سلمة، عند الدارقطني: ص ٢٨٧. ٢ عند البخاري في "باب عمرة القضاء في "المغازي" ص ٦١٠ - ج ٢، عند مسلم: ص ٤٠٩ - ج ١ في "الحج" واللفظ له. ٣ عند مسلم: ص ٣٩١، ورواية طاوس عند مسلم: ص ٣٩٠. ٤ عند النسائي في "باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل" ص ٤٦.
[ ٣ / ٩٤ ]
حَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا، انْتَهَى. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهَا، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ وَالْأَرْبَعِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ كَانَ وَاهِمًا، مَاتَتْ عَائِشَةُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَوُلِدَ مُجَاهِدٌ فِي سَنَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ"، ذَكَرَ الدُّورِيُّ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ، قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ يُنْكِرُ سماع مجاهد من عَائِشَةَ، وَقَالَ الْقَطَّانُ: كَانَ شُعْبَةُ يُنْكِرُهُ أَيْضًا، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "الْعِلَلِ"، وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ شُعْبَةُ يُنْكِرُهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: رَوَى عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ سَمَاعُ مُجَاهِدٍ مِنْ عَائِشَةَ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ نَفَاهُ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ الْحَلْقِ، وَأَمَرَهُنَّ بِالتَّقْصِيرِ، قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَكَأَنَّهُ حَدِيثٌ مُرَكَّبٌ، فَنَهْيُ النِّسَاءِ عَنْ الْحَلْقِ فِيهِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ١ فِي "الْحَجِّ"، وَالنَّسَائِيُّ فِي "الزِّينَةِ"، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، انْتَهَى. ثُمَّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ بِهِ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ النَّبِيِّ مُرْسَلًا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، انْتَهَى٢. وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ": هَذَا حَدِيثٌ يَرْوِيه هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيٍّ، وَخَالَفَهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَرَوَيَاهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ مُرْسَلًا.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنْ مُعَلَّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيِّ ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، انْتَهَى. قَالَ الْبَزَّارُ: وَمُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ رَوَى عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِأَحَادِيثَ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهَا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وَقَالَ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ: إنَّهُ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند الترمذي في "باب ما جاء في كراهية الحلق للنساء" ص ١٢٣ - ج ١ وعند النسائي في "باب النهي عن حلق المرأة رأسها" ص ٢٧٥ - ج ٢. ٢ في "تهذيب التهذيب - في ترجمة قتادة" ص ٣٥٥ - ج ٨، وقال الحاكم في "علوم الحديث": لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس، وقد ذكر ابن أبي حاتم عن أحمد بن حنبل مثل ذلك، الخ، وقال أبو حاتم: قتادة عن أبي الأحوص مرسل، وأرسل عن أبي موسى، وعائشة، وأبي هريرة، ومعقل بن يسار.
[ ٣ / ٩٥ ]
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ": يَرْوِي عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَقْلُوبَاتِ، لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إذَا انفرد به، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ ثَنَا رَوْحُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي ميمونة ثَنَا أَبِي عَنْ وَهْبِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْت عُثْمَانَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، انْتَهَى. قَالَ الْبَزَّارُ: وَوَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ لَا نَعْلَمُهُ رَوَى غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا نَعْلَمُ حَدَّثَ عَنْهُ، إلَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، وَرَوْحٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ: رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الْحَادِيَ عَشَرَ، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، مِنْ حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ ثَنَا أَبِي سَمِعْت أَبَا فَزَارَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَبَنَى بِهَا، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ، فَدَفَنَهَا فِي الظُّلَّةِ الَّتِي بَنَى بِهَا فِيهَا، فَنَزَلْنَا قَبْرَهَا أَنَا، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا وَضَعْنَاهَا فِي اللَّحْدِ، مَالَ رَأْسُهَا، فَأَخَذْت رِدَائِي فَوَضَعْته تَحْتَ رَأْسِهَا، فَاجْتَذَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَلْقَاهُ، وَكَانَتْ قَدْ حَلَقَتْ رَأْسَهَا فِي الْحَجِّ، فَكَانَ رَأْسُهَا مُحْجَمًا، انْتَهَى.
وَأَمَّا أَمْرُهُنَّ بِالتَّقْصِيرِ، فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"١ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عُثْمَانَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ"، انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَحَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيُّ - ثِقَةٌ - ثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بِهِ، سَوَاءً، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": هَذَا ضَعِيفٌ وَمُنْقَطِعٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَانْقِطَاعُهُ مِنْ جِهَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ صَفِيَّةَ، فَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَوْلُ أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنَا رَجُلٌ ثِقَةٌ - يُكْنَى أَبَا يَعْقُوبَ - وَهَذَا غَيْرُ كَافٍ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ أَبُو يَعْقُوبَ إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي إسْرَائِيلَ، فَذَاكَ رَجُلٌ تَرَكَهُ النَّاسُ، لِسُوءِ رَأْيِهِ، وَأَمَّا ضَعْفُهُ، فَإِنَّ أُمَّ عُثْمَانَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ لَا يُعْرَفُ حَالُهَا، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا فِي "سُنَنِهِ"٢، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَالْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِهِ، قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ لَيْثٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ فِي الْمُحْرِمَةِ: تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ السَّبَّابَةِ، انْتَهَى. وَلَيْثٌ هَذَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
_________________
(١) ١ عند أبي داود في "باب الحلق والتقصير" ص ٢٧٢. ٢ روايات الدارقطني كلها في: ص ١٧٧ - ج ١.
[ ٣ / ٩٦ ]
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ ﵇: "مَنْ قَلَّدَ بَدَنَةً فَقَدْ أَحْرَمَ"، قُلْت: غَرِيبٌ مرفوعًا، وقفه ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَنْ قَلَّدَ فَقَدْ أَحْرَمَ، انْتَهَى. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَلَّدَ أَوْ جَلَّلَ أَوْ أَشْعَرَ فَقَدْ أَحْرَمَ، انْتَهَى. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَلَّدَ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ أَحْرَمَ، انْتَهَى. وَرَدَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ عبد الرازق فِي "مُصَنَّفِهِ"، وَمِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَيْ جَابِرٍ يُحَدِّثَانِ عَنْ أَبِيهِمَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﵇ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إذْ شَقَّ قيمصه حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَسُئِلَ، فَقَالَ: " وَاعَدْتهمْ يُقَلِّدُونَ هَدْيَ الْيَوْمِ فَنَسِيت"، انْتَهَى. وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ" مِنْ جِهَةِ الْبَزَّارِ، فَقَالَ: وَلِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدٌ، وَعَقِيلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، مَنْ هُمَا مِنْ الثَّلَاثَةِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي "شَرْحِ الْآثَارِ" ١ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ٢ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﵇ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ رجليه، فنظر القوم إليه، فَقَالَ: " إنِّي أُمِرْت بِبُدْنِي الَّتِي بُعِثْت بِهَا أَنْ تُقَلَّدَ الْيَوْمَ وَتُشْعَرَ، فَلَبِسْت قَمِيصِي وَنَسِيت، فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي"، وَكَانَ بَعَثَ بِبُدْنِهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، انْتَهَى. وَضَعَّفَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ" عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَطَاءٍ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يُحْتَجُّ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ، فَكَيْفَ إذَا خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ؟! وَقَدْ تَرَكَهُ مَالِكٌ وَهُوَ جَارُهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: مَوْقُوفٌ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّائِغِ الْمَكِّيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيّ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ - وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ الله ﷺ - أرد الْحَجَّ، فَرَجَّلَ أَحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ، فَقَامَ غُلَامُهُ فَقَلَّدَ هَدْيَهُ، فَنَظَرَ إلَيْهِ قَيْسٌ، فَأَهَلَّ، وَخَلَّا شِقَّ رَأْسِهِ الَّذِي رَجَّلَهُ، وَلَمْ يُرَجِّلْ الشِّقَّ الْآخَرَ، انْتَهَى. وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" مُخْتَصَرًا عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ، أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ - وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أَرَادَ الْحَجَّ فَرَجَّلَ، انْتَهَى. وَذَكَرَ أَنَّ الْبَرْقَانِيَّ أَتَمَّهُ بِلَفْظِ الطَّبَرَانِيِّ، سَوَاءً، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْجِهَادِ - فِي بَابِ مَا قِيلَ فِي لِوَائِهِ ﵇".
_________________
(١) ١ عند الطحاوي في "باب الرجل يوجه بالهدي إلى مكة" ص ٤٣٩ - ج ١. ٢ كذا في "التهذيب" ص ٣٨٨ - ج ٦.
[ ٣ / ٩٧ ]
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ: رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ بِهَا، وَأَقَامَ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ"١ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَدْيِ، فَأَنَا فَتَلْت قَلَائِدَهَا بِيَدِي مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا حَلَالًا، يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ: قُلْت: لَقَدْ رَأَيْتنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعِهْنِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٢، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَيَجْلِسُ فِي الْمِصْرِ فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ، فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يحل الناس، قَالَ: فَسَمِعْت تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إلَى الْكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا أُحِلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ ٣ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ، أَنَا فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، ثُمَّ قَلَّدَهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَتَقْلِيدُ الشَّاةِ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، يُشْكِلُ عَلَيْهِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ٤ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً إلَى الْبَيْتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا، انْتَهَى. وَلِمُسْلِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْغَنَمِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ: قَالَ ﵇ فِي حَدِيثِ الجمعة: " فالمتعجل مِنْهُمْ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ: فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً،
_________________
(١) ١ عند البخاري في مواضع عديدة: منها في "باب فتل القلائد للبدن والبقر" ص ٢٣٠ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤٢٥. ٢ عند مسلم: ص ٤٢٥، واللفظ له، وعند البخاري في "باب تقليد الغنم" ص ٢٣٠. ٣ عند مسلم: ص ٤٢٥، وعند البخاري في "باب من قلد القلائد بيده" ص ٢٣٠. ٤ عند البخاري في "باب تقليد الغنم" ص ٢٣٠ - ج ١، وعند مسلم: ص ٤٢٥، واللفظ له، واللفظ الآخر لمسلم أيضًا في "ص ٤٢٥. ٥ عند البخاري في "باب فضل الجمعة" ص ١٢١ - ج ١، والرواية الثانية: ص ١٢٧ - ج ١. وعند مسلم الرواية الأولى: ص ٢٨٠ - ج ١، والرواية الثانية: ص ٢٨٢ - ج ١.
[ ٣ / ٩٨ ]
فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ"، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: "إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَاَلَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً "، إلَى آخِرِهِ، فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ١، قَالَ: "فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ كَاَلَّذِي يُهْدِي عُصْفُورًا، وَفِي السَّادِسَةِ بَيْضَةً"، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: " فِي الرَّابِعَةِ كَالْمُهْدِي بَطَّةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً"، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الخلاصة": وإسنادهما صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُمَا شَاذَّتَانِ، لِمُخَالَفَتِهِمَا الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةَ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ فِي الْحَدِيثِ: "كَالْمُهْدِي جَزُورًا"، قُلْت: هَذِهِ اللَّفْظَةُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مُسْلِمٍ ٢ وَلَكِنَّ رواية البدن أَصَحُّ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهَا، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: "عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكٌ يَكْتُبُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، مَثَّلَ الْجَزُورَ، ثُمَّ نَزَّلَهُمْ حَتَّى صَغَّرَ إلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ وَحَضَرُوا الذِّكْرَ"، انْتَهَى. وَجَهِلَ هَذَا الْجَاهِلُ جَهْلًا فَاحِشًا، فَقَالَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا أَصْلَ لَهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، فِيمَا عَلِمْت، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ روايات النسائي في "باب التبكير إلى الجمعة" ص ٢٠٦ - ج ١. ٢ رواية الجزور، عند مسلم في: ص ٢٨٣.
[ ٣ / ٩٩ ]