الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ ﵇: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ"، قُلْت: رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ٢ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ"، انْتَهَى. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ بِهِ، وَقَالَ:
_________________
(١) ٢ عند الترمذي "باب ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده" ص ١٤٣ - ج ١، وفي "المستدرك - باب إذا تزوج العبد بغير إذن سيده ص ١٩٤ - ج ٢.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
حَدِيثٌ حَسَنٌ، انْتَهَى. هَكَذَا وَجَدْته فِي عِدَّةِ نُسَخٍ، وَشَيْخُنَا أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي "أَطْرَافِهِ" إلَّا التَّحْسِينُ فَقَطْ، تَابِعًا لِابْنِ عَسَاكِرَ فِي "أَطْرَافِهِ"، وَكَذَلِكَ الْمُنْذِرِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ" مُقَلِّدًا "لِلْأَطْرَافِ"، كَمَا هُوَ عَادَتُهُ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا يَصِحُّ، إنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَابِرٍ، انْتَهَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ١: فَلَهُ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: عِنْدَ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ"، انْتَهَى. قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، انْتَهَى.
الطَّرِيقُ الْآخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ عَاهِرًا"، انْتَهَى. وهذه الطريق الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا التِّرْمِذِيُّ فِي "كِتَابِهِ"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي "عِلَلِهِ الْكُبْرَى": سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، فَقَالَ: رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ، وَالْحُمَيْدِيَّ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِهِ، وَهُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ، انْتَهَى. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "عِلَلِهِ": هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَاخْتُلِفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَرَوَاهُ مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ٢ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَهِمَا فِي رَفْعِهِ، وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ، وَحَجَّاجٌ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخَذَ عَبْدًا لَهُ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَبْطَلَ صَدَاقَهُ، وضربه حدًا، انتهى.
الحديث الثَّانِي: قَالَ ﵇: لِبَرِيرَةَ، حِينَ عَتَقَتْ: "مَلَكْت بُضْعَك فَاخْتَارِي"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ٣ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ لِبَرِيرَةَ: "اذْهَبِي، فَقَدْ عَتَقَ مَعَك بُضْعُك"، انْتَهَى. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي "الطَّبَقَاتِ" أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ لِبَرِيرَةَ لَمَّا أُعْتِقَتْ: "قَدْ عَتَقَ بُضْعُك مَعَك"، فَاخْتَارِي، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند أبي داود "باب نكاح العبد بغير إذن مواليه" ص ٢٨٤ - ج ١، وعند ابن ماجه "باب تزويج العبد بغير إذن سيده" ص ١٤٢. ٢ قال ابن قدامة في "المغني" ص ٤١٠ - ج ٧: وروى الخلال عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، الحديث. ٣ عند الدارقطني: ص ٤١٢، وابن سعد في "الطبقات" ص ١٨٩ - ج ٨، في "ترجمة بريرة" مولاة عائشة.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ١ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَعَتَقَتْ"، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا، وَتُهْدِي لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ"، انْتَهَى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "النِّكَاحِ - وَالطَّلَاقِ"، وَمُسْلِمٌ فِي "الْعِتْقِ"، وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ كَذَلِكَ فِي "الطَّلَاقِ" - خَلَا التِّرْمِذِيَّ - فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي "الرَّضَاعِ" عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ، هَلْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا حِينَ خُيِّرَتْ؟ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: لَهَا الْخِيَارُ فِي الْعَبْدِ، دُونَ الْحُرِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّهُ كَانَ حُرًّا: رَوَى الْجَمَاعَةُ - إلَّا مُسْلِمًا - مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي اشْتَرَيْت بَرِيرَةَ لِأَعْتِقَهَا، وَإِنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ وَلَاءَهَا، فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، قَالَ: فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا، قَالَتْ: وَخُيِّرَتْ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ: لَوْ أُعْطِيت كَذَا وَكَذَا مَا كُنْت مَعَهُ، قَالَ الْأَسْوَدُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، انْتَهَى بِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ ٢. ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَأَيْته عَبْدًا أَصَحُّ، انْتَهَى. هَكَذَا أَخْرَجَهُ فِي "كِتَابِ الْفَرَائِضِ" عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِهِ، وَفِي آخِرِهِ: قَالَ الْحَكَمُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَوْلُ الْحَكَمِ مُرْسَلٌ، انْتَهِي. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: إنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ، وَأَنَّهَا خُيِّرَتْ، فَقَالَتْ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مَعَهُ، وَإِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ فِي "الطَّلَاقِ" عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِهِ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ فِي "الرَّضَاعِ" عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِهِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "الطَّلَاقِ" أَنَّهَا أَعْتَقَتْ بَرِيرَةَ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ حُرٌّ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا فِي "الطَّلَاقِ" عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِهِ، وَرَوَاهُ فِي "كِتَابِ الْكُنَى" مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمَا سَأَلَا عَائِشَةَ عَنْ زَوْجِ بَرِيرَةَ، فَقَالَتْ: كَانَ حُرًّا يَوْمَ أُعْتِقَتْ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ عند البخاري في مواضع منها: في ص ٧٦٣ - ج ٢، وص ٧٩٥ - ج ٢، وعند مسلم في "العتق - باب أن الولاء لمن أعتق" ص ٤٩٤ - ج ١، وعند أبي داود في "باب المملوكة تعتق وهي تحت حر وعبد" ص ٣٠٣، وص ٤٠٣ - ج ١، والترمذي في "باب الرضاع - باب ما جاء في الأمة تعتق ولها زوج" ص ١٤٩ - ج ١، والنسائي في "باب خيار الأمة" ص ١٠٥ - ج ٢. ٢ عند البخاري في "الفرائض، باب الولاء لمن أعتق، وباب ميراث السائبة" ص ٩٩٩ - ج ٢، وعند ابن ماجه "باب خيار الأمة إذا أعتقت" ص ١٥١.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
طَرِيقٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ١ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ سَمِعْت الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، فَاشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وَأُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمٌ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: " هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ"، وَخُيِّرَتْ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَأَلْته عَنْ زَوْجِهَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، انْتَهَى. وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي "الْهِبَةِ"٢، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: زَوْجُهَا حُرٌّ، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَأَلْته عَنْ زَوْجِهَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي، أَحُرٌّ أَمْ عَبْدٌ؟، مُخْتَصَرٌ ٣.
أحاديث فِي أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا: أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ - إلَّا مُسْلِمًا - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا، يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: "يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ شِدَّةِ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ شِدَّةِ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ " فَقَالَ لَهَا ﵇: "لَوْ رَاجَعْتِيهِ؟ " قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي بِهِ؟ فَقَالَ ﵇: "إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ"، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْخُلْعِ"٤،
_________________
(١) ١ عند مسلم في "العتاق" ص ٤٩٤ - ج ١. ٢ عند البخاري في "الهبة - باب قبول الهدية" ص ٣٥٠. ٣ قال البيهقي: ص ٢٢٠ - ج ٧: وقد رواه سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن القاسم، فأثبت عنه كون زوجها عبدًا، قال صاحب "الجوهر النقي": قلت: شعبة إمام جليل حافظ، وقد روي عن عبد الرحمن أنه كان حرًا، فلا يضره نسيان عبد الرحمن وتوقفه، وقد ذكر البيهقي في "كتاب المعرفة - في باب لا نكاح إلا بولي" أن مذهب أهل العلم بالحديث وجوب قبول خبر الصادق، وإن نسي من أخبره عنه، وكيف يعارض شعبة بسماك مع كونه متكلمًا فيه، فضعفه الثوري، وابن أبي خيثمة، وأحمد، وعبد الرحمن بن يوسف، وابن المبارك، وشعبة، انتهى مختصرًا. وقال ابن الهمام في "الفتح" ص ٤٩٥ - ج ٢: ومنشأ الخلاف الاختلاف في ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين في زوج بريرة، أكان حين أعتقت حرًا أو عبدًا، وفي ترجيح المعنى المعلل به، أما الأول فثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خيرها، وكان زوجها عبدًا، ولم تختلف الروايات عن ابن عباس، أنه كان عبدًا، وثبت في "الصحيحين" أنه كان حرًا حين أعتقت، وهكذا روي في "السنن الأربعة" وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، والترجيح يقتضي في رواية عائشة ترجيح أنه كان حرًا، وذلك أن رواة هذا الحديث عن عائشة ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم، فأما الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنه كان حرًا، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما: أنه كان حرًا، والأخرى أنه كان عبدًا، وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه أيضًا روايتان صحيحتان: إحداهما: أنه كان حرًا، والأخرى الشك، انتهى. وروى عبد الرزاق عن سعيد ابن المسيب أنه كان حرًا، كما في "الجوهر". ٤ عند البخاري في "الخلع - باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة" ص ٢٩٥ - ج ٢، وعند الترمذي في "الرضاع - باب ما جاء في الأمة تعتق ولها زوج" ص ١٤٩ - ج ١، وعند أبي داود "باب المملوكة تعتق وهي تحت حر وعبد" ص ٣٠٣ - ج ١، وعن ابن ماجه "باب خيار الأمة إذا أعتقت" ص ١٥١ - ج ١، وعند النسائي في "القضاء - باب شفاعة الحاكم للخصوم قبل الحكم" ص ٣١٠ - ج ٢.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "الرَّضَاعِ" عَنْ أَيُّوبَ، وَقَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "الطَّلَاقِ" عَنْ قَتَادَةَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "الطَّلَاقِ" عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ فِي "الْقَضَاءِ" عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِهِ، وَزَادَ فِيهِ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ، هَكَذَا عَزَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ" لِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ١، فَلْيُرَاجَعْ، لَكِنَّهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، مُحِيلًا عَلَى مَا قَبْلَهُ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وَزَادَ: قَالَ: وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، انْتَهَى. وَهَذَا الْأَخِيرُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ قَطْعًا، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ قَالَ: فَاعِلُهُ مَذْكُورٌ، الثَّانِي: أَنَّ النَّسَائِيّ ٢ رَوَاهُ مُصَرِّحًا بِهِ، وَلَفْظُهُ: قَالَ عُرْوَةُ: وَلَوْ كَانَ حُرًّا مَا خَيَّرَهَا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ التَّاسِعِ، مِنْ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، بِلَفْظِ النَّسَائِيّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ لَهَا ﵇: إنْ قَرِبَك فَلَا خِيَارَ لَك، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ ٣ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ٤ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ
_________________
(١) ١ قلت: أخرج الدارقطني هذه الزيادة: ص ٤١٤ من حديث ابن عباس، وفي "حواشي الدارقطني" وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة في "الصحيحين" لكن أخرج ابن ماجه عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض، وهذا مثل حديث ابن عباس، لكن الحديث الذي أخرجه ابن ماجه على شرط الشيخين، بل هو في أعلى درجات الصحة، انتهى. ٢ عند النسائي "باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك" ص ١٠٦ - ج ٢، وزيادة: إن قربك فلا خيار لك، عند أبي داود "باب حتى متى يكون لها الخيار" ص ٣٠٤ - ج ١، قال صاحب "الجوهر النقي" ص ٢٢٠ - ج ٦: قلت: ذكر ابن حزم أنه روي عن عروة خلاف هذا، فأخرج من طريق قاسم بن أصبغ ثنا أحمد بن يزيد ثنا موسى ابن معاوية ثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة حرًا، قال: [ولو كان حرًا لم يخيره] يحتمل أنه من كلام من دون عائشة، وقال الطحاوي: ويحتمل أن يكون من كلام عروة، وقد أخرج ابن حبان هذا الحديث في "صحيحه" فقال: أنا عبيد الله بن محمد الأزدي ثنا إسحاق الحنظلي ثنا جرير بن عبد الحميد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وفي آخره قال عروة: ولو كان حرًا ما خيرها رسول الله ﷺ، وكذلك أخرجه النسائي في "سننه" عن الحنظلي" انتهى. ٣ عند مسلم "باب بيان أن الولاء لمن أعتق" ص ٤٩٤ - ج ١، وعند أبي داود: ص ٣٠٤ - ج ١، وعند النسائي "باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك" ص ١٠٦ - ج ٢. ٤ حديث صفية، عند البيهقي في "السنن" ص ٢٢٣ - ج ٧، لكن عند ابن سعد: ص ١٩١ - ج ٨ في حديثها أن زوج بريرة كان حرًا، انتهى.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
عَبْدًا، وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ١، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ وَجَبَ التَّوْفِيقُ فِيهَا، فَنَقُولُ: إنَّا وَجَدْنَا الْحُرِّيَّةَ تَعْقُبُ الرِّقَّ، وَلَا يَنْعَكِسُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كان حرًا عند ما خُيِّرَتْ، عَبْدًا قَبْلَهُ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَلَا يَنْفِي الْخِيَارَ لَهَا تَحْتَ الْحُرِّ، إذْ لَمْ يَجِئْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا خَيَّرَهَا، لِكَوْنِهِ عَبْدًا، قَالَ: وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَيْضًا، فَقَدْ رَأَيْنَا الْأَمَةَ فِي حَالِ رِقِّهَا لِمَوْلَاهَا، أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ عَلَيْهَا لِلْحُرِّ والعبد، ورأيناها بعد ما يُعْتِقُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عَلَيْهَا عَقْدَ نِكَاحٍ، لَا لِحُرٍّ وَلَا لِعَبْدٍ، فَاسْتَوَى حُكْمُ مَا إلَى الْمَوْلَى فِي الْعَبِيدِ، وَالْأَحْرَارِ، وَمَا لَيْسَ إلَيْهِ فِيهِمَا، وَرَأَيْنَاهَا إذَا أُعْتِقَتْ بَعْدَ عَقْدِ الْمَوْلَى عَلَيْهَا نِكَاحَ الْعَبْدِ، يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ، فَجَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْحُرِّ قِيَاسًا وَنَظَرًا، ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِلْأَمَةِ الْخِيَارُ إذَا أُعْتِقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ قُرَشِيٍّ، وَفِي لَفْظٍ: قَالَ لَهَا: الْخِيَارُ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ مِثْلَ ذَلِكَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. قُلْت: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" عَنْ طَاوُسٍ كَذَلِكَ بِاللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ٢، قَالَ: تُخَيَّرُ، حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: تُخَيَّرُ، وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، انْتَهَى.
_________________
(١) ١ راجع "شرح الآثار - للطحاوي - باب خيار العتق" ص ٤٩ - ج ٢، وقال صاحب "الجوهر النقي": وإذا اختلفت الآثار في زوجها وجب حملها على وجه لا تضاد فيه، والحرية تعقب الرق، ولا ينعكس، فثبت أنه كان حرًا عند ما خيرت عبدًا قبله، ومن أخبر بعبوديته لم يعلم بحريته قبل ذلك، وقال ابن حزم ما ملخصه: إنه لا خلاف أن من شهد بالحرية يقدم على من شهد بالرق، لأن عنده زيادة علم، ثم لو لم يختلف أنه كان عبدًا، هل جاء في شيء من الأخبار أنه عليه الصلاة السلام إنما خيرها لأنها تحت عبد؟ هذا لا يجدونه أبدًا، فلا فرق بين من يدعي أنه خيرها، لأنه كان عبدًا، وبين من يدعي أنه خيرها لأنه كان أسود، فكل من ملكت نفسها تختار، سواء كانت تحت حر أو عبد، وإلى هذا ذهب ابن سيرين، وطاوس، والشعبي، ذكر ذلك عبد الرزاق بأسانيد صحيحة، وأخرجه ابن أبي شيبة عن النخعي، ومجاهد، وحكاه الخطابي عن حماد، والثوري، وأصحاب الرأي، وفي "التهذيب للطبري" وبه قال مكحول، وفي الاستذكار أنه قول ابن المسيب أيضًا، انتهى ملخصًا. ٢ وهكذا ذكره ابن قدامة في "المغني" ص ٥٩١ - ج ٧
[ ٣ / ٢٠٨ ]