الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، قُلْت: رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ"١مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي
_________________
(١) ١ البخاري في "باب الثياب البيض للكفن" ١٦٩، ومسلم: ص ٣٠٥ مع الزيادة التي رواها إسحاق بن راهويه، وأبو داود في "باب الكفن" ص ٩٣ ج ٢، والنسائي في "باب كفن النبي ﷺ" ص ٢٦٨، والترمذي في "باب ما جاء في كم كفن النبي ﷺ" ص ١١٩، وابن ماجه، فيه: ص ١٠٧.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي "مُسْنَدِهِ"، وَزَادَ فِيهِ: قَالَتْ: فَأَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّهَا اشْتَبَهَتْ عَلَى النَّاسِ، لِأَنَّهَا اُشْتُرِيَتْ لِيُكَفَّنَ بِهَا، فَلَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، فَأَخَذَ الْحُلَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَجْعَلُهَا كَفَنِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللَّهُ لَرَضِيَهَا لِرَسُولِهِ، فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا، انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِنَا فِي عَدَمِ الْقَمِيصِ، عَلَى أَنَّ مَالِكًا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثَةُ الْأَثْوَابُ زِيَادَةً عَلَى الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، وَالشَّافِعِيُّ يَجْعَلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلِأَصْحَابِنَا١ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" عَنْ نَاصِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٍ. وَإِزَارٍ. وَلِفَافَةٍ، انْتَهَى. وَضُعِّفَ نَاصِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّسَائِيّ، وَلَيَّنَهُ هُوَ، وَقَالَ: هُوَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سننه"٢ عن يزيد بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. وَحُلَّةٍ نَجْرَانِيَّةٍ، انْتَهَى. وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ضَعِيفٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْحُلَّةُ إزَارٌ. وَرِدَاءٌ، وَلَا تَكُونُ الْحُلَّةُ إلَّا مِنْ ثَوْبَيْنِ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي "كِتَابِ الْآثَارِ"٣ أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي حُلَّةٍ يَمَانِيَةٍ. وَقَمِيصٍ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ"، وَأَخْرَجَ عَنْ الْحَسَنِ٤ نَحْوَهُ.
الْأَحَادِيثُ الْمُخَالِفَةُ لِمَا تَقَدَّمَ: رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ، انْتَهَى. وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵊ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ نَجْرَانِيٍّ. وَرَيْطَتَيْنِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ". وَالْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ"٥ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ، انْتَهَى. قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ ابْنَ عَقِيلٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْلَمُ رَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُ حَمَّادِ
_________________
(١) ١ ويستدل للتكفين في القميص بحديث جابر، في قصة عبد الله بن أبيّ، فإن النبي ﷺ أعطى ابنه القميص الذي كان على النبي ﷺ فكفنه فيه "التلخيص الحبير". ٢ أبو داود في "باب الكفن" ص ٩٣ ج ٢، وابن سعد: ص ٦٧ ج ٢، القسم الثاني، والبيهقي ص ٤٠٠ ج ٣ ٣ "كتاب الآثار باب غسل الميت" ص ٣٩، و"طبقات ابن سعد" ص ٦٧، القسم الثاني. ٤ وابن سعد في "طبقاته" ص ٦٧ ج ٢، القسم الثاني. ٥ وأحمد بن حنبل في "مسنده" ص ٩٤ ج ١، وص ١٠٢ ج ١، وابن سعد في "طبقاته" ص ٦٧ ج ٢، القسم الثاني.
[ ٢ / ٢٦١ ]
بْنِ سَلَمَةَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ"، وَأَعَلَّهُ بِابْنِ عَقِيلٍ، وَضَعَّفَهُ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ فَقَطْ، وَلَيَّنَهُ هُوَ، وَقَالَ: رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "كِتَابِ الضُّعَفَاءِ"، وَأَعَلَّهُ أَيْضًا بِابْنِ عَقِيلٍ، وقال: إنه كان ردئ الْحِفْظِ، فَيَأْتِي بِالْخَبَرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ فِي رِوَايَاتِهِ اسْتَحَقَّ الْمُجَانَبَةَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْ سَادَاتِ النَّاسِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "الْكَامِلِ" عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُفِّنَ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ، انْتَهَى. وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "أَحْكَامِهِ" مِنْ جِهَةِ ابْنِ عَدِيٍّ، وَقَالَ: قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ غُنْدَرٍ، وَوَكِيعٍ. وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جُعِلَ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": أَخَافُ أَنْ يَكُونَ تَصَحَّفَ عَلَى بَعْضِ رُوَاةِ "كِتَابِ الْكَامِلِ" لَفْظُ: دُفِنَ بِكُفِّنَ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، قُلْت: رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَنِيِّ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا اُحْتُضِرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ تَمَثَّلْتُ بِهَذَا الْبَيْتِ:
أَعَاذِلُ! مَا يُغْنِي الْحِذَارُ عَنْ الْفَتَى، إذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا، وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ قُولِي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، ثُمَّ قَالَ: اُنْظُرُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ، فَاغْسِلُوهُمَا، ثُمَّ كَفِّنُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْهُمَا، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ": حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثَنَا ضَمْرَةُ عَنْ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ الْوَفَاةُ، قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ، ثُمَّ كَفِّنُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّمَا أَبُوك أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا مَكْسُوٌّ، أَحْسَنَ الْكِسْوَةِ أَوْ مَسْلُوبٌ أَسْوَأَ السَّلَبِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ.
طَرِيقٌ آخَرُ: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ"١ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِمَا: اغْسِلُوهُمَا، وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَا نَشْتَرِي لَك جَدِيدًا، قَالَ: لَا، إنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، انْتَهَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ٢ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ: يَقُولُ: أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ: إمَّا عَائِشَةَ.
_________________
(١) ١ قال الحافظ في "الدراية" ص ١٤١: إسناده صحيح. ٢ قلت: إِسناده صحيح.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وَإِمَّا أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، بِأَنْ تَغْسِلَ ثَوْبَيْنِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِمَا، وَيُكَفَّنُ فِيهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَوْ ثِيَابًا جُدُدًا؟، قَالَ: الْأَحْيَاءُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، انْتَهَى.
طَرِيقٌ آخَرُ: رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي "الطَّبَقَاتِ"١ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ كُنْت أُصَلِّي فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُمَا، فَإِنَّهُمَا لِلْمُهْلِ، وَالتُّرَابِ، انْتَهَى. أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ٢ ثَنَا مَعْمَرٌ بِسَنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَمَتْنِهِ، وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي "كِتَابِ الْآثَارِ" بَلَاغًا، فَقَالَ: بَلَغَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَنَّهُ قَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ، وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، وَفِي "الْبُخَارِيِّ"٣ خِلَافُ هَذَا، أَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ لَهَا: فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ، قَالَ: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، قَالَتْ: إنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَالَ: إنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: الردع "بالمهملات" الأثر والمهلمة "بِضَمِّ الْمِيمِ. وَفَتْحِهَا. وَكَسْرِهَا" صَدِيدُ الْمَيِّتِ، انْتَهَى. ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي "التَّعَالِيقِ".
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: "الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ"، أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ٤ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، "وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ"، وَفِي لَفْظٍ: "فِي ثَوْبَيْهِ".
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى اللَّوَاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ خَمْسَةَ أَثْوَابٍ، قُلْت: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"٥ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ حَكِيمٍ الثَّقَفِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، يُقَالُ لَهُ دَاوُد: وَلَدَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ عن ليلى بنت قائف الثَّقَفِيَّةِ، قَالَتْ: كُنْت فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا: الحقا، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ، قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ، مَعَهُ كَفَنُهَا
_________________
(١) ١ ابن سعد في "طبقاته" ص ١٤٦ ج ٣، القسم الأول ٢ ابن سعد: ص ٦٧ ج ٣ الأولى. ٣ البخاري في "الجنائز في باب موت يوم الاثنين" ص ١٨٦. ٤ تقدم في: ص ٢٥٦. ٥ أبو داود في "باب كفن المرأة" ص ٩٤ ج ٢، وأحمد: ص ٣٨٠ ج ٦، تقدم في: ص ٢٥٨.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا، انْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ، وَفِيهِ مَنْ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، قَالَ: وَالْحِقَا "بِكَسْرِ الْحَاءِ" مَقْصُورٌ، وَلَعَلَّهُ لُغَةٌ فِي "الْحِقْوِ"، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: رُوِيَ أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ حِينَ اُسْتُشْهِدَ، كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ١ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ خَبَّابُ بْنِ الْأَرَتِّ، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى، لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا: مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةَ، فَكُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ، بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْإِذْخِرِ، انْتَهَى. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "الْمَنَاقِبِ"، وَالْبَاقُونَ فِي "الْجَنَائِزِ".
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِجْمَارِ أَكْفَانِ ابْنَتِهِ وِتْرًا، قُلْت: غَرِيبٌ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ السَّابِعِ وَالثَّمَانِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"٢، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ قُطَيَّةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: "إذَا أَجْمَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوا ثَلَاثًا"، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ: "فَأَوْتِرُوا"، وَفِي لَفْظٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: "جَمِّرُوا كَفَنَ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا"، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، وَلَا أَظُنُّهُ إلَّا غَلَطًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَأَنَّ ابْنَ مَعِينٍ بَنَاهُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ: إنَّ الْحَدِيثَ إذَا رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، فَالْحُكْمُ لِلْوَقْفِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ لِلرَّفْعِ، لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ، وَلَا شَكَّ فِي ثِقَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا قَالَتْ عِنْدَ مَوْتِهَا: إذَا أَنَا مِتَّ فَاغْسِلُونِي، وَكَفِّنُونِي، وَأَجْمِرُوا ثِيَابِي، انْتَهَى. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. أَوْ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ، فَذَكَرَهُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ"٣ عَنْ هِشَامٍ بِهِ، وَزَادَ: وَحَنِّطُونِي، وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ، انْتَهَى. وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ.
_________________
(١) ١ البخاري في "باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يوارى رأسه" ص ١٧٠، ومسلم: ص ٣٠٥، والنسائي في "باب القميص في الكفن" ص ٢٦٩، وأبو داود في "باب كراهية المغالات في الكفن" ص ٩٣، والترمذي في "مناقب مصعب" ص ٢٢٥ ج ٢. ٢ الحاكم في "المستدرك" ص ٣٥٥، ولفظه: إذا أجمرتم الميت فأوتروا، ورواه مسلم في "الطهارة" ص ١٢٤ عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: إذا استجمر أحدكم، فليوتر، اهـ ورواه البيهقي: ص ٤٠٣ ج ٣. ٣ مالك في "الموطأ في باب النهي أن يتبع الجنازة بنار" ص ٧٨، ومن طريق مالك، البيهقي ٤٠٥ ج ٣.
[ ٢ / ٢٦٤ ]