كلام الحافظ والرد عليه:
وقد يقال: إن ما ذهبت إليه من تضعيف القصة سندًا، وإبطالها متنًا، يخالف ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من تقويتها كما سبق الإشارة إليه آنفًا.
فالجواب: أنه لا ضَير علينا منه، ولئن كنا خالفناه، فقد وافقنا جماعة من أئمة الحديث والعلم سيأتي ذكرهم، فاتباعهم أولى، لأن النقد العلمي معهم، لا لأنهم كثرة، ورحم الله من قال: "الحق لا يعرف بالرجال إعرف الحق تعرف الرجال".
ولبيان ذلك لا بد لي من أن أنقل كلام الحافظ بتمامه، ثم أتبعه ببيان رأينا فيه، والصواب الذي نرمي إليه فأقول: قال الحافظ في "الفتح: ٨/٣٥٤-٣٥٥" بعد أن ساق الرواية الأولى وخرّجها هي وغيرها مما تقدم:
"وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف وإما منقطع، ولكن لكثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلًا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط "الصحيحين" ثم ذكر الرواية الثانية والثالثة ثم قال: "وقد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل
[ ٣٧ ]
لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين، لم يسندها أحد منهم، ثم ردّه من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك انتهى. وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أن لها أصلًا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لا اعتضاد بعضها ببعض".