بَابٌ مَنْ يَجُوزُ دَفْعُ الصَّدَقَاتِ إلَيْهِ وَمَنْ لَا يَجُوزُ
قَوْلُهُ: وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ يَعْنِي عَلَى سُقُوطِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ، قُلْت: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"٢ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: إنَّمَا كَانَتْ الْمُؤَلَّفَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ انْقَطَعَتْ، انْتَهَى. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ"٣ فِي قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الْآيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى٤ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ: أَبُو سُفْيَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يربوع، ومن بني جُمَحَ: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمِنْ بَنِي فَزَارَةَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ بَدْرٍ، وَمِنْ بَنِي تَمِيمٍ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَمِنْ بَنِي نَصْرٍ: مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، وَمِنْ ثَقِيفٍ: الْعَلَاءُ بْنُ حَارِثَةَ، أَعْطَى النَّبِيُّ ﵇ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِائَةَ نَاقَةٍ، إلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، فَإِنَّهُ أَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ، انْتَهَى. وَرَوَى أَيْضًا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ثَنَا الْحُسَيْنُ ثَنَا هِشَامٌ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدْ أَتَاهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
_________________
(١) ٢ ابن أبي شيبة: ص ٦٦ ج ٣، قلت: جابر هذا هو الجعفي ضعيف. ٣ ص ١١٢ ج ١٠. ٤ كان في "الطبري" عبد الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر، لكن رأينا ابن جرير أكثر من هذا الاسناد، وفيه محمد بن عبد الأعلى، أو ابن عبد الأعلى سوى هذا الموضع، فعرفنا أن في "نسخة التفسير" غلط، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ فِي النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَحَدٌ، إنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵁، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" لِمَذْهَبِنَا عَلَى سُقُوطِ الْمُؤَلَّفَةِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ: صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، قَالَ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَى التَّأْلِيفِ.
قَوْلُهُ: وَفِي الرِّقَابِ أَنْ يُعَانَ الْمُكَاتَبُونَ مِنْهَا فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ، قُلْت: رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ"١ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ مُكَاتَبًا قَامَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ حُثَّ النَّاسَ عَلَيَّ، فَحَثَّ عَلَيْهِ أَبُو مُوسَى، فَأَلْقَى النَّاسُ عَلَيْهِ: هَذَا يُلْقِي عِمَامَةً، وَهَذَا يُلْقِي مُلَاءَةً، وَهَذَا يُلْقِي خَاتَمًا، ختى أَلْقَى النَّاسُ عَلَيْهِ سَوَادًا كَثِيرًا، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مُوسَى مَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ، قَالَ: اجْمَعُوهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَبِيعَ، فَأَعْطَى الْمُكَاتَبَ مُكَاتَبَتَهُ، ثُمَّ أَعْطَى الْفَضْلَ فِي الرِّقَابِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا الَّذِي قَدْ أَعْطَوْهُ فِي الرِّقَابِ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵁، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالُوا: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ هُمْ الْمُكَاتَبُونَ، انْتَهَى. وَاسْتَشْهَدَ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ٢، وَالْحَاكِمُ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﵇، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ، قَالَ: "أَعْتِقْ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ"، قَالَ: أَوَ لَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: "لَا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ، أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا"، انْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ في الْمَقْصُودُ، فَإِنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ تَفْسِيرُ الْآيَةِ لَا تَفْسِيرُ الْفَكِّ، نَعَمْ، الْحَدِيثُ مُفِيدٌ فِي مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْفَكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: مُنْقَطِعُ الْحَاجِّ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحَاجَّ، قُلْت: اسْتَشْهَدَ لَهُ شَيْخُنَا عَلَاءُ الدِّينِ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ، قَالَتْ: كَانَ لَنَا جَمَلٌ، فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَى أَنْ قَالَ: فَهَلْ أُخْرِجَتْ عَلَيْهِ، فإن الحج في سَبِيلِ اللَّهِ، مُخْتَصَرٌ، وَهَذَا لَا يُغْنِي، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَفْسِيرُ قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وَأَيْضًا فَلَفْظُ الْحَدِيثِ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الغزاة في الحاج، وَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْحَصْرِ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ، فَلَا يَكْفِي فِي الْمَقْصُودِ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد٣ فِي "كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ الْعُمْرَةِ" عَنْ
_________________
(١) ١ ص ١١٣ ج ١٠. ٢ وأحمد في "مسنده" ص ٢٩٩ ج ٤. ٣ أبو داود: ص ٢٧٩ ج ١.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ مَرْوَانَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَى أُمِّ مَعْقِلٍ، قَالَتْ: كَانَ أَبُو مَعْقِلٍ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَتْ أُمُّ مَعْقِلٍ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ عَلَيَّ حَجَّةً، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ حَتَّى دَخَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ حَجَّةً، وَإِنَّ لِأَبِي مَعْقِلٍ بَكْرًا، قَالَ أَبُو مَعْقِلٍ: جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعْطِهَا فَلْتَحُجَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، فَأَعْطَاهَا الْبَكْرَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"١، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا مَجْهُولًا، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَلَفْظُ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ إلَى أُمِّ مَعْقِلٍ يَسْأَلُهَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَهَا جَعَلَ بَكْرًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتْ الْعُمْرَةَ، فَسَأَلَتْ زَوْجَهَا الْبَكْرَ، فَأَبَى عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا، وَقَالَ: "إنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمِنْ سَبِيلِ اللَّهِ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ مَعْقِلٍ بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ أَنَّهُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إنَّ أُمَّ مَعْقِلٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا حَجَّةً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْقِلِ بْنِ أُمِّ مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ أَسَدُ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ مَعْقِلٍ، قَالَتْ: لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ، فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَصَابَنَا مَرَضٌ، وَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﵇، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ جِئْتُهُ، فَقَالَ: "يَا أُمَّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَك أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا؟ " قَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأْنَا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ هُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: "فَهَلَّا خَرَجْت عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَّا إذَا فَاتَتْك هَذِهِ الْحَجَّةِ مَعَنَا فَاعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهَا الْحَجَّةُ" ٢، وَرَوَاهُ أَيْضًا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَمَلِك، فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجَّكِ عَلَيْهِ، قَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِك فلان، قال: ذاك حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "أَمَا إنَّك لَوْ حججتها عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، مُخْتَصَرٌ، وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ ثَنَا حُمَيْدٍ بْنُ مَسْعَدَةَ ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ مَعْقِلٍ، قَالَتْ: مَاتَ أَبُو مَعْقِلٍ، وَتَرَكَ بَعِيرًا جَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
_________________
(١) ١ أحمد في "مسنده" ص ٤٠٥ ج ٦، والحاكم في "المستدرك" ص ٤٨٢ ج ١ من طريقه. ٢ في نسخة الدار كحجة "البجنوري".
[ ٢ / ٣٩٦ ]
فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا مَعْقِلٍ هَلَكَ، وَتَرَكَ بَعِيرًا جَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَيَّ حَجَّةٌ، فَقَالَ: "يَا أُمَّ مَعْقِلٍ حُجِّي عَلَى بَعِيرِك، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ" حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ١: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي طَلِيقٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: طَلَبَتْ مِنِّي أُمُّ طَلِيقٍ جَمَلًا تَحُجُّ عَلَيْهِ، فَقُلْت: قَدْ جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَكَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﵇، فَقَالَ: "صَدَقَتْ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا، لَكَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْعُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ بِهِ.
قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَعْنِي جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ، قُلْت: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَحَدِيثُ عُمَرَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"٢، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" فِي هَذِهِ الْآيَةِ٣ أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فِي أَيِّ صِنْفٍ وَضَعْته أَجْزَأَك، انْتَهَى. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ٤ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: أَيُّمَا صِنْفٍ٥ أَعْطَيْته مِنْ هَذَا أَجْزَأَ عَنْك، انْتَهَى. ثَنَا حَفْصٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْفَرْضَ فِي الصَّدَقَةِ، فَيَجْعَلُهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، انْتَهَى. وَرُوِيَ أَيْضًا٦ عَنْ الْحَجَّاجِ بن أرطاة عن المهال بْنِ عَمْرٍو عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا وَضَعْتهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَك، انْتَهَى. وَأُخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ٧ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ٨، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، قَالَ: وَالْفُقَرَاءُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي "كِتَابِ الْأَمْوَالِ"٩: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالٌ فَجَعَلَهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ سِوَى صِنْفِ الْفُقَرَاءِ، وَهُمْ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وعيينة بن حصين، وَعَلْقَمَةُ
_________________
(١) ١ كذا في "الصغير" ص ١٥ "السرح" والله أعلم. ٢ ابن أبي شيبة: ص ٤٢ ج ٣، وإسناده منقطع. ٣ الطبري في "تفسيره" ص ١١٦ ج ١٠ إسناده حسن. ٤ الطبري: ص ١١٥ ج ١٠. ٥ الطبري: ص ١١٥ ج ١٠، ولفظه: أيما صنف أعطيته من هذا أجزأك، اهـ. ٦ الطبري في "التفسير" ص ١١٥ ج ١٠. ٧ أخرج ابن أبي شيبة. ص ٤٢ عنهم، وعن عكرمة، والحسن، وحذيفة، وعمر ﵃. ٨ حديث معاذ متفق عليه. ٩ "كتاب الأموال" ص ٥٨، إلى قوله: فنأمر لك بها.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
بْنُ عُلَاثَةَ، وَزَيْدُ الخيل، قَسَمَ فِيهِمْ الذَّهَبِيَّةَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إلَيْهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ الصَّدَقَةُ، ثُمَّ أَتَاهُ مَالٌ آخَرُ، فَجَعَلَهُ فِي صِنْفٍ آخَرَ، وَهُمْ الْغَارِمُونَ، فَقَالَ لِقَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ، حِينَ أَتَاهُ وَقَدْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً: يَا قَبِيصَةَ أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَك بِهَا، وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ١ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ أَنَّهُ أَمَرَ لَهُ بِصَدَقَةِ قَوْمِهِ، وَلَوْ وَجَبَ صَرْفُهَا إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الشَّافِعِيُّ ﵁، فَالْمُرَادُ بِهَا بَيَانُ الْأَصْنَافِ الَّتِي يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِآيَةِ الْغَنِيمَةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇ لِمُعَاذٍ: "خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ"،قُلْت: رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ"٢ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: "إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إلى شهادة لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇: "تَصَدَّقُوا عَلَى أَهْلِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا"، قُلْت: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"٣ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَصَدَّقُوا إلَّا عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَصَدَّقُوا عَلَى أَهْلِ الْأَدْيَانِ"، انْتَهَى. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ سَالِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: كَرِهَ النَّاسُ أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ﴾ قَالَ: فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ، انْتَهَى. وَهَذَانِ مُرْسَلَانِ، وَرَوَى أَبُو أَحْمَدَ بْنُ زَنْجُوَيْهِ٤ النَّسَائِيّ فِي "كِتَابِ الْأَمْوَالِ": حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْيَهُودِ بِصَدَقَةٍ، فَهِيَ تَجْرِي عَلَيْهِمْ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ حديث سلمة أخرجه أحمد في "مسنده" ص ٣٧ ج ٤، وأخرجه أبو داود في باب الظهار ص ٣٠٩ ج ١. ٢ البخاري في "أوائل الزكاة" ص ١٨٧، ومسلم "في الإيمان" ص ٣٦. ٣ ابن أبي شيبة: ص ٣٩، وليس فيه: أشعث. ٤ وأبو عبيد في "كتاب الأموال" ص ٦١٣ عن ابن لهيعة عن زهرة بن معبد به.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ"، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃.
فَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد١، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ، سَوِيٍّ"، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدٍ بِهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ٢ عَنْ سَعْدٍ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ، انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": وَرَيْحَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: شَيْخٌ مَجْهُولٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ أَعْرَابِيًّا صَدُوقًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ٣، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ السَّابِعِ وَالسَّبْعِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي، قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، قَالَ: سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٤ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ. وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ثُمَّ رَوَاهُ بِسَنَدِ السُّنَنِ. وَسَكَتَ عَنْهُ.
طَرِيقٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْبَزَّارُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ إسْرَائِيلَ، وَقَدْ تَابَعَ إسْرَائِيلَ عَلَى رِوَايَتِهِ أَبُو حُصَيْنٍ، فَرَوَاهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْحَاكِمِ.
_________________
(١) ١ أبو داود في "باب ما يعطى من الصدقة وحد الغنى" ص ٢٣٨، والترمذي في "باب من لا تحل له الصدقة" ص ٨٣. ٢ حديث شعبة، عند الطحاوي: ص ٣٠٣، روى عنه الحجاج بن منهال موقوفًا، وروى الحاكم في "المستدرك" ص ٤٠٧ ج ١ عن آدم بن إياس عن شعبة، ورفعه. ٣ النسائي في "باب إذا لم يكن له دراهم، وكان له عدلها" ص ٣٦٣، وابن ماجه في "باب من سأل عن ظهر غنى" ص ١٣٣، قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله رجال الصحيح. ٤ ص ٤٠٧ ج ١.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ: فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ١ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ السَّلُولِيِّ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ أَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَهُ رِدَاءَهُ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، قَالَ: "إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"، مُخْتَصَرٌ. وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ".
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٢ عَنْ الْوَازِعِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةٌ، فَرَكِبَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: "إنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِصَحِيحٍ سَوِيٍّ، وَلَا لِعَامِلٍ قَوِيٍّ"، انْتَهَى. وَالْوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ": يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنْ الثِّقَاتِ عَلَى قِلَّةِ رِوَايَتِهِ، وَيُشْبِهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْهَا، بَلْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ لِكَثْرَةِ وَهْمِهِ. فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ فِي "تَارِيخِ جُرْجَانَ" مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ حَاتِمٍ ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامَ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ: فَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ" مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ الثَّقَفِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ يَعْلَى٣، وَضَعَّفَهُ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيَّنَهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَوَثَّقَهُ عَنْ شُعْبَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُمْ، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"٤ حَدَّثَنَا أحمد بن رشدين ثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ نَحْوَهُ، سَوَاءً.
_________________
(١) ١ الترمذي في "باب من لا تحل له الصدقة" ص ٨٣، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ص ٥٦ ج ٣، وفيه جبلة بن جنادة، فليراجع. ٢ ص ٢١١. ٣ هو إسماعيل بن يعلى. ٤ قال الهيثمي: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، اهـ. * أقول: في نسخة "الدار" أيضًا حبشي بن جنادة "من البجنوري".
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: فَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ، سَوَاءً، وَأَعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، وَضَعَّفَهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَضَعَّفَ أَيْضًا ابْنَ الْبَيْلَمَانِيِّ.
حَدِيثٌ آخَرُ فِي الْبَابِ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد١، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عدي بن الخباز، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ﵇ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: "إنْ شِئْتُمَا أعطيتكما، ولاحظ فِيهِمَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مكتسب"، انتهى٢. وقال صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: مَا أَجْوَدَهُ مِنْ حَدِيثٍ، هُوَ أَحْسَنُهَا إسْنَادًا، انْتَهَى.
حَدِيثٌ لِلشَّافِعِيِّ: ﵁ فِي تَخْصِيصِهِ غَنِيَّ الْغُزَاةِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد٣، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ: الْعَامِلِ عَلَيْهَا. أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ. أَوْ غارم. أو غازي فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَاهَا لِغَنِيٍّ" انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ مُرْسَلًا، قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدٍ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الثَّبْتُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: حَدِيثُ مُعَاذٍ ﵁، قُلْت: تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ ﵇ لِامْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ سَأَلَتْهُ عَنْ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ: "لَك أَجْرَانِ: أَجْرُ الصَّدَقَةِ. وَأَجْرُ الصِّلَةِ"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ٤
_________________
(١) ١ أبو داود في "باب من يعطى من الصدقة" ص ٢٣٨، والنسائي في "باب مسألة القوي المكتسب" ص ٣٦٣، والطحاوي: ص ٣٠٣، والدارقطني: ص ٢١١، وابن أبي شيبة: ص ٥٦ ج ٣. ٢ حديث آخر: رواه أحمد في "مسنده" ص ٦٢ ج ٤، وص ٣٧٥ ج ٥ بإسناد واحد، والطحاوي في "شرح الآثار" ص ٣٠٣ عن عكرمة بن عمار عن سماك عن رجل من بني هلال، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلح الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي"، اهـ قال الهيثمي في "الزوائد" ص ٩٣ ج ٣: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، اهـ. ٣ أبو داود في "باب من يجوز له أخذ الصدقة، وهو غني" ص ٢٣٨، وابن ماجه فيه: ص ١٣٣. ٤ البخاري في "باب الزكاة على الزوج والأيتام" ص ١٩٨، ومسلم في "باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين" ص ٣٢٣، واللفظ له،
[ ٢ / ٤٠١ ]
إلَّا أَبَا دَاوُد عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا مَعَاشِرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ" قَالَتْ: فَرَجَعْت إلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْت: إنَّك رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنِّي، وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إلَى غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلْ ائْتِيهِ، أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَتْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ ﵁، فَقُلْنَا لَهُ: أَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِك: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا، وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "مَنْ هُمَا؟ " قَالَ: امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَزَيْنَبُ، قَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ " قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ"، انْتَهَى. وَوَهِمَ الْحَاكِمُ، فَرَوَاهُ فِي آخِرِ "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ": وقولهما: أتجزئ: يدل على زَكَاةِ الْفَرْضِ لَا التَّطَوُّعِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْإِجْزَاءِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ، انْتَهَى. وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ" الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ، بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: قَالَ: إنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا بَيْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَزَيْنَبَ، وَبَيْنَهُمَا ابْنُ أَخِي زَيْنَبَ، هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْنَبَ، فَذَكَرَهُ. قُلْت: الْإِسْنَادَانِ عِنْدَ النَّسَائِيّ فِي "عِشْرَةِ النِّسَاءِ"، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ١ فِي "الزَّكَاةِ".
الثَّانِي: قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ سَمِعَتْهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ، أَعْنِي قَوْلَهُ: "لَهُمَا أَجْرَانِ"، إلَخْ. وَلَا أَخْبَرَهَا بِلَالٌ بِهِ، لَكِنْ ظَهَرَ أَنَّ زَيْنَبَ سَمِعَتْهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ٢، رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ" مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ
_________________
(١) والنسائي في "باب الصدقة على الأقارب" ص ٣٦١، وابن ماجه في "باب الصدقة على ذى قرابة" ص ١٣٣ مختصرًا، والترمذي في "باب زكاة الحلي" ص ٨١ مختصرًا، ليس فيه متعلق، وفي إسناده زيادة، واستدرك به الحاكم في "المستدرك" ص ٦٠٣ ج ٤، وقال: لم يخرجاه بهذه السياقة، وهذا ليس منه بعجيب، لأن له في مئين من الأحاديث مثل هذا، والمتيقظ في هذا الباب صاحبه البيهقي، فإنه لم يقع له مثل هذا، إلا في أقل قليل، كحديث ابن مسعود في وفد جن نصيبين: ص ١٠٨، والله أعلم. ١ الترمذي في "باب زكاة الحلي" ص ٨١، وأما النسائي، فلم أجدَ فيه في "عشرة النساء"، والله أعلم. ٢ قلت: حديث أبي سعيد هذا رواه البخاري في "باب الزكاة على الأقارب" ص ١٩٧ عن ابن أبي مريم عن محمد بن جعفر به، كأنه خفى هذا على ابن القطان، ورواه البخاري في ثلاثة مواضع غير هذا الموضع،
[ ٢ / ٤٠٢ ]
بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُنَّ: "تَصَدَّقْنَ"، فَلَمَّا انْصَرَفَ، وَصَارَ إلَى مَنْزِلِهِ جاءته امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّك الْيَوْمَ أَمَرْتَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَعِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ هُوَ وَوَلَدُهُ أَحَقُّ مَنْ تُصُدِّقَ١ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ ﵇: "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِمْ"، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: قَالَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ خَاصٍّ بِهَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ، فَإِنْ حَكَمَ لِغَيْرِهِمَا بِمِثْلِ ذَلِكَ فَمِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، لَا مِنْ نَفْسِ الْخَبَرِ، انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا.
الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ: قَالَ ﵇: "يَا بَنِي هَاشِمٍ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ، وَأَوْسَاخَهُمْ وَعَوَّضَكُمْ مِنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ"، قُلْت: غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ٢ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ مَرْفُوعًا: "إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ"، الْحَدِيثَ. وَأَوَّلُهُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: اجْتَمَعَ أَبِي رَبِيعَةُ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا: لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ، قَالَا لِي، وَلِلْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرْسِلُوهُمَا، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ، وَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ، وَجِئْنَاك
_________________
(١) ومسلم في "الايمان" بهذا الاسناد عن ابن أبي مريم عن محمد بن جعفر، لكنه مختصر، ليس فيه متعلق، وبمعنى هذا الحديث حديث أبي هريرة، رواه أحمد في "مسنده" ص ٣٧٣، والطحاوي في "شرح الآثار" ص ٣٠٨، واستدل به على أن تلك الصدقة كانت تطوعًا، ولكني لم أدر كيف يستدل بهما على أن زينب لم تسمع من رسول الله ﷺ، وظني أن لفظ: قلت، سقط من الناسخ، قبل قوله: في حديث آخر، وحديث أبي سعيد ذكره المخرج ردًّا على ابن القطان، أو انقلب نظام كلام على الناسخ حيث أورد الحديث في خلال كلام ابن القطان، ولم يكن كذلك، قال الحافظ في "الدراية" بعد ذكره حديث زينب: وفي الباب عن أبي سعيد عن البزار، اهـ. (أقول: نعم: كان في العبارة ههنا سقط من الناسخ، ولكن استدركناه في التصحيح الأخير، فلم يبق الآن اختلال في نظم الكلام، كما تراه "البجنوري") . ١ في البخاري "تصدقت". ٢ في "باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ" ص ٣٤٤.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إلَيْك كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ، قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّمَا هِيَ أوساخ الناس"، أدعو إلَيَّ مَحْمِيَّةَ بْنَ جَزْءٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْأَخْمَاسِ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَتَيَاهُ، فَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ: أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَك لِلْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ فَأَنْكَحَهُ، وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَك لِي، فَأَنْكَحَنِي، وَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ: أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنْ الْخُمُسِ: كَذَا وَكَذَا، مُخْتَصَرٌ، تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ"١ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ حَنَشٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً، وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ لَهُمَا ﵇: "إنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ، إنَّمَا هِيَ غُسَالَةُ الْأَيْدِي، وَإِنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ لَمَا يُغْنِيكُمْ"، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ"٢ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ خَصِيفٍ٣ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ، فَجَعَلَ لَهُمْ خُمُسَ الْخُمُسِ، انتهى. ورواه الطبراني فِي "تَفْسِيرِهِ" حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ بِهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ، فَجَعَلَ لَهُمْ خُمُسَ الْخُمُسِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: رُوِيَ أَنَّ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ، أَتَحِلُّ لِي الصَّدَقَةُ؟ فَقَالَ: "لَا، أَنْتَ مَوْلَانَا"، قُلْت: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد٤، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّك تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ"، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَالْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ"، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، انْتَهَى. وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْمُهُ: أَسْلَمُ، وَابْنُ أَبِي رَافِعٍ اسْمُهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ، وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، انْتَهَى. بَقِيَّةُ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ، "وَمَوْلَى الْقَوْمِ
_________________
(١) ١ قال في "الزوائد" ص ٩١ ج ٣: رواه الطبراني في "الكبير" وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وفيه كلام كثير، وقد وثقه أبو محصن. ٢ ابن أبي شيبة: ص ٦١ ج ٣، وابن جرير في "تفسيره" ص ٥ ج ١٠ عن ابن وكيع به. ٣ في المصنف: حصين، وظني أنه ليس بصحيح. ٤ أبو داود في "باب الصدقة على بني هاشم" ص ٢٤٠، والترمذي في "باب كراهية الصدقة للنبي ﷺ ص ٨٣، والنسائي في "باب موالي القوم منهم" ص ٣٦٦، وأحمد في "مسنده" ص ٨ ج ٦، وص ١٠ ج ٦، والحاكم في "المستدرك" ص ٤٠٤ ج ١.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِي "الصَّحِيحِ"١ عَنْ أَنَسٍ ﵁، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"٢ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: أَتَيْت أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَاتِ، فَرَدَّتْهُ، وَقَالَتْ: حَدَّثَنِي مولى لرسول الله صلى، يُقَالُ لَهُ: مِهْرَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: قَالَ ﵇ فِي حَقِّ يَزِيدَ، وَابْنِهِ معين:
"يَا يَزِيدُ لَك مَا نَوَيْت، وَيَا مَعْنُ لَك مَا أَخَذْت" حِينَ دَفَعَ إلَى مَعْنٍ وَكِيلُ أَبِيهِ يَزِيدَ صَدَقَتَهُ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ٣ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: بَايَعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَنَا، وَأَبِي، وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلِيٌّ، فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْت إلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ قَدْ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ، فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا إيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "لَك مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَك مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ"، انْتَهَى. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يُخَرِّجْ لمعن غَيْرَهُ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَاهُ٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا في زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا في يد غني، فأسبحوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ. وَعَلَى زَانِيَةٍ. وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُك عَلَى سَارِقٍ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ، فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ.
_________________
(١) ١ البخاري في "الفرائض في باب مولى القوم من أنفسهم" ص ١٠٠٠ ج ٢. ٢ أحمد في "مسنده" ص ٤٤٨ ج ٣، وابن أبي شيبة: ص ٦٠ ج ٣، وأحمد في "مسنده" ص ٣٤ ج ٤ عن عبد الرزاق عن سفيان بمعناه، وقال: ميمون أو مهران، وأخرجه الطحاوي: ص ٣٠٠ عن ورقاء عن عطاء بمعناه، وقال: هرمز، أو كيسان. ٣ البخاري في "باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يعلم" ص ١٩١. ومسلم في "باب ثبوت أجر المتصدق، وإن وقعت الصدقة في يد فاسق" ص ٣٢٩.
[ ٢ / ٤٠٥ ]