كِتَابُ الصَّوْمِ
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَالَ ﵇: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ"، قُلْت: رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ١ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ لَمْ يَجْمَعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ"، انْتَهَى. بِلَفْظِ أَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ. وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنْ اللَّيْلِ"، وَجَمَعَ النَّسَائِيُّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ، فَذَكَرَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُد٢: وَرَوَاهُ اللَّيْثُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ. وَوَقَفَهُ عَلَى حَفْصَةَ: مَعْمَرٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَيُونُسُ الْأَيْلِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ، انْتَهَى. "حَدِيثُ اللَّيْثِ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي "مُعْجَمِهِ"، وَحَدِيثُ إسْحَاقَ، عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ"، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ: وَهُوَ أَصَحُّ، انْتَهَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ سَالِمٍ، لَمْ يُذْكَرْ بَيْنَهُمَا الزُّهْرِيُّ، وَبِالطَّرِيقَيْنِ٣ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ٤: الصَّوَابُ عِنْدِي موقوف، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ" عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بِهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُمَا مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِمَا"، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ
_________________
(١) ١ أبو داود في "الصيام في باب النية في الصوم" ص ٣٤٠، والنسائي في "باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة" ص ٣٢٠، والترمذي في "باب لا صيام لمن لم يعزم من الليل: ص ٩١ ج ١، وابن ماجه في "باب ما جاء في فرض الصوم من الليل" ص ١٢٣، وأحمد: ص ٢٨٧ ج ٦، والبخاري في "التاريخ الصغير" ص ٦٧ والطحاوي: ص ٣٢٥، فليراجعهما. ٢ قلت: اندرج كلام المخرج في النسخة المطبوعة سابقًا، في أثناء قول أبي داود بحيث اختل نظام الكلام، وكان حق العبارة هكذا: قال أبو داود: رواه الليث، وإسحاق بن حازم عن عبد الله ابن أبي بكر مثله، ووقفه عن حفصة معمر، والزبيدي، وابن عيينة، ويونس الأيلي، انتهى. حديث ليث، عند الطبراني في "معجمه" وحديث إسحاق، عند ابن ماجه، وأخرجه الترمذي، الخ. أقول: هذا الاختلال غير موجود في نسخة الدار المخطوطة، وقد أزيل عن هذا الطبع، كما تراه "البجنوري". ٣ أي طريق سالم، ونافع، والله أعلم. ٤ وقال البخاري في "تاريخه الصغير" ص ٦٨، بعد ذكره اختلاف الناقلين: غير المرفوع أصح، اهـ، وقال الطحاوي: ص ٣٢٥: هذا الحديث لا يرفعه الحفاظ الذين يروونه عن ابن شهاب، ويختلفون عنه فيه اختلافًا يوجب اضطراب الحديث بما هو دونه، اهـ.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَوَقَفَهُ، وَتَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحَاقَ، وَجَمَاعَةٌ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَقَامَ إسْنَادَهُ وَرَفَعَهُ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، انْتَهَى. وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي "سُنَنِهِ الْكُبْرَى"١: ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ حَفْصَةَ، ثُمَّ سَاقَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ مَرْفُوعًا، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ سَالِمٍ بِهِ مَرْفُوعًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ أَيْضًا مَرْفُوعًا. قَالَ: وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ٢ عَنْ حَفْصَةَ مَوْقُوفًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِهِ مَوْقُوفًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بِهِ مَوْقُوفًا، قَالَ النَّسَائِيُّ: وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مَوْقُوفٌ، وَلَمْ يَصِحَّ رَفْعُهُ، لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ مَالِكٌ ﵁، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَوْلُهُ: ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، انْتَهَى. وَلَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأِ"٣ إلَّا كَذَلِكَ، مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ٤: سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ مَرْفُوعًا: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ"، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ مَرْفُوعًا، قُلْت لَهُ: أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَدْرَكَ سَالِمًا، وَرَوَى عَنْهُ، وَلَا أَدْرِي سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ قَوْلُهَا، وَهُوَ عِنْدِي أَشْبَهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"٥ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّادٍ ثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ" انْتَهَى. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ الْمُفَضَّلِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، انْتَهَى. وَأَقَرَّهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي "سُنَنِهِ"، وَفِي "خِلَافِيَّاتِهِ"، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّادٍ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ لَيْسَ
_________________
(١) ١ قلت: الروايات موجودة في "المجتبى" أيضا ٢ ظني أنه هو الصحيح، وفي النسخة المطبوعة: الربيع، بدل: أبيه، فلينظر. ٣ص ٨٦. ٤ ص ٢٢٥. ٥ الدارقطني: ص ٢٣٤، والبيهقي: ص ٢٠٣ ج ٤.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّادٍ الْبَصْرِيُّ يَقْلِبُ الْأَخْبَارَ، رَوَى عَنْ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثَ: مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ، وَهَذَا مَقْلُوبٌ إنَّمَا هُوَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ، رَوَى عَنْهُ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ نُسْخَةً مَوْضُوعَةً، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ الْوَاقِدِيِّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ سَعْدٍ تَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَجْمَعَ الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يُجْمِعْهُ، فَلَا يَصُمْ"، انْتَهَى. وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" بِالْوَاقِدِيِّ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇، قال بعد ما شَهِدَ الْأَعْرَابِيُّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ: "أَلَا مَنْ أَكَلَ فَلَا يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ"، قُلْت: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ" وَقَالَ: إن هذا الحديث لَا يُعْرَفُ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ: أَنْ تَصُومُوا غَدًا، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ١ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ لَيْلَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي لَفْظِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، قَالَ: أَبْصَرْت الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَلَكِنْ فِيهِ احْتِمَالٌ، أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ٢ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﵇، فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ، قَالَ: الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ يَعْنِي رَمَضَانَ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: فَيَصُومُوا، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، انْتَهَى. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا، وَمُسْنَدًا، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُرْسَلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَأَنَّ سِمَاكًا إذَا تَفَرَّدَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لِأَنَّهُ كَانَ يُلَقَّنُ فَيَتَلَقَّنُ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ مُسْنَدًا ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَقَدْ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِعِكْرِمَةَ، وَمُسْلِمٌ بِسِمَاكٍ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ تَفَرَّدَ بِهِ سِمَاكٌ: وَأَنَّ رَفْعَهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ،
_________________
(١) ١ الدارقطني: ص ٢٢٨ من حديث ابن عباس ﵁، والحاكم في "المستدرك" ص ٤٢٤ ج ١. ٢ أبو داود في "باب شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان" ص ٣٢٧، والنسائي في "باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان" ص ٣٠٠، والترمذي في "باب الصوم بالشهادة" ص ٨٧، وابن ماجه في "باب الشهادة على رؤية الهلال" ص ١٢٠، و"مشكل الآثار" ص ٢٠٢ ج ١.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
فَهُوَ مَرْدُودٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ١، قَالَ: ترائى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَرَأَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي حَدِيثِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ.
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٢ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ: أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: " أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ"، انْتَهَى. قَالَ الطَّحَاوِيُّ٣: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمٍ، وَلَمْ ينْوِه لَيْلًا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ": لَمْ يَكُنْ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا، فَلَهُ حُكْمُ النَّافِلَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"٤ عَنْ مُعَاوِيَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: "هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُفْرَضْ عَلَيْنَا صِيَامُهُ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، فَإِنِّي صَائِمٌ"، فَصَامَ النَّاسُ، قَالَ: وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ بِالْقَضَاءِ، انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ مَعْنَاهُ: لَيْسَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآنَ، أَوْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ بَعْدَ أَنْ فُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَهُوَ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ بعد ما أَسْلَمَ، فِي سَنَةِ تِسْعٍ، أَوْ عَشْرٍ، بَعْدَ أَنْ نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ، وَرَمَضَانُ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَنَسْخُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"٥ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا يَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ"، انْتَهَى. قَالَ: وَأَمَّا تَرْكُ الْأَمْرِ لِقَضَائِهِ: فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا قِيلَ فِيمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ فِي حَدِيثٍ غَرِيبٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"٦ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْلَمَةً عَنْ عَمِّهِ: أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﵇، فَقَالَ: صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ، قَالَ أَبُو دَاوُد: يَعْنِي عَاشُورَاءَ، انْتَهَى. وَهَذَا حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقُولُ بعد ما يُصْبِحُ غَيْرَ صَائِمٍ: "إنِّي إذًا لَصَائِمٌ"،
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: ص ٣٢٧ ج ١، والمستدرك: ص ٤٢٣ ج ١. ٢ البخاري في "باب إذا نوى بالنهار صومًا" ص ٢٥٧، ومسلم في "باب صوم عاشوراء" ص ٣٥٩ ج ١. ٣ ص ٣٢٧. ٤ البخاري: ص ٢٦٨، ومسلم: ص ٣٥٨. ٥ البخاري: ص ٢٦٨، ومسلم: ص ٣٥٧. ٦ أبو داود في "باب فضل صوم عاشوراء" ص ٣٣٩، والبيهقي: ص ٢٢١ ج ٤.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
قُلْت: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ١ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﵇ ذَات يَوْمٍ، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " فَقُلْنَا: لَا، فَقَالَ: "إنِّي إذًا صَائِمٌ"، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: "أَدْنِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا"، فَأَكَلَ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَالَ ﵇: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ الْهِلَالُ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا"، قُلْت: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ"، انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: "فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ"، وَفِي لَفْظٍ: "فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ"، وَفِي لَفْظٍ: "فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا"، وَالْمُصَنِّفُ ﵀ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ يَوْمُ شَكٍّ إذَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ إلَّا تَطَوُّعًا، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ": وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ﵁، أَنَّهُ يَجِبُ صَوْمُهُ بِنِيَّةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَا يُسَمَّى يَوْمَ شَكٍّ، قَالَ: وَيَوْمُ الشَّكِّ فَسَّرَهُ أَحْمَدُ بِأَنْ يَتَقَاعَدَ النَّاسُ عَنْ طَلَبِ الْهِلَالِ، أَوْ يَشْهَدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ يَرُدُّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ، وَنُقِلَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ ﵃، وَاسْتَدَلَّ لِأَصْحَابِنَا، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ، بِأَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ الْمُتَقَدِّمِ: "فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ"، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ قَالَ فِي "صَحِيحِهِ" الَّذِي خَرَّجَهُ عَلَى الْبُخَارِيِّ: تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ آدَمَ عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ فِيهِ: فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ غُنْدَرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَشَبَّابَةَ، وَعَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ: فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا قَالُوا فِيهِ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آدَم رَوَاهُ عَلَى التَّفْسِيرِ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِانْفِرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ وَجْهٌ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ رَمَضَانُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ، وَلَا يَصِيرُ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، عَلَى أَنَّ أَصْحَابَنَا يُؤَوِّلُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ ذِكْرِ شَعْبَانَ، فَقَالُوا: نَحْمِلُهُ عَلَى مَا إذَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ، وَهِلَالُ شَوَّالٍ، فَإِنَّا نَحْتَاجُ إلَى إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، فَإِنَّا وَإِنْ كُنَّا قَدْ صُمْنَا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَلَسْنَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَكِنَّا صُمْنَاهُ حُكْمًا، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى أقرب
_________________
(١) ١ مسلم في "باب جواز صوم النافلة بنية من النهار" ص ٣٦٤، والنسائي: ص ٣١٩. ٢ البخاري في "باب قول النبي ﷺ: "إذا رأيتم الهلال" الخ: ص ٢٥٦، ومسلم في "باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال" ص ٣٤٨. * في نسخة: ابن إسماعيل
[ ٢ / ٤٣٧ ]
مَذْكُورٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ. الثَّانِي: أَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ مُفَسَّرًا: "إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا"، انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": وَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ أَنَّ آدَمَ بْنَ أَبِي إيَاسٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ عَلَى التَّفْسِيرِ مِنْ عِنْدِهِ للخبر، فغير قادح في صِحَّةِ الْحَدِيثِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ اللَّفْظَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ أَحَدَهُمَا، وَذَكَرَ الرَّاوِي اللَّفْظَ الْآخَرَ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ لِلْعَهْدِ أَيْ عِدَّةَ الشَّهْرِ وَالنَّبِيُّ ﵇ لَمْ يَخُصَّ بِالْإِكْمَالِ شَهْرًا دُونَ شَهْرٍ، إذَا غُمَّ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ، إذْ لَوْ كَانَ شَعْبَانُ غَيْرَ مُرَادٍ مِنْ هَذَا الْإِكْمَالِ لَبَيَّنَهُ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْإِكْمَالِ عَقِيبَ قَوْلِهِ: صُومُوا وَأَفْطِرُوا، فَشَعْبَانُ وَغَيْرُهُ مُرَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ، فَلَا تَكُونُ رِوَايَةُ: فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ مُخَالِفَةً لِرِوَايَةِ: فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ، بَلْ مُبَيِّنَةٌ لَهَا. أَحَدُهُمَا: أَطْلَقَ لَفْظًا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الشَّهْرِ، وَالثَّانِي: ذَكَرَ فَرْدًا مِنْ الْأَفْرَادِ، قَالَ: وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ١ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: "لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ، فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا"، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حبان في "صحيحهما"، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي "مُسْنَدِهِ"٢ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ٣: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَمَامَةٌ أَوْ ضَبَابَةٌ، فَأَكْمِلُوا شَهْرَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ". قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَسِمَاكٌ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" قَالَ: وَاَلَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ: أَنَّ كُلَّ شَهْرٍ غُمَّ أَكْمَلَ ثَلَاثِينَ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَعْبَانُ، وَرَمَضَانُ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ" رَاجِعًا إلَى الْجُمْلَتَيْنِ، وَهُمَا قَوْلُهُ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أَيْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي صَوْمِكُمْ، أَوْ فِطْرِكُمْ"، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اللَّفْظِ، وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَقْدِرُوا لَهُ"، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ٤ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ
_________________
(١) ١ أبو داود في "باب من قال: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين" ص ٣٢٥، والترمذي في "باب: إن الصوم لرؤية الهلال والافطار له" ص ٨٧، والطحاوي: ص ٢٥٣، وأحمد: ص ٢٢٦. ٢ الطيالسي: ص ٣٤٨، ومن طريقه البيهقي: ص ٢٠٨ ج ٤. ٣ في نسخة الدار "عن عكرمة به" "البجنوري". ٤ أبو داود في "باب إذا أغمى الشهر" ص ٣٢٥، والنسائي في "باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم" ص ٣٠١،
[ ٢ / ٤٣٨ ]
عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ" انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ"؛ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا١ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇، فَذَكَرَهُ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ، فَذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ مُرْسَلًا، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ قَالَ فِيهِ: عَنْ حُذَيْفَةَ غَيْرَ جَرِيرٍ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الصَّحْوِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْغَيْمَ، أَوْ عَلَى مَا إذَا غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ، وَهِلَالُ شَوَّالٍ، كَمَا سَبَقَ، قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇، وَإِنَّ تَسْمِيَةَ حُذَيْفَةَ، وَهْمٌ مِنْ جَرِيرٍ، فَظَنَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ هَذَا تَضْعِيفٌ مِنْ أَحْمَدَ لِلْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِمُرْسَلٍ، بَلْ مُتَّصِلٌ، إمَّا عَنْ حُذَيْفَةَ، وَإِمَّا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇، وَجَهَالَةُ الصَّحَابَةِ غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ، قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد٢ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلَالِ شعبان مالا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ رَمَضَانَ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ٣ وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذِهِ عَصَبِيَّةٌ مِنْ الدَّارَقُطْنِيِّ، كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا يَرْضَى مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، قَالَ فِي "التَّنْقِيحِ": لَيْسَتْ الْعَصَبِيَّةُ مِنْ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَإِنَّمَا الْعَصَبِيَّةُ مِنْهُ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ ثِقَةٌ صَدُوقٌ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو زُرْعَةَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حاتم: سألت عَنْهُ، فَقَالَ: حَسَنُ الْحَدِيثِ، صَالِحُ الْحَدِيثِ. وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، وَلَمْ يَرْوِ شَيْئًا خَالَفَ فِيهِ الثِّقَاتِ، وَكَوْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَانَ لَا يَرْضَاهُ، غَيْرُ قَادِحٍ فِيهِ، فَإِنَّ يَحْيَى شَرْطُهُ شَدِيدٌ فِي الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: لَوْ لَمْ أَرْوِ إلَّا عَمَّنْ أَرْضَى، مَا رَوَيْت إلَّا عَنْ خَمْسَةٍ. وَقَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، غَيْرُ قَادِحٍ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْهُ فِي رِجَالٍ كَثِيرِينَ مِنْ أصحاب الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ السَّبَبِ، كَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) والطحاوي: ص ٢٥٤ عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وكذا الدارقطني: وقال: كلهم ثقات، والبيهقي: ص ٢٠٨، وقال: وصله جرير عن منصور، بذكر حذيفة، وهو ثقة حجة. ١ والترمذي: ص ٨٦ عن البعض فقط. ٢ أخرجه أبو داود: ص ٣٢٥. ٣ الدارقطني: ص ٢٢٧.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ الْأَشْدَقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ، قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ صِيَامًا، وَكَانَ الشَّهْرُ قَدْ أُغْمِيَ عَلَيْنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﵇، فَأَصَبْنَاهُ مُفْطِرًا، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ صُمْنَا الْيَوْمَ، فَقَالَ "أَفْطِرُوا"، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا يَصُومُ هَذَا الْيَوْمَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ يُتَمَارَى فِيهِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ لَيْسَ مِنْهُ" يَعْنِي مِنْ رَمَضَانَ قَالَ الْخَطِيبُ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كِفَايَةٌ عَمَّا سِوَاهُ، وَشَنَّعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى الْخَطِيبِ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ تَشْنِيعًا كَثِيرًا، وَقَالَ: إنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَلَى ابْنِ جَرَادٍ، لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَرَخَّصُوا فِي ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نُسْخَةُ يَعْلَى بْنِ الْأَشْدَقِ عَنْ ابْنِ جَرَادٍ، وَهُوَ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: يَعْلَى بْنُ الْأَشْدَقِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: يَعْلَى بْنُ الْأَشْدَقِ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرَادٍ أَحَادِيثُهُ مُنْكَرَةٌ، وَهُوَ وَعَمُّهُ غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀: لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، انْتَهَى. وَوَافَقَهُ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ" عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: قَالَ ﵇: "لَا يُصَامُ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا تَطَوُّعًا".قُلْت: غَرِيبٌ جِدًّا١.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَالَ ﵇: "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ".
قُلْت: رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي "كُتُبِهِمْ"٢ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَيَصُومُهُ" ٣، انْتَهَى. وَآخِرُ الْحَدِيثِ يَدْفَعُ تَأْوِيلَ صَاحِبِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ لِلشَّافِعِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا، ابْتِدَاءً، أَيْ لَا يُوَافِقُ عَادَةً، ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَصُومُوا رَمَضَانَ فِي غَيْرِ أوانه، ويرده ما وفع فِي لَفْظٍ أَيْضًا: " لَا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَانَ٤ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ"، وَقَدْ جَاءَ بِالتَّصْرِيحِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
_________________
(١) ١ قال الحافظ في "الدراية" ص ١٧٢: معناه يخرج من الحديثين الماضي والآتي، والله أعلم. ٢ البخاري في "باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم أو يومين" ص ٢٥٦، ومسلم في "باب وجوب صوم رمضان" ص ٣٤٨، والترمذي: ص ٨٦، وأبو داود: ص ٣٢٦، والنسائي: ص ٣٠٥، وص ٣٠٧، وابن ماجه: ص ١٢٠. ٣ كذا في ابن ماجه، وفي نسخة الدار "فيصوم" ولفظ مسلم: "فليصمه" "البجنوري". ٤ محط الرد، قوله: بين يدي رمضان.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمٍ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ، وَالْأَضْحَى، وَالْفِطْرِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، انْتَهَى. وَقَالَ: انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ١ وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ بِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ أَبُو عَبَّادٍ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَعَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، انْتَهَى. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَرَاهِيَةُ الصَّوْمِ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَحُجَّتُهُمْ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ٢ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا بَقِيَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا"، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُفْطِرَ الرَّجُلُ حَتَّى إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ أَخَذَ فِي الصَّوْمِ، انْتَهَى. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ الْعَلَاءِ، وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، قَالَ: وَسَأَلْت عَنْهُ ابْنَ مَهْدِيٍّ فَلَمْ يُصَحِّحْهُ: وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ، وَكَانَ يَتَوَقَّاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: وَالْعَلَاءُ ثِقَةٌ، لاينكر مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا هَذَا، وَعِنْدَ النَّسَائِيّ فِيهِ: فَكُفُّوا، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "كِتَابِهِ": وَرُوِيَ٣: فَأَمْسِكُوا، رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ الْعَلَاءِ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ الْعَلَاءِ، فَكُفُّوا، قَالَ: وَبَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، وَلَفْظِ التِّرْمِذِيِّ فَرْقٌ، فَإِنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ نَهْيٌ لِمَنْ كَانَ صَائِمًا عَنْ التَّمَادِي فِي الصَّوْمِ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ نَهْيٌ لِمَنْ كَانَ صَائِمًا، وَلِمَنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا عَنْ الصَّوْمِ بَعْدَ النِّصْفِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ": قَالَ أَبُو دَاوُد: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْتَارُ أَنْ يُفْطِرَ الرَّجُلُ يَوْمَ الشَّكِّ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ، فَأَخْتَارُ أَنْ يَصُومَهُ، انْتَهَى. وَهَذَا خِلَافُ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ٤، وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِ يَوْمَ الشَّكِّ تَطَوُّعًا، قُلْت: غَرِيبٌ،
_________________
(١) ١ لفظ البيهقي: "هو غير قوي". ٢ الترمذي في "باب كراهية الصوم في النصف الباقي من شعبان" ص ٩٢ ج ١، وأبو داود في "باب كراهية ذلك" ص ٣٢٦، وابن ماجه في "باب النهي أن يتقدم رمضان بيوم ص ١٢٠، بلفظ: فلا صوم حتى يأتي رمضان. ٣ رواه الدارمي في "مسنده" ص ٢٢٠. ٤ أخرج البيهقي في "سننه الكبرى" ص ٢١١ ج ٤ عن عبد الله بن أبي موسى، مولى بني نصر أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن اليوم الذي يشك فيه الناس، فقالت: لأن أصوم من شعبان أحب إلى من أن أفطر رمضان، اهـ. وأخرج نحوه عن أسماء بنت أبي بكر، وأبي هريرة، وأخرج الشافعي في "كتاب الأم" ص ٨٠ ج ٢
[ ٢ / ٤٤١ ]
وَفِي "التَّحْقِيقِ" لِابْنِ الْجَوْزِيِّ مَذْهَبُ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ أَنَّهُ يَجِبُ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا حَالَ دُونَهُ غَيْمٌ أَوْ نَحْوُهُ، قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لا يسمى يوم الشك، بَلْ هُوَ مِنْ رَمَضَانَ حُكْمًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ: قَالَ ﵇: "مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ".قُلْت: غَرِيبٌ أَيْضًا، وَالْمَعْرُوفُ هَذَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ فِي كُتُبِهِمْ١ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأَتَى بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ، فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، انْتَهَى: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" فِي النَّوْعِ الثَّامِنِ وَالسَّبْعِينَ، مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" تَعْلِيقًا، فَقَالَ: وَقَالَ: صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ إلَى آخِرِهِ، وَوَهَمَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ فِي "الْغَايَةِ" فَعَزَاهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ. وَمُسْلِمٌ لَمْ يَرْوِهِ، وَالْبُخَارِيُّ إنَّمَا ذَكَرَهُ تَعْلِيقًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَلَّدَ سِبْطَ ابْنَ الْجَوْزِيِّ فِي ذَلِكَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي "تَارِيخِ بَغْدَادَ٢ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْآدَمِيِّ" ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ ثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ: تَابَعَ الْآدَمِيُّ عَلَيْهِ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ الطَّبَرَانِيَّ عَنْ وَكِيعٍ، وَرَوَاهُ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ وَكِيعٍ، فَلَمْ يُجَاوِزْ بِهِ عِكْرِمَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ"٣ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى
_________________
(١) ومن طريقه الدارقطني: ص ٢٢٣ عن فاطمة بنت الحسين أن رجلًا شهد عند عليٍّ على رؤية الهلال، فصام، وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يومًا من شعبان، أحب إليَّ أن أفطر يومًا من رمضان، اهـ. قال الحافظ في "التلخيص" ص ١٩٧: فيه انقطاع، اهـ. ١أبو داود في "باب كراهية صوم يوم الشك" ص ٤٢٦، والترمذي: ص ٨٦، والنسائي: ص ٣٠٦، وابن ماجه: ص ١٢٠، والطحاوي: ص ٣٥٦، والحاكم: ص ٤٢٣، والدارقطني: ص ٢٢٧، والبخاري: ص ٢٥٦ تعليقًا، والدارمي: ص ٢١٢. ٢ "تاريخ بغداد" ص ٣٩٧ ج ٢. ٣ قال الهيثمي في "الزوائد" ص ٢٠٣ ج ٣: رواه البزار، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف، قلت: تقدم الحديث في الحديث السادس، ورواه الدارقطني: ص ٢٢٧، بإسناد آخر، وقال الواقدي: غيره أثبت منه.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ السَّنَةِ: يَوْمِ الْأَضْحَى. وَيَوْمِ الْفِطْرِ: وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَالْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ، انْتَهَى.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ"، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: صَحَّ أَنَّهُ ﵇ قَبِلَ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، قُلْت: فِيهِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ١ عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قَدَامَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ، قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا"، انْتَهَى. وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحَيْهِمَا"، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِسِمَاكٍ، وَالْبُخَارِيُّ احْتَجَّ بِعِكْرِمَةَ، انْتَهَى. وَلَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَابْنِ مَاجَهْ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ٢: جَاءَ لَيْلَةَ رَمَضَانَ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد: رَأَيْت الْهِلَالَ يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ وَتَابَعَ زَائِدَةَ عَلَى إسْنَادِهِ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، وَحَازِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، فَرَوَاهُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَحَدِيثُ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ سِمَاكٍ يَرْوُونَهُ عَنْهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ مُرْسَلًا، انْتَهَى. وَحَدِيثُ حَازِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي "مُعْجَمِهِ"٣ وَرَوَاهُ عَنْ سِمَاكٍ أَيْضًا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"٤ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ بِهِ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَقَالَ فِيهِ: فَنَادَى فِي النَّاسِ: أَنْ تَقُومُوا، وَأَنْ تَصُومُوا، وَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقِيَامَ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ عَنْ سِمَاكٍ أَيْضًا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ٥ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سِمَاكٍ بِهِ مُسْنَدًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ بِهِ مُرْسَلًا، قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ٦، لِأَنَّ سِمَاكًا كَانَ يُلَقَّنُ
_________________
(١) ١ تقدم في ص ٤٣٥ في الحديث الثاني. ٢ الدارقطني: ص ٢٢٨، وأبي داود: ص ٣٢٧، والترمذي: ص ٨٧. ٣ والدارقطني: ٢٢٧. ٤ أبو داود في "سننه" ص ٣٢٧، والحاكم في "المستدرك" عن عثمان بن سعيد ص ٤٢٤ ج ١، وعنهما البيهقي: ص ٢١٢ ج ٤. ٥ ص ٣٠٠. ٦ قال: وهذا، الخ، لم أجد في المطبوعة، والله أعلم. أقول: لعل هناك سقطًا في المطبوعة، وهذه العبارة موجودة، في نسخة الدار أيضًا "البجنوري".
[ ٢ / ٤٤٣ ]
فَيَتَلَقَّنُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ أَثْبَتُ فِي سُفْيَانَ مِنْ الْفَضْلِ، انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ: رِوَايَةَ زَائِدَةَ١، وَحَازِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْبَجَلِيِّ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيِّ، وَقَدْ رَأَيْت ابْنَ الْمُبَارَكِ يَرْوِي كَثِيرًا مِنْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ فَيُوقِفُهُ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ"٢ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْته، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، انْتَهَى. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ بِهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" بِسَنَدِ أَبِي دَاوُد، وَكَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "سُنَنِهِ"، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ، انْتَهَى. وَسَنَدُ الْحَاكِمِ وَارِدٌ عَلَيْهِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْأَيْلِيِّ ثَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: شَهِدْت الْمَدِينَةَ وَبِهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى وَالِيهَا فَشَهِدَ عِنْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ شَهَادَتِهِ، فَأَمَرَاهُ أَنْ يُجِيزَهُ، وَقَالَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ هِلَالِ رَمَضَانَ قَالَا: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْإِفْطَارِ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، انْتَهَى. وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْأَيْلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ": حَفْصٌ هَذَا، هو حفص بن عمرو بْنِ دِينَارٍ الْأَيْلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ، وَأَمَّا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ الْعَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْفَرْخِ، فَرَوَى لَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَ هُوَ هَذَا.
الْآثَارُ: رَوَى أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَ وَرْقَاءُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كُنْت مَعَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْبَقِيعِ، نَنْظُرُ إلَى الْهِلَالِ، فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْت؟ قَالَ: مِنْ الْمَغْرِبِ، فَقَالَ: أَهْلَلْت؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إنَّمَا يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، انْتَهَى. وَعَبْدُ الْأَعْلَى هَذَا مُتَكَلَّمٌ فِيهِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ٣ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
_________________
(١) ١ رواية زائدة، عند أبي داود، والنسائي، ورواية حازم بن إبراهيم، عند الدارقطني، ورواية أبي عاصم، عند الحاكم أيضًا. ٢ أبو داود في "باب شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان" ص ٣٢٧، والحاكم: ص ٤٢٣، والدارقطني ص ٢٢٧. ٣ الشافعي في "كتاب الأم" ص ٨٠ ج ٢.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
بْنِ عمر وابن عُثْمَانَ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بنت حسن أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، فَصَامَ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا، وَقَالَ: أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، انْتَهَى.
حَدِيثٌ لِمَالِكٍ ﵁ فِي "الشَّاهِدَيْنِ": اُسْتُدِلَّ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: "لَا يُصَامُ وَلَا يُفْطَرُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ" بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَنَا، فَقَالَ: عَهِدَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسُكَ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ، وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا، فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَارِثِ مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ لَقِيَنِي بَعْدُ، فَقَالَ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، انْتَهَى. وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ.
[ ٢ / ٤٤٥ ]