«عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يومًا: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكر أحدكم
[ ٣٦ ]
أخاه بما يكره، فقال رجل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». أخرجه أبو داود والترمذي».
قلت: هو في "صحيح مسلم" في «البر والصلة والآداب» (٧/ ٢١) من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة به. ورواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٧/١٠ - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي) عن المطلب بن عبد الله بن خطب المخزومي مرسلًا.
وبهذه المناسبة لا بد من التنبيه على خطيئة فاحشة، وقعت للمحقق المذكور في تخريجه لأثر ذكره الإمام مالك في الباب الذي قبل باب هذا الحديث، فقد جاء فيه: «مالك أنه بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله » الخ، فجاء تحته في التخريج المشار إليه ما نصه:
«مرسل. وقد وصله العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة. أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٢٠ - باب تحريم الغيبة، حديث ٧٠».
ولما رجعت إلى الحديث الذي أشار إليه والباب، تبين أنه يعني حديث أبي هريرة هذا في الغيبة، وليس له أية صلة بقول عيسى ﵇ الذي ذكره مالك ﵀ بلاغًا.
فكيف وقعت هذه الخطيئة؟ يبدو -والله أعلم- أن المحقق محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ كان ربط ورقة هذا التخريج بحديث المطلب الذي رواه مالك عنه مرسلًا كما ذكرنا، ليطبع تحته، فأخطأ الطابع فطبعه تحت قول عيسى ﵇، ثم انطلى ذلك على المصحح، ولا أستبعد
[ ٣٧ ]
أن يكون هو المحقق نفسه، لأنه ليس من العلماء بالحديث ولا حفظ عنده فيه ولا عناية له به. وإنما هو مفهرس فقط، وليس كل من قال «أخرج فلان» أو «روى فلان» صار من أهل الحديث!
وأما السبب في اكتشاف هذه الخطيئة، فله قصة مضحكة مبكية، يحسن ذكرها لما فيها من عبرة:
منذ بضع سنين جاءني أحد الخطباء في بعض مساجد دمشق ومن الوعاظ المتجولين، فذكر لي أنه ألف كتابًا، أورد فيه أحاديث انتقاها من كتب السنة، وأنه طلب من بعض الأغنياء المحسنين أن يساعده على طبع الكتاب، قال: فقال له ذلك المحسن: إذا كان الأستاذ ناصر الدين الألباني يوافق على طبعه فأنا أساعدك على ذلك. ثم طلب موافقتي، فأبيت حتى أطلع على الكتاب، فأرسله إلي. فلما تصفحته، وجدت فيه أشياء عجيبة مستنكرة، من ذلك أنه عزى قول عيسى هذا ﵇ الذي رواه مالك بلاغًا إلى صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: قال
عيسى ! !
فلما رأيت هذا عجبت منه أشد العجب لتيقني بأن مثل هذا الحديث لا أصل له في "صحيح مسلم"، ولا في غيره من الكتب الستة اللهم إلا الجملة الأولى منه، فهي عند الترمذي من حديث ابن عمر بسند ضعيف كما بينته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٩٢٤) أو ما بعده.
فاتصلت به هاتفيًّا، وذكرت له رأيي في الكتاب، وما فيه من مآخذ وأخطاء، أشدها هذا العزو، ثم قلت له: فمن أين لك هذا، فسكت برهة، ثم قال: اصبر قليلًا حتى آتي بالكتاب، ثم هتف إلي
[ ٣٨ ]
قائلًا -ويا لهول ما قال-: إن الإمام مالك هو الذي عزى الحديث لمسلم في كتاب البر والصلة الخ! ! فقلت: ما هذا أيها الشيخ! ألا تعلم أن بين مسلم ومالك مفاوز، وأن مسلمًا متأخر عن مالك، فإن من شيوخ مسلم الإمام أحمد، ومن شيوخ هذا الإمام الشافعي، ومن شيوخ الشافعي مالك، فكيف يعزو مالك الحديث إلى مسلم، وهو قد مات قبله بسنين؟ ! ثم سكت متحيرًا، وتكلم بكلمات فهمت منها أن مالكًا قال ذلك في كتابه "الموطأ"! فقلت: هذا مستحيل، وسأدرس الموضوع، وأبين لك الحقيقة إن شاء الله تعالى.
فعدت إلى المكتبة الظاهرية، وراجعت "الموطأ" بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، فكان ذلك هو السبب لاكتشاف تلك الخطيئة الفاحشة التي أنبتت أفحش منها، بسبب جهل الناس بالحديث وقلة عنايتهم به حتى في المدارس الشرعية والكليات. والله المستعان.