الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ١ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ، انْتَهَى. إلَّا ابْنَ مَاجَهْ٢ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَسَافَرَ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَلَفْظُهُمَا: وَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، الْحَدِيثَ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَالَ ﵇: "لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ٣، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِمَا" عَنْ سُوَيْد بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ"، انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ سُوَيْد عَنْ سُفْيَانَ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا وَهْمٌ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، أَوْ مِنْ سُوَيْد بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسُوَيْدٌ ضَعِيفٌ، لَا يُقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٤، وَقَالَ: الشَّيْخَانِ لَمْ يَحْتَجَّا بِسُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، انْتَهَى. وَسُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي "الْكَمَالِ" قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٌ: سَأَلْت هُشَيْمًا، فَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"٥ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إلَّا لما لابد مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ، انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحَاقَ لَا يَقُولُ
فِيهِ: قَالَتْ: السُّنَّةُ، انْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ": وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحَاقَ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ،
_________________
(١) ١ البخاري في "باب الاعتكاف في العشر الأواخر" ص ٢٧١، ومسلم في "الاعتكاف": ص ٣١٧، وأبو داود: ص ٣٤١. ٢ وابن ماجه: ص ١٢٧، وأبو داود: ص ٣٤١. ٣ الدارقطني: ص ٢٤٧، والبيهقي: ص ٣١٧ ج ٤. ٤ الحاكم في "المستدرك" ص ٤٤٠ ج ١. ٥ أبو داود في "باب المعتكف يعود مريضًا" ص ٣٤٢.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، انْتَهَى. قُلْت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الْإِيمَانِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ" عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهِ، وَفِيهِ قَالَتْ: السُّنَّةُ فِي الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَصُومَ، وَقَالَ: أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحِ" دُونَ قَوْلِهِ: وَالسُّنَّةُ فِي الْمُعْتَكِفِ، إلَى آخِرِهِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ فِي "السُّنَنِ"١، وَ"الْمَعْرِفَةِ". وَقَالَ فِي "الْمَعْرِفَةِ" وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجَا الْبَاقِيَ لِاخْتِلَافِ الْحُفَّاظِ فِيهِ: مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَوْلُ عَائِشَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَ عَائِشَةَ، فَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: الْمُعْتَكِفُ لَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ٢، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٣ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَشِّرٍ ثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ حدثنا القاسم بن معن عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ. ثُمَّ اعْتَكَفْنَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَلَا يَتَّبِعَ جِنَازَةً، وَلَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَيَأْمُرُ مَنْ اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ: وسنَّة عن اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ، إلَى آخِرِهِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ وَهَمَ، انْتَهَى. وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَشِّرٍ، وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ عَدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ٤ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلُ عن عمر بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً، أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "اعْتَكِفْ وَصُمْ"، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ، والدارقطني: فَأَمَرَهُ
أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: الشَّيْخَانِ لَمْ يَحْتَجَّا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلُ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِمَا"، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلُ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ عَنْ عَمْرٍو، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ،
_________________
(١) ١ البيهقي في "السنن" ص ٣١٥ ج ٤. ٢ في نسخة الدار "إلا بصيام" [البجنوري] . ٣ الدارقطني: ص ٢٤٧. ٤ أبو داود في "باب المعتكف يعود للمريض" ص ٣٤٢، والدارقطني: ص ٢٤٧، والبيهقي: ص ٣١٦ ج ٤، والحاكم في "المستدرك" ص ٤٣٩ ج ١، قال في "التقريب": عبد الله بن بديل صدوق يخطئ، اهـ.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
لِأَنَّ الثِّقَاتِ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرٍو لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الصَّوْمَ: مِنْهُمْ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَابْنُ بُدَيْلُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلُ بْنِ وَرْقَاءَ، وَيُقَالُ: ابْنُ بشر الخزاعي، رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالزُّهْرِيُّ رَوَى عَنْهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: صَالِحٌ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَهُ أَحَادِيثُ تُنْكَرُ عَلَيْهِ، فِيهَا زِيَادَةٌ فِي الْمَتْنِ، أَوْ فِي الْإِسْنَادِ، ثُمَّ يَرْوِي لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ ذَكَرَ فِيهِ الصَّوْمَ مَعَ الِاعْتِكَافِ إلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ "الثِّقَاتِ"، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحَيْهِمَا"١ لَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الصَّوْمَ، وَلَفْظُهُمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْلَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "أَوْفِ بِنَذْرِك"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى أَبُو دَاوُد، كُلُّهُمْ أَخْرَجُوهُ فِي "الْأَيْمَانِ وَالنَّذْرِ"، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْآثَارُ: رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ اعْتَكَفَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، انْتَهَى. أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَنْ اعْتَكَفَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ٢ عَنْ أَسِيد بْنِ عَاصِمٍ ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: الْمُعْتَكِفُ يَصُومُ، انْتَهَى. وَفِي "مُوَطَّأِ مَالِكٍ"٣ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَنَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَا: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فَذَكَرَ تَعَالَى الِاعْتِكَافَ مَعَ الصِّيَامِ، قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ عُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، قَالَا: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ، وَيُنْظَرُ الْأَسَانِيدُ فِيهِ.
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي
نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَوْفِ بِنَذْرِك، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٤ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهِ، أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً
_________________
(١) ١ البخاري في "الاعتكاف" ص ٢٧٢، وفي "الفيء" ص ٤٤٥، ومسلم في: ص ٥٠ ج ٢، وفي لفظ لهما: يومًا، والنسائي: ص ١٤٧ ج ٢، وأبو داود: ص ١١٤ ج ٢، والترمذي: ص ١٨٦، وابن ماجه: ص ١٥٥، وفي "الاعتكاف" ص ١٢٨. ٢ ص ٣١٨ ج ٤. ٣ ص ١٠١. ٤ ص ٢٤٦.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ، سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: "أَوْفِ بِنَذْرِك"، فَاعْتَكَفَ عُمَرُ لَيْلَةً، انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إسْنَادُهُ ثَابِتٌ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ": وَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَا أَنَّهُ عُورِضَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ١ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا، فَقَالَ: أَوْفِ بنذرك، لأنه عَنْهُ جَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ نَذَرَ نَذْرَيْنِ فَيَكُونَ كُلُّ لَفْظٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا مُسْتَقِلًّا. الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ، إذْ لَا ذِكْرَ لِلصَّوْمِ فِيهِ، قَالَ: وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ٢ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ فِي الشِّرْكِ أَنْ يَعْتَكِفَ، وَيَصُومَ، فَأَمَرَهُ ﵇ بَعْدَ إسْلَامِهِ أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ذِكْرُ الصَّوْمِ فِيهِ غَرِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، انْتَهَى. وَعَنْهُ أَيْضًا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ بَشِيرٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَعِينٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَذَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِنَذْرِهِ، لَا بِكَوْنِهِ شَرْطًا في سحة الِاعْتِكَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالُوا فِيهِ: لَيْلَةً، وَكَذَلِكَ قَالَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ٣ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ: وَمَعْمَرٌ عن أيوب: يوم، بَدَلَ: لَيْلَةً، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَوْلَى، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَعْرَفُ بِأَيُّوبَ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْيَوْمَ مَعَ اللَّيْلَةِ، أَوْ الليلة مع اليوم، وحيئنذ فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْقَوِيُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ أَنَّ الصِّيَامَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ، فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَعَ الصِّيَامِ، وَغَالِبُ اعْتِكَافِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَصْحَابِهِ إنَّمَا كَانَ فِي رَمَضَانَ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ، لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي دُخُولِ يَوْمِ الْفِطْرِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْعَشْرِ الَّذِي اعْتَكَفَ ثَانِيَ يَوْمِ الْفِطْرِ، بَلْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ، فَلَمَّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٤ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ السُّوسِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ
_________________
(١) ١ أما البخاري فلم أجد فيه، وأما مسلم فرواه في: ص ٥٠ ج ٢ عن أيوب، ومحمد بن إسحاق عن نافع، وشعبة عن عبيد الله عن نافع، والله أعلم. ٢ الدارقطني ص ٢٤٨، والبيهقي: ص ٣١٧ ج ٤. ٣ كذا قال البيهقي في "السنن" ص ٣١٧ ج ٤، كأنهما غافلان عما في البخاري في "الجهاد" ص ٤٤٥ من رواية حماد بن زيد عن أيوب يومًا. ٤ ص ٢٤٧.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَمِّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَيُرَاجَعُ سَنَدُهُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَفَعَهُ هَذَا الشَّيْخُ، وَغَيْرُهُ لَا يَرْفَعُهُ، انْتَهَى. قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": وَالشَّيْخُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ هَذَا لَا أَعْرِفُهُ. وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَالَ: يَرْوِي عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُوَقَّرِيِّ، رَوَى عَنْهُ مُوسَى بْنُ سَهْلٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيِّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، فَلَا أَدْرِي أَهُمْ ثَلَاثَةٌ، أَمْ اثْنَانِ، أَمْ وَاحِدٌ، وَالْحَالُ فِي الثَّلَاثَةِ مَجْهُولَةٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ١ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ: قَالَ: اجْتَمَعْت أَنَا، وَابْنُ شِهَابٍ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إلَّا بِصَوْمٍ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ عُمَرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ أَبُو سُهَيْلٍ. فَانْصَرَفْت فَوَجَدْت طَاوُسًا وَعَطَاءً، فَسَأَلَتْهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ طَاوُسٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامًا، إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَقْفَهُ، وَقَالَ: رَفْعُهُ وَهْمٌ، وقال: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَوْقُوفًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، قُلْت: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ٢ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَ دَارِك وَدَارِ أَبِي مُوسَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَكِفُونَ؟! قَالَ: فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْت، أَوْ حَفِظُوا وَنَسِيت؟ قَالَ: أَمَا أَنَا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "السُّنَنِ" عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ
_________________
(١) ١ ص ٣٩١ ج ٤. ٢ إبراهيم لم يدرك حذيفة.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: السُّنَّةُ فِيمَنْ اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، مُخْتَصَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ. ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إنَّ أَبْغَضَ الْأُمُورِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْبِدَعُ، وَإِنَّ مِنْ الْبِدَعِ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الدُّورِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ١ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: مَرَرْت عَلَى أُنَاسٍ عُكُوفٍ بَيْنَ دَارِك، وَدَارِ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ"، أَوْ قَالَ: "فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَعَلَّك نَسِيت وَحَفِظُوا، انْتَهَى. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفَيْهِمَا" أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَخْبَرَنِي جَابِرٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ٢ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، انْتَهَى. وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ: الْمُعْتَكِفُ لَا يَخْرُجُ إلا لما لابد مِنْهُ"، وَتَقَدَّمَ٣ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إلا لما لابد مِنْهُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَأْوًى إلَّا الْمَسْجِدَ يَعْنِي فِي الِاعْتِكَافِ، قُلْت: هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَالنُّصُوصِ الْمُتَطَابِقَةِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ ﵇: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ"، إلَى أَنْ قَالَ: "وَبَيْعَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ". قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ.
_________________
(١) ١ البيهقي: ص ٣١٦، انقلب المتن هنا، أو هناك، فإن في البيهقي، لعلك نسيت، وحفظوا من قول ابن مسعود فقط، فليراجع، وذكر أيضًا نحوه الهيثمي في "الزوائد" ص ١٧٣ ج ٣ من حديث حذيفة عن الطبراني في "الكبير" وقال: رجاله رجال الصحيح، اهـ. ٢ أخرجه مسلم في "الحيض في باب الاضطجاع مع الحائض" ص ١٤٢، وأبو داود في "الاعتكاف في باب المعتكف يدخل البيت لحاجته" ص ٣٤١، والترمذي في "باب المعتكف يخرج لحاجة أم لا" ص ٩٩ وابن ماجه: ص ١٢٨ مختصرًا، والبخاري بمعناه في "باب المعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة" ص ٢٧٢. ٣ في الحديث الثاني حديث أبي داود: ص ٤٦٢، بلفظ: السنة أن لا يخرج، الخ.
[ ٢ / ٤٩١ ]
فَحَدِيثُ وَاثِلَةَ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ"١ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثَنَا الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ ثَنَا عُتْبَةُ بْنُ يَقْظَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ٢ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇، قَالَ: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا٣ صِبْيَانَكُمْ، وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاِتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ، وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي "كِتَابِهِ": بَعْدَ رِوَايَتِهِ حَدِيثَ: "لَا تُظْهِرْ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيك، فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَك"، عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ، فَذَكَرَهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ سَمِعَ مَكْحُولٌ مِنْ وَاثِلَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هِنْدٍ الدَّارِيِّ، وَيُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، انْتَهَى. ذَكَرَهُ فِي "الزُّهْدِ".
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي أُمَامَةَ: فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي أُمَامَةَ. وَوَاثِلَةَ، قَالُوا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَهُ، وَهَذَا سَنَدٌ ضَعِيفٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي "كِتَابَيْهِمَا"، وَأَعَلَّاهُ بِالْعَلَاءِ بْنِ كَثِيرٍ، وَأَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ تَضْعِيفَهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَابْنِ مَعِينٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ: فَرَوَاهُ عبد الرزاق "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَكْحُولٍ٤ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ، سَوَاءً. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُعَاذٍ، فَذَكَرَهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ فِي بَابِ الْمَسَاجِدِ"، رَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ"، الْحَدِيثَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ: يَرْوِيه مُوسَى عَنْ عُمَيْرٍ، قَالَ الْبَزَّارُ. لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
مَسْعُودٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي "مُسْنَدِ الْبَزَّارِ"، وَلَعَلَّهُ عَثَرَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ أَمَالِيهِ، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ٥ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ
_________________
(١) ١ "باب ما يكره في المساجد" ص ٥٥. ٢ في نسخة الدار "عن أبي سعيد الشامي". ٣ في نسخة الدار "مساجدكم "البجنوري". ٤ مكحول لم يسمع من معاذ "زوائد" ص ٢٦ ج ٢. ٥النسائي في "باب النهي عن البيع والشراء في المسجد" ص ١١٧ ج ١، والترمذي في "باب كراهية البيع والشراء" الخ: ص ٤٣ ج ١، وأبو داود في "الجمعة في باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة" ص ١٩١ وابن ماجه في "باب ما يكره في المساجد" ص ٥٥، والطحاوي: ص ٤٠٧ ج ٢، وأحمد: ص ١٧٩ ج ٢.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدَ ضَالَّةٌ، أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ، وَنَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالنَّسَائِيُّ رَوَاهُ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" بِتَمَامِهِ، وَفِي "السُّنَنِ" اخْتَصَرَهُ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَرْفُوعًا.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "كِتَابِهِ"١، وَالنَّسَائِيُّ فِي "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا رَبَّحَ اللَّهُ تِجَارَتَك، وَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْك"، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ فِي الْبُيُوعِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي "مُسْلِمٍ"٢، وَمَا وَجَدْته، فَلْيُرَاجَعْ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ٣ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ زَيْدِ بن جبير عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا، وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ، وَلَا يُنْبَضُ٤ فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْشَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلَا يُمَرُّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيءٍ، وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَا يُتَّخَذُ سُوقًا"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وَأَعَلَّهُ بِزَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَدِيٍّ رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ"، وَأَعَلَّهُ بِزَيْدٍ، وَدَاوُد، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ"، وَأَعَلَّهُ بِزَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، وَقَالَ: إنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنْ الْمَشَاهِيرِ، فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ، انْتَهَى.
_________________
(١) الترمذي في "البيوع في باب النهي عن البيع في المسجد" ص ١٥٨، والحاكم في "المستدرك" ص ١٥٩ ج ٢. ٢ قلت: طرف الضالة فقط، رواه مسلم في: ص ٢١٠ ج ١ عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي عبد الله عن أبي هريرة. ٣ ص ٥٥ ٤ هكذا، في نسخة الدار أيضًا، ولعله من قولهم: "أنبض الرامي بالوتر، إذا جذبه، ثم أرسله ليرن" كما في "الأقرب" وفي نسخة مخطوطة أخرى، وفي نسخة ابن ماجه المطبوعة في الهند "ولا يقبض" وهو أيضًا صحيح، ويناسب المقام، كما لا يخفى، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
المجلد الثالث