الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ٥" عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ، فَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ قَامَ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، هُوَ أَدْنَى مِنْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ:
_________________
(١) ٥ مسلم: ص ٢٩٦، واللفظ له.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَمُسْلِمٌ١ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَخْرَجَا٢ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِيهِ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: لَمَّا انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَى عَنْ الشَّمْسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ قَطُّ، انْتَهَى. وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِحَدِيثِ جَابِرٍ٣، أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ، قَالَ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، مُخْتَصَرٌ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ٤ بِحَدِيثِ أَسْمَاءَ، مُبِينًا فِيهِ الصَّلَاةَ أَرْبَعَ رَكَعَاتِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، يُبَيِّنُ فِيهِ الصَّلَاةَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ "الثَّلَاثُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ"، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ٥ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ، نَحْوَهُ٦، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَاوُسٍ٧ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ﵇ صَلَّى فِي الْكُسُوفِ، فَقَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ٨: صَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ، انْتَهَى. لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَلَكِنَّهُ أَحَالَ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
_________________
(١) ١ البخاري في "باب صلاة الكسوف جماعة" ص ١٤٣، ومسلم في "كتاب الكسوف" ص ٢٩٨. ٢ البخاري: ص ١٤٣، ومسلم: ص ٢٩٩ ج ١. ٣ مسلم: ص ٢٩٧ ج ١، وأبو داود: ص ١٧٤. ٤ البخاري: ص ١٤٤، ومسلم: ص ٢٩٨. ٥ مسلم: ص ٢٩٧، وأبو داود: ص ١٧٤. ٦ ص ٢٩٦. ٧ ص ٢٩٩. ٨ص ٢٩٩.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ "الْخَمْسُ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ"، فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"١ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو حَتَّى تَجَلَّى كُسُوفُهَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاهَانَ، فِيهِ مَقَالٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الْخُلَاصَةِ": لَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ حَدِيثٌ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ "فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعٌ"، قُلْت: لَمْ أَجِدْهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنَّمَا وَجَدْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَعَلَّهُ تَصَحَّفَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد٢. وَالنَّسَائِيُّ. وَالتِّرْمِذِيُّ فِي "الشَّمَائِلِ" عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يَكَدْ يَرْكَعُ، ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، فَلَمْ يَكَدْ يَسْجُدُ، ثُمَّ سَجَدَ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ، ثُمَّ رَفَعَ، وَفَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، زَادَ النَّسَائِيُّ: مِنْ الْقِيَامِ. وَالرُّكُوعِ. وَالسُّجُودِ. وَالْجُلُوسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنْ أَجْلِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، انْتَهَى. وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُنْذِرِيِّ حِينَ قَالَ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنْ يُقَيِّدَهُ "بِالشَّمَائِلِ"، بَلْ أَطْلَقَ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ لِعَطَاءٍ حَدِيثًا مَقْرُونًا بِأَبِي بِشْرٍ، وَقَالَ أَيُّوبُ: هُوَ ثِقَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَغَيْرُهُ بَيْنَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي "الْإِمَامِ": كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، رَوَى عَنْهُ فِي الِاخْتِلَاطِ، إلَّا شُعْبَةَ. وَسُفْيَانَ، انْتَهَى.
قُلْت: وَأَصْحَابُ السُّنَنِ أَخْرَجُوهُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَطَاءٍ خَلَا النَّسَائِيَّ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ بِهِ، وَلَيْسَ مَتْنُهُ بِصَرِيحٍ فِي الرَّكْعَتَيْنِ،
_________________
(١) ١ أبو داود في "الكسوف في باب من قال: أربع ركعات" ص ١٧٤، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٣٣، وقال: رواته صادقون، قال ابن حزم في "المحلى" ص ١٠٠ ج ٥، بعد أن روى أحاديث الركوع، والركوعين إلى خمس ركوعات، كل هذا في غاية الصحة، عن رسول الله ﷺ، وعمل به من صاحب. أو تابع، اهـ. ٢ أبو داود في "باب من يركع ركعتين" ص ١٧٦ من طريق حماد بن سلمة، والنسائي في "باب القول في السجود في صلاة الكسوف" ص ٢٢٢ من طريق شعبة، والترمذي في "الشمائل" ص ٢٣ عن جرير عن عطاء، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٢٩، وأحمد: ص ١٩٨ ج ٢، كلاهما من طريق سفيان، وصححه الحاكم، والطحاوي: ص ١٩٤ عن حماد بن سلمة، والثوري، وغيرهما، وقال العراقي في "التقييد والايضاح" ص ٣٩٢: عن يحيى بن معين، قال: حديث سفيان. وشعبة. وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم، اهـ.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وَلَفْظُهُ: قَالَ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَأَطَالَ، قَالَ سَمِعْته، وَأَحْسَبُهُ قَالَ فِي السُّجُودِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
أَحَادِيثُ الْبَابِ: أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد١. وَالنَّسَائِيُّ. عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا. وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا، حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ، قِيدَ رُمْحَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، فِي عَيْنِ النَّاظِرِ مِنْ الْأُفُقِ، اسْوَدَّتْ، حَتَّى آضَتْ، كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ، فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ: انْطَلِقْ بنا إلى المسجد، فو الله لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ حَدَثًا، قَالَ: فَدَفَعْنَا، فَإِذَا هُوَ بَارِزٌ، فَاسْتَقْدَمَ، فَصَلَّى بِنَا، فَقَامَ، كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قِطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا، قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ، كَأَطْوَلِ مَا رَكَعَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا، ثُمَّ سَجَدَ بِنَا، كَأَطْوَلِ مَا سَجَدَ بِنَا فِي صَلَاةٍ قَطُّ، لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: فَوَافَقَ تَجَلِّي الشَّمْسِ جُلُوسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: "إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ. وَالْقَمَرُ، فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"٢.وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَيُنْظَرُ لَفْظُهُمَا، وَتَكَلَّمُوا فِي سَمَاعِ أَبِي قِلَابَةَ٣ مِنْ النُّعْمَانِ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي "عِلَلِهِ": قَالَ أَبِي: قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: أَبُو قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مُرْسَلٌ، قَالَ أبي: قد أدرك أبي قِلَابَةَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، وَلَا أَعْلَمُ أَسَمِعَ مِنْهُ، أَوْ لَا، وَقَدْ رَوَاهُ عَفَّانَ٤ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ النُّعْمَانِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": هَذَا حَدِيثٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ، انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الْخُلَاصَةِ": وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ
_________________
(١) ١ أبو داود في "باب من قال: أربع ركعات" ص ١٧٥، والنسائي في "الكسوف" ص ٢١٨، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٣٠ بطوله، وقال: على شرطهما، وأحمد: ص ١٦ ج ٥. ٢ص ٢٧١ ج ٤، وص ٢٧٧ ج ٤ عن عفان، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٣٢، وقال في "التلخيص": صححه ابن عبد البر، اهـ. ٣ فإن قيل: إن أبا قلابة روى هذا الحديث عن رجل عن قبيصة العامري، قلنا: نعم، فكان ماذا؟! وأبو قلابة أدرك النعمان، فروى هذا الخبر عنه، ورواه أيضًا عن آخر، فحدث بكلتا روايتيه، ولا وجه للتعلل بمثل هذا أصلًا، ولا معنى له "محلى" ص ٩٨ ج ٥. ٤ روى أحمد في "مسنده" ص ٢٦٧ ج ٤ عن عفان، الخ، فليراجع، ورواه عبيد الله بن عمرو عن أيوب عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير، أو غيره، كما في "الطحاوي" ص ١٩٥ ج ١.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْأَلُ عَنْهَا، حَتَّى انْجَلَتْ، قَالَ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. إلَّا أَنَّهُ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ بَيْنَ أَبِي قِلَابَةَ. وَالنُّعْمَانِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"١ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ، وَثَابَ النَّاسُ إلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ. وَالْقَمَرَ. آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمَا لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ٢، وَقَالَ فِيهِ: فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا تُصَلُّونَ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"، وَقَالَ فِيهِ: فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَلَاتِكُمْ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مِثْلَ صَلَاتِكُمْ فِي الْكُسُوفِ، وَوَهَمَ النَّوَوِيُّ فِي "الْخُلَاصَةِ"، فَعَزَا هَذَا الْحَدِيثَ "لِلصَّحِيحَيْنِ"، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ٣ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنْت أَرْمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، وَقُلْت: وَاَللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ إلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَانْتَهَيْت إلَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا، قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَفِي لَفْظٍ: قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ، رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، إلَى آخِرِهِ، وَظَاهِرُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ، أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَكَلَّفُوا لِلْجَوَابِ عَنْهُمَا، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ "يَعْنِي فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَرُكُوعَانِ"، انْتَهَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَسَكَتَ عَنْ الْأُخْرَى، وَفِي هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ إخْرَاجُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ النَّسَائِيّ: كَمَا تُصَلُّونَ. وَابْنِ حِبَّانَ: مِثْلَ صَلَاتِكُمْ، يَرُدُّ ذَلِكَ، وَتَأَوَّلَهُ الْمَازِرِيُّ، عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ لَا كُسُوفٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا صَلَّى بَعْدَ الِانْجِلَاءِ، وَابْتِدَاؤُهَا بَعْدَ الِانْجِلَاءِ لَا يَجُوزُ، وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِمُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، قَالَ: بل يحمل قوله: فاتهيت إلَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، عَلَى أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَأَتَيْته، وَهُوَ قَائِمٌ فِي
_________________
(١) ١ البخاري: ١٤٥، والنسائي ٢٢١. ٢ النسائي في "باب الأمر بالدعاء في الكسوف" ص ٢٢٣، ولفظه: كما تصلون، اهـ. وكذا الطحاوي: ص ١٩٥، وأخرجه النسائي: ص ٢٢١، ولفظه: مثل صلاتكم هذه، وذكر كسوف الشمس، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٣٥، ولفظه، إن النبي ﷺ صلى ركعتين بمثل صلاتكم هذه في كسوف الشمس، اهـ، قلت: الظرف في حدث الحاكم يتعلق بصلى وكذا في حديث ابن حبان. ٣ مسلم: ص ٢٩٩، وأبو داود: ص ١٧٦، والحاكم: ص ٣٢٩ ج ١
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الصَّلَاةِ، وَكَانَتْ السُّورَتَانِ بعد الانجلاء، وهذا لابد مِنْهُ، جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، انْتَهَى. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ مَا ذكر الْمَازِرِيُّ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ وَرَدَ فِي أَبِي دَاوُد١ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى تَجَلَّتْ الشَّمْسُ. قَالَ: وَهُوَ مُعْتَمَدٌ قَوِيٌّ لِلْكُوفِيِّينَ٢، غَيْرَ أَنَّ أَحَادِيثَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَصَحُّ، وَأَشْهُرُ، وَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ بَيْنَ الْجَوَازِ، وَذَلِكَ هُوَ السُّنَّةِ، انْتَهَى. وَقَدْ غَفَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ: فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"٣ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثَنَا وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ فَزِعًا، يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ انْجَلَتْ، فَقَالَ: "إنَّمَا هَذِهِ الْآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا، كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ"، انْتَهَى. ثُمَّ رَوَاهُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ قَبِيصَةَ الْهِلَالِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مُوسَى، وَلَمْ يَسُقْ الْمَتْنَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" بِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، قَالَ: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا عَلَّلَاهُ بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ٤ عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ٥ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ قَبِيصَةَ، قَالَ: وَهَذَا لَا يُعَلِّلُ حَدِيثًا رَوَاهُ مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ، انْتَهَى كَلَامُهُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي "سُنَنِهِ" بِسَنَدٍ آخَرَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ أَنَّ جَدَّهُ عُبَيْدَ الله بن الوزاع حَدَّثَهُ حَدِيثَ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ، وَنَحْنُ مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم بِالْمَدِينَةِ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ أَبِي دَاوُد، سَوَاءٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ بِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ، سَقَطَ بَيْنَ أَبِي قِلَابَةَ. وَقَبِيصَةَ رَجُلٌ، وَهُوَ: هِلَالُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الْخُلَاصَةِ": وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ هِلَالًا ثِقَةٌ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ أبو داود في "باب من قال: يركع ركعتين" ص ١٧٦، والطحاوي: ص ١٩٥، وأحمد: ص ٢٦٧ ج ٤. ٢قال ابن عبد البر في "التمهيد": ومن أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة عن النعمان، كذا في "الجوهر" وقال النووي في "المجموع" ص ٦٣ ج ٥: إسناده صحيح، وحسن. ٣ أبو داود في "باب من قال: أربع ركعات" ص ١٧٥، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٣٣، والنسائي: ص ٢١٩، وأحمد ص ٦١ ج ٥. ٤ ريحان بن سعيد، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البرديجي: حديث ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس منكر "الجوهر". ٥ عباد بن منصور ضعفه غير واحد، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق، رمي بالقدر، وكان يدلس، وتغير بآخره، اهـ.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ١: وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِرَكْعَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ عَنْ صَلَاتِهِ ﵊ يَوْمَ الْكُسُوفِ، يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمَ، وَقَدْ أَثْبَتَ جَمَاعَةٌ مِنْ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ عَدَدَ رُكُوعِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ٢، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ": كُلُّ مَا وَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ، وَقَوْلُهُ: مِثْلَ صَلَاتِنَا، أَوْ مِثْلَ صَلَاتِكُمْ، ظَنٌّ مِنْ الرَّاوِي، انْتَهَى.
أَحَادِيثُ خُسُوفِ الْقَمَرِ: تَقَدَّمَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا"، وَفِي لَفْظٍ: "فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ"، أَخْرَجَاهُ٣ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ٤ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخْرَجَاهُ٥ أيضا حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْحَاكِمُ٦ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: "فَأَيُّهُمَا انْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ"، وَلِلْبَيْهَقِيِّ٧ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: "فَإِذَا خَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَصَلُّوا"، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٨ عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدِ ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. وَالْقَمَرِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. انْتَهَى. وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، سَكَتَ عَنْهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ" ثُمَّ ابْنُ الْقَطَّانِ بَعْدَهُ، وَقَالَ: إنَّ ثَابِتَ بْنَ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدَ صَدُوقٌ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا٩ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. وَالْقَمَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ١٠: فِيهِ سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ، ولا أعرف حاله، انْتَهَى.
قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَسْنُونَ اسْتِيعَابُ الْوَقْتِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ، قُلْت: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ. وَمُسْلِمٌ١١ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ. وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رأيتموها فَادْعُوَا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ"، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ ص ٣٣٤ ج ٣. ٢وكذا من روى، في كل ركعة ثلاث ركعات، وأكثر "الجوهر". ٣ البخاري في "باب خطبة الإِمام في الكسوف" ص ١٤٢، ومسلم ص ٢٩٦، حديث ابن عمر أخرجه "البخاري" ص ١٤٢، ومسلم: ص ٢٩٩. ٤ حديث جابر أخرجه مسلم: ص٢٩٩ ٥ البخاري في باب"الصلاة" في كسوف الشمس" ص١٤٢ ومسلم:٢٩٩ ٦ ص ٣٣٢ ج ١. ٧ ص ٣٣٧ ج ٣. ٨ الدارقطني ص ١٨٨، وقال الحافظ في "التلخيص": وفي إسناده نظر، وهو في مسلم، بدون ذكر: القمر، اهـ. ٩ ص ١٨٨. ١٠ وقال الحافظ في "التلخيص" ذكر القمر فيه مستغرب، اهـ. ١١ البخاري في "باب الدعاء في الكسوف" ص ١٤٥، ومسلم: ص ٣٠٠ ج ١.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وَلِلْبُخَارِيِّ١ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلِمُسْلِمٍ٢ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَهُ أَيْضًا٣ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، "فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى تَنْجَلِيَ"، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: "صَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ"، وَلَهُ أَيْضًا٤مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ ابْنُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: إنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا الشَّمْسُ. وَالْقَمَرُ آيات مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ"، مُخْتَصَرٌ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد٥ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو حَتَّى تَجَلَّى كُسُوفُهَا، مُخْتَصَرٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاهَانَ، اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِيهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي رَكْعَتَيْ الْكُسُوفِ بِالْقِرَاءَةِ،
قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَمُسْلِمٌ٦ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قراءته فَرَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ:
سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنِ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، انْتَهَى. لَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسْلِمٌ: ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَلِلْبُخَارِيِّ٧ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد٨ وَلَفْظُهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، فَجَهَرَ بِهَا "يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، انْتَهَى. وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، وَلَفْظُهُ: قَالَتْ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ،
_________________
(١) ١ البخاري في "باب الصلاة في كسوف الشمس" ص ١٤١ ج ١. ٢ مسلم: ص ٢٩٩. ٣ مسلم: ص ٢٩٦. ٤ مسلم: ص ٢٩٧. ٥ أبو داود في "باب من قال: أربع ركعات" ص ١٧٤ ج ١. ٦ البخاري في "باب الجهر بالقراءة في الكسوف" ص ١٤٥، ومسلم: ص ٢٩٦. ٧ قلت: حديث أسماء لم اجده في البخاري، وعز إليه العيني في "البناية". وابن الهمام في "الفتح". والحافظ في "الدراية" أيضًا. ٨ أبو داود في "باب القراءة في صلاة الكسوف" ص ١٧٥. والترمذي في "باب القراءة في الكسوف" ص ٧٣، كلاهما من حديث عائشة، دون أسماء.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ، انْتَهَى. وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ يُفَسِّرُ١ لَفْظَ "الصَّحِيحَيْنِ" بِخُسُوفِ الْقَمَرِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ. وَسَمُرَةُ الْإِخْفَاءَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ.
قُلْت: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"٢، وَكَذَلِكَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" حدثنا حسن بن مُوسَى الْأَشْيَبِ أَنْبَأَ ابْنُ لَهِيعَةَ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْكُسُوفَ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِيهَا حَرْفًا مِنْ الْقِرَاءَةِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ عِكْرِمَةَ" مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْت إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ قِرَاءَةً، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَمِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَؤُلَاءِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْتَجُّ بِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ عَدَدٌ، وَرِوَايَتُهُمْ تُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ﵇ قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، هَكَذَا أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مَا قَرَأَ، إذْ لَوْ سَمِعَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِغَيْرِهِ، وَيَدْفَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْبَعْدِ، رِوَايَةُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ: صَلَّيْت إلَى جَنْبِهِ، وَيُوَافِقُ أَيْضًا رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ، وَيُوَافِقُ أَيْضًا حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ٣، وَإِنَّمَا الْجَهْرُ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَطْ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ حَافِظًا، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ، مِنْ الْوَاحِدِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَهُوَ الَّذِي، أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مَا قَرَأَ، إذْ لَوْ سَمِعَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِغَيْرِهِ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ
عَنْهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ": هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: يُخْفِي الْقِرَاءَةَ، لِأَنَّهُ لَوْ جَهَرَ لَعُلِمَ مَا قَرَأَ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "حَوَاشِيهِ": هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْإِسْرَارِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى قَوْلِ عَائِشَةَ٤ فِي حَدِيثٍ آخَرَ، فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ،
_________________
(١) ١ هذا التفسير فسر به النووي في "المجموع" ص٤٦ –ج٥ ٢ ص ٢٩٣، وص ٣٥٠، والطحاوي: ص ١٩٧، والبيهقي: ص ٣٣٥ ج ٣. ٣ البخاري في "باب صلاة الكسوف جماعةط ص ١٤٣، ومسلم: ص ٢٩٨، وبهذا اللفظ أخرج أبو داود في: ص ١٧٥: من حديث أبي هريرة أيضًا. ٤ أبو داود في "باب القراءة في صلاة الكسوف" ص ١٧٥.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قَالَ: فَقِيلَ: فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَهَرَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ جَاءَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَلَمْ يُحْفَظْ أَنَّهُ ﵇ جَمَعَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "الْمُنْتَقَى": يُحْمَلُ حَدِيثُ الْإِخْفَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدِهِ، لِمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ مَبْسُوطَةٍ: أَتَيْنَا، وَالْمَسْجِدُ قَدْ امْتَلَأَ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي الْإِخْفَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ يَحْمِلُوهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ قَدْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ الْمَقْرُوءَ بِعَيْنَيْهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ذَاكِرٌ لِقَدْرِهِ، فَيَقُولُ: قَرَأَ فُلَانٌ نَحْوَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَهُوَ قَدْ سَمِعَ مَا قَرَأَ، ثُمَّ نَسِيَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ: فَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الْأَرْبَعَةِ١ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، حَدَّثَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: بَيْنَمَا أَنَا، وَغُلَامٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا، حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي "أَوَّلِ الْبَابِ"، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُد، وَاخْتَصَرَهُ الْبَاقُونَ، وَلَفْظُهُمْ: قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفٍ، لَا يسمع له صوتًا، انْتَهَى. وَلَفْظُ النَّسَائِيّ: فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ مُطَوَّلًا. بِلَفْظِ أَبِي دَاوُد، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" مُطَوَّلًا. وَمُخْتَصَرًا، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَمُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَكَانَ سَمُرَةُ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ إبْطَالُ هَذَا.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ ﵊: " إذَا رَأَيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ شَيْئًا، فَارْغَبُوا إلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ"،
قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ"٢ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا، وَأَخْرَجَا أَيْضًا٣ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ، وَأَخْرَجَا أَيْضًا٤ عَنْ عَائِشَةَ: "وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَكَبِّرُوا. وَادْعُوا. وَصَلُّوا".
_________________
(١) أبو داود في "باب من قال: أربع ركعات" ص ١٧٥، والنسائي: ص ٢١٩، والترمذي في "باب كيف القراءة في الكسوف" ص ٧٣٠، وابن ماجه في "باب ما جاء في صلاة الكسوف" ص ٩١، والحاكم: ص ٣٣٤ ج ٧، مختصرًا، وص ٣٣٠، مطولًا، والطحاوي: ص ١٩٧. ٢ البخاري: ص ١٤٥، ومسلم: ص ٣٠٠. ٣ البخاري في "باب الذكر في الكسوف" ص ١٤٥، ومسلم: ص ٢٩٩. ٤ البخاري في "باب الصدقة في الكسوف" ص ١٤٢، ومسلم: ص ١٩٦.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: وَقَالَ ﵊: "فَاذْكُرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفِرُوهُ"، قُلْت: غَرِيبٌ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ"١ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ. وَدُعَائِهِ. وَاسْتِغْفَارِهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ٢ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ": الْمُرَادُ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّلَاةُ، لِأَنَّهَا تشمل عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، فَسُمِّيَتْ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ فِي الْأَدْعِيَة تَأْخِيرُهَا عَنْ الصَّلَاةِ، قُلْت: أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي "جَامِعِهِ٣ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ". وَالنَّسَائِيُّ فِي "كِتَابِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قيل: يارسول اللَّهِ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: "جَوْفُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ"، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَرْوِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُنْقَطِعٌ، لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِيثِهِ عَنْ جَابِرٍ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَزَعَمَ ابْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَكَذَلِكَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ عَبَّاسُ الدُّورِيُّ: قُلْت لِيَحْيَى: سَمِعَ مِنْ أَبِي أُمَامَةَ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ: سَمِعَ مِنْ جَابِرٍ؟ قَالَ: لَا، هُوَ مُرْسَلٌ، كَانَ مَذْهَبُ يَحْيَى أَنَّهُ يُرْسِلُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد٤. وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ لَهُ: "يَا مُعَاذُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّك، أُوصِيَك، يَا مُعَاذُ! لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ"، انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي "الْخُلَاصَةِ": إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي "تَارِيخِهِ الْوَسَطِ فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ": قَالَ ابْنُ إسْمَاعِيلَ: ثَنَا حَمَّادٌ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ. وَدَاوُد بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ
وَرَّادٍ، مَوْلَى الْمُغِيرَةِ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: وَقَالَ ﵊: "إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ، فَافْزَعُوا
_________________
(١) ١ البخاري في "باب الذكر في الكسوف" ص ١٤٥، ومسلم ص ٢٩٩. ٢ قلت: لم أر هذا اللفظ في "الصحيح" من حديث ابن عمر، إنما هو من حديث ابن عباس، في "باب صلاة الكسوف" ص ١٤٤، وفي "بدء الخلق وغيرهما" والله أعلم. ٣ الترمذي في "الباب التاسع من باب عقد التسبيح باليد" ص ١٨٨. ٤ أبو داود في "آخر كتاب الصلاة في باب الاستغفار" ص ٢٢٠، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٧٣، على شرطهما.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
إلَى الصَّلَاةِ"، قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلِلْبُخَارِيِّ. وَمُسْلِمٍ١ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ"، وَالْمُصَنِّفُ احْتَجَّ عَلَى أَنَّ خُسُوفَ الْقَمَرِ لَيْسَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مُطَابَقَةٌ.
قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي الْكُسُوفِ خُطْبَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، قُلْت: هَذَا غَلَطٌ، فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ"٢ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ: ثُمَّ انْصَرَفَ بَعْدَ أَنْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَقَامَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْت لَمْ أَرَهُ إلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أَوْحَى إلَى أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُك بِهَذَا الرَّجُلِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوْ الْمُوقِنُ، فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّك كُنْت لَمُؤْمِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ، أَوْ الْمُرْتَابُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرَى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْته"، وَأَخْرَجَا٣ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: "إنِّي رَأَيْت الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ، مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ منك شيئًا قط"، وأخرجا أَيْضًا٤ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ، أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَإِنِّي رَأَيْت فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنْ الْجَنَّةِ، حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ فِي صَلَاتِي، وَلَقَدْ رَأَيْت جَهَنَّمَ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْت، وَرَأَيْت فِيهَا "عَمْرَو بْنَ لُحِيٍّ" وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ"، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ٥ عَنْ جَابِرٍ: وَلَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْت، مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا،
وَحَتَّى رَأَيْت فِيهَا "صَاحِبَ الْمِحْجَنِ"، يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ، قَالَ: إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْت فِيهَا "صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ" الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا وَعَطَشًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ،
_________________
(١) ١ البخاري في "باب خطبة الإِمام في الكسوف" ص ١٤٢، ومسلم: ص ٢٩٦. ٢ البخاري في "الجمعة في باب من قال في الخطبة في الثناء: أما بعد" ص ١٢٦، ومسلم: ص ٢٩٨، ولم أر فيهما، أن الشمس. والقمر آيتان من آيات الله إلى عباده، ولا بهذا السياق، والله أعلم. ٣ البخاري في "باب صلاة الكسوف جماعة" ص ١٢٤، ومسلم: ص ٢٩٨، واللفظ له. ٤البخاري في "باب الصدقة في الكسوف" ص ١٤٢، وفي غيره قطعة قطعة، ومسلم: ص ٢٩٦. ٥ مسلم: ص ٢٩٨.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْت، حَتَّى قُمْت فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْت يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، ما مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ، إلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ"، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ١ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، أُنْشِدُكُمْ بِاَللَّهِ، إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي قَصَّرْتُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِ رَبِّي، لَمَا أَخْبَرْتُمُونِي ذَلِكَ"، قَالَ: فَقَامَ رِجَالٌ، فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَلَّغْت رِسَالَاتِ رَبِّك، وَنَصَحْت لِأُمَّتِك، وَقَضَيْت الَّذِي عَلَيْك، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: "فَإِنَّ رِجَالًا يَزْعُمُونَ أَنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشَّمْسِ، وَكُسُوفَ هَذَا الْقَمَرِ، وَزَوَالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَطَالِعِهَا، لِمَوْتِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا، وَلَكِنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يَعْتَبِرُ بِهَا عِبَادُهُ، فَيَنْظُرُ مَنْ يُحْدِثُ لَهُ مِنْهُمْ تَوْبَةً، وَاَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت مُنْذُ قُمْت أصلي ما أنتم لا قوه فِي أَمْرِ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، وَأَنَّهُ وَاَللَّهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابًا، آخِرُهُمْ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ، وَأَنَّهُ مَتَى يَخْرُجُ، فَسَوْفَ يَزْعُمُ أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَنْ آمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَهُ، وَاتَّبَعَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلٌ صَالِحٌ مِنْ عَمَلٍ سَلَفَ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ، وَكَذَّبَهُ لَمْ يُعَاقَبْ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ سَلَفَ، وَأَنَّهُ سَوْفَ يَظْهَرُ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا، إلَّا الْحَرَمَ. وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّهُ يَسُوقُ النَّاسَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيُحْصَرُونَ حَصْرًا شَدِيدًا، قَالَ فَيُصْبِحُ فِيهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقْتُلُهُ، وَجُنُودَهُ، حَتَّى إنَّ جِذْمَ الْحَائِطِ، وَأَصْلَ الشَّجَرَةِ لَيُنَادِي: يَا مُسْلِمُ، هَذَا كَافِرٌ، تَعَالَ، فَاقْتُلْهُ، وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَتَّى يَرَوْا أُمُورًا يَتَفَاقَمُ شَأْنُهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، فَتَتَسَاءَلُونَ بَيْنَكُمْ، هَلْ كَانَ نَبِيُّكُمْ ذَكَرَ لَكُمْ مِنْهَا شَيْئًا؟، ثُمَّ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ الْمَوْتُ"، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"٢ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، حَتَّى لَوْ شِئْت لَتَعَاطَيْتُ قِطْفًا مِنْ قُطُوفِهَا، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، حَتَّى جَعَلْت أُلْقِيهَا، حَتَّى خِفْت أَنْ يَغْشَاكُمْ، فَجَعَلْت أَقُولُ: أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ، وَأَنَا فِيهِمْ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لَا يعذبهم، وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَرَأَيْت فِيهَا "الْحِمْيَرِيَّةَ السَّوْدَاءَ" صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ، كَانَتْ حَبَسَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَرَأَيْت فِيهَا صَاحِبَ بَدَنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَا دَعْدَعٍ يُدْفَعُ فِي النَّارِ بِقَصَبَتِهِ، وَرَأَيْت "صَاحِبَ الْمِحْجَنِ" مُتَّكِئًا فِي النَّارِ عَلَى مِحْجَنِهِ"، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَقْصِدْ الْخُطْبَةَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، وَإِخْبَارًا بِمَا رَآهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاسْتَضْعَفَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَقَالَ: إنَّ الْخُطْبَةَ لَا يَنْحَصِرُ مَقَاصِدُهَا فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، سِيَّمَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَبَدَأَ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْخُطْبَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ، وَذَكَرَ، وَقَدْ
_________________
(١) ١ أحمد في "مسنده" ص ١٦ ج ٥، والحاكم في "المستدرك" ص ٣٣٠ ج ١. ٢ والنسائي من حديث ابنه عبد الله: ص ٢١٨، بمعناه.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
يَتَّفِقُ دُخُولُ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي مَقَاصِدِهَا، مِثْلُ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَوْنِهِمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ جَزْمًا، انْتَهَى. قُلْت: وَصُعُودُ الْمِنْبَرِ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ١. وَأَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ". وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"، وَلَفْظُهُمْ: ثُمَّ انْصَرَفَ بَعْدَ أَنْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَقَامَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، الْحَدِيثَ، وَبِمَذْهَبِنَا، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنَّ الْخُطْبَةَ لَا تُسَنُّ فِي الْكُسُوفِ، وَأَجَابُوا بِمَا أَجَابَ بِهِ أَصْحَابُنَا، نَقَلَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ"، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
_________________
(١) ١ النسائي في "باب القعود على المنبر بعد صلاة الكسوف" ص ٢٢٢ من حديث عائشة، وأحمد في "مسنده" ص ٣٥٤ ج ٦ من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂، بلفظ آخر.
[ ٢ / ٢٣٨ ]